صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3961

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

الطبطبائي: حكم اعتبار القيود الأمنية عملاً سيادياً استطراد من المحكمة لا محل له

  • 23-01-2018

نشرت مجلة الحقوق المحكمة التابعة لمجلس النشر العلمي بجامعة الكويت في عددها الأخير، تعليقاً لأستاذ القانون والخبير الدستوري د. عادل الطبطبائي على الحكم الصادر من محكمة التمييز، بشأن اعتبار القيود الأمنية من قبيل أعمال السيادة، وجاء التعليق على النحو التالي:

أولاً- الوقائع:

تتلخص الوقائع بقيام احد افراد فئة المقيمين بصفة غير قانونية في البلاد (البدون)، بإقامة الدعوى رقم 4034/2014 يطلب فيها الحكم بإلغاء القرار الإداري الصادر من وكيل وزارة الداخلية ورئيس الجهاز المركزي لمعالجة أوضاع المقيمين بصورة غير قانونية، بصفتيهما، بوضع قيد أمني عليه، وما يترتب على ذلك من آثار، على سند من القول بأنه من فئة المقيمين بصورة غير قانونية، وقد التحق بالعمل لدى الطاعن الأول، بصفته، بتاريخ 2/1/1962، واستمرار عمله إلى ان تم انتهاء خدمته في 5/1/1997، إلا انه بعد انتهاء خدمته فوجئ بصدور القرار المطعون فيه بوضع قيد أمني عليه بحجة التحاقه بالجيش الشعبي العراقي إبان الغزو، على الرغم من أنه ظل في الخدمة بعد الغزو وصرفت مستحقاته المالية، وإذ لم يتلق رداً من الطاعنة، بصفتها، فقد أقام الدعوى.

وحكمت محكمة أول درجة بإلغاء القرار الصادر من الطاعن الأول بوضع قيد امني على المطعون ضده، وما ترتب على ذلك من آثار.

استأنف الطاعنان، بصفتيهما، هذا الحكم بالاستئناف رقم 1989/2015 إداري، وبتاريخ 14/2/2016 قضت محكمة الاستئناف بتأييد الحكم المستأنف.

وطعن الطاعن بصفته على هذا الحكم بطريق التمييز، وأودعت النيابة مذكرة أبدت فيها الرأي برفض الطعن، وإذ عرض الطعن على هذه المحكمة في غرفة المشورة؛ فقد حددت جلسة لنظره، وفيها التزمت النيابة رأيها.

وانتهت محكمة التمييز بحكمها محل التعليق الى إلغاء الحكم الصادر بإلغاء القرار، مسببة حكمها بأنه: «وحيث إن الطعن اقيم على سبب واحد ينعي به الطاعنان على الحكم المطعون فيه بالمخالفات للقانون والفساد في الاستدلال، وفي بيان ذلك يقول الطاعنان إنهما تمسكا أمام محكمة الموضوع بدرجتيها بدفاع حاصله ان القرار المطعون فيه يتعلق بأمن الدولة، بحسبان ان المطعون ضده انضم للقوات العراقية إبان الغزو العراقي، بما يعد معه وضع القيد الأمني عليه من أعمال السيادة التي تخرج عن الاختصاص الولائي للمحاكم، وإذ خالف الحكم المطعون فيه هذا النظر وقضى باختصاصه بنظر الدعوى فإنه يكون معيباً يستوجب تمييزه.

وحيث إن هذا النعي سديد، ذلك انه من المقرر في قضاء هذه المحكمة ان اعمال السيادة لا تنصرف الا الى تلك الاعمال التي تتصل بالسياسة العليا أو بالإجراءات التي تتخذها الحكومة، باعتبارها سلطة حكم في حدود وظيفتها السياسية، بما لها من سلطة عليا للمحافظة على سيادة الدولة وكيانها في الداخل والخارج، ومن ثم تكون المحاكم المختصة بتقرير الوصف القانوني للعمل الصادر من الحكومة، وما اذا كان يعد من اعمال السيادة او لا يعد كذلك، ويخضع تكييف محكمة الموضوع- لهذا الأمر- لرقابة محكمة التمييز. لما كان ذلك، وكان القرار الصادر من الطاعن، بصفته، بوضع قيد أمني على المطعون ضده هو عمل مادي بحت تتخذه الجهات الامنية حفاظاً على الامن العام بما لها من سلطة بمقتضى القوانين واللوائح في الشكل الذي يتطلبه القانون، وكان الباعث عليه ابتغاء مصلحة عامة، وقد ورد بكتاب جهاز أمن الدولة التابع لوزير الداخلية بوجود معلومات جدية بأن المطعون ضده انضم للقوات العراقية أثناء فترة الاحتلال العراقي الغاشم لدولة الكويت بتاريخ 5/11/1990 من خلال التحاقه بالقوات العراقية، وبالمعسكر الخاص لتدريب المقاتلين للجيش الشعبي، ومن ثم فإن وضع القيد الأمني يعتبر من اعمال السيادة، ويتعلق بأمن الدولة وسيادتها على مَن يقيم على ارضها، وهو الأمر الذي لا تختص به المحاكم من ولاية- واذ خالف الحكم الطعين هذا النظر فإنه يكون معيباً يستوجب تمييزه.

وحيث انه وعن موضوع الاستئناف رقم 1898/2015 إداري، صالح للفصل فيه، لما تقدم واذ خالف الحكم المستأنف هذا النظر وقضى باختصاص المحاكم بنظر هذا الطلب، الأمر الذي يتعين معه إلغاؤه والقضاء بعدم اختصاص المحاكم الولائي بنظر الدعوى.

حكمت المحكمة: بقبول الطعن شكلاً وفي الموضوع بتمييز الحكم المطعون فيه، وألزمت المطعون ضدها المصروفات وعشرين ديناراً أتعاب المحاماة.

وفي موضوع الاستئناف رقم 1898 لسنة 2015 إداري، بإلغاء الحكم المستأنف والقضاء بعدم اختصاص المحكمة ولائياً بنظر الدعوى، وألزمت المستأنف ضده المصروفات عن درجتي التقاضي وعشرين ديناراً أتعاب المحاماة».

ثانياً- التعليق:

انتهت محكمة التمييز في حكمها محل التعليق الى ان القيود الامنية تعتبر من اعمال السيادة، وتتعلق بأمن دولة الكويت وسيادتها على من يقيم على ارضها، وهو الأمر الذي لا تختص فيه المحاكم من ولاية.

ولكن المحكمة عادت فقالت: «لما كان ذلك وكان القرار الصادر من الطاعن بصفته بوضع قيد أمني على المطعون ضده هو عمل مادي بحت تتخذه الجهات الأمنية حفاظاً على الامن العام، بما لها سلطة بمقتضى القوانين واللوائح في الشكل الذي يتطلبه القانون، وكان الباعث عليه ابتغاء مصلحة عامة».

والسؤال الواجب طرحه هنا: هل وضع قيد أمني قرار اداري تتخذه الجهة الإدارية ويعتبر من اعمال السيادة، كما انتهت المحكمة في حكمها؟ ام هو عمل مادي بحت تتخذه الجهات الأمنية حفاظاً على الامن العام، بما لها من سلطة بمقتضى القوانين واللوائح في الشكل الذي يتطلبه القانون؟

ذلك ان المحكمة في سياق حكمها جاءت بوصفين متناقضين للقيد الأمني، أولهما اعتبرت فيه القيد الأمني عملاً من أعمال السيادة، اما الثاني فاعتبرت القيد الأمني مجرد عمل مادي بحت.

ومن المستقر عليه في احكام محكمة التمييز وجوب عدم الخلط بين القرار الإداري (ولو ارتقى الى مقام اعمال السيادة) والعمل المادي، لان القرار الإداري يتميز عن العمل المادي بأنه يكون مصحوباً بقصد إحداث تعديل في المراكز القانونية، في حين ان العمل المادي يكون دائماً مجرد واقعة مادية او اجراء مثبتاً لها، ولا يقصد به تحقيق آثار قانونية معينة، ويكون دائماً مجرد نتيجة مادية.

وفي حكم آخر لها، قررت المحكمة أن القرار الاداري- وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة- هو عمل تفصح به جهة الادارة عن ارادتها الملزمة بما لها من سلطة بمقتضى القوانين واللوائح بقصد احداث اثر قانوني معين، بما مؤداه ان القرار الاداري يتميز عن العمل المادي بأن الأول يكون مسبوقاً او مصحوباً بقصد احداث تعديل في المراكز او اجراء مثبت لها، ولا يقصد به تحقيق آثار قانونية معينة الا ما كان منها وليد ارادة المشرع مباشرة.

ويترتب على التمييز بين القرار الإداري والعمل المادي أن القرار الإداري تختص المحاكم الادارية بإلغائه والتعويض عنه اذا كان غير مشروع، ما لم يرق هذا القرار الى مصاف اعمال السيادة، فعندها يخرج من اختصاص المحاكم لهذا السبب.

اما العمل المادي فيخرج من اختصاص القضاء الإداري، وتختص المحاكم العادية بنظر المنازعات المتعلقة به.

ولما كان التصرف او العمل الواحد لا يمكن ان يكون له طبيعتان قانونيتان مختلفتان في آن واحد، بحيث يكون قرار اداريا وفي الوقت نفسه عملا مادياً، فهو اما ان يكون قراراً اداريا او عملا مادياً، فإنه يترتب على ذلك ان وصف الحكم للقيد الأمني بأنه: قرار اداري بوصفه عملا مادياً بحت، لا يستقيم مع المنطق القانوني المجرد، مما كان يستلزم على الحكم عدم الاستطالة على وصف القيد الأمني بأنه عمل مادي بحت، لأنه بذلك يكون قد قرر عدم اختصاص القضاء الإداري بنظره، ومن ثم لا يستقيم ان ينتهي الحكم الى عدم اختصاصه ولائياً بنظر النزاع المطروح عليه، وإنما كان على المحكمة ان تقضي بانتفاء القرار الاداري، ولكن المحكمة انتهت في حكمها الى وصف القيد الأمني بأنه عمل من أعمال السيادة، وبالتالي يخرج عن نطاق اختصاصها الولائي، الأمر الذي يدعونا الى التساؤل: اين وصف المحكمة للقيد الأمني بأنه عمل مادي بحت؟ فهل ما حدث هو مجرد استطراد من المحكمة لا محل له؟ ربما كان الأمر كذلك.