صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3694

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

حبر و ورق

  • 20-01-2018

غَيَابَتْ

حملها بين ذراعيه وقد التصقت شعراتها النافرة وهدأت ثورتها للمرة الأولى، سيلٌ من العرق والدموع.. عرقها وعرقه! يكتم أنفه بطرف قميصه، ربما هرباً من رائحة الزقاق، أو أنّ هذه المخلوقة التي بين يديه قد وصلت إلى مرحلة الخمج! يطرق الباب بيد هزيلة اقتات الدهر منها، يضع الفتاة على بداية الدرج، يمسح جبهته، يقول مقطباً جبينه:

– أخبرتها ألا تخرج إلى الشارع ولا تحتك بالصبية أو تفتعل المشاكل ولكنها لا تسمعني يا خالة..

تبادلا النظر، ترسم للطفل شبه ابتسامة سريعة، هذه الابتسامة اللزجة التي تخبرك بشكل مهذب جداً أن تغرب عن وجهها! رغم ملامحها الخالية من مشاعر الإنسانية، رغم الصلابة المرسومة في تجاعيد عينيها إلا أنها حملت أختها، احتضنتها بشدة، وضاعت الأخرى في جسدها المترامي الأطراف..

لا تدري، هل حضنها يطمئنُ أم يخنق لشدته!! المهم أنّه يَغيّبُها عن العمر لفترة وجيزة، تحلمُ فيها بحياة خالية من بعض «صبية الحارة» والقطط المسعورة..

الغرفة خاوية إلا من بعض الأغطية الخفيفة، جسدٌ ضخم ممدد بجوار الجدار، يلتصق به آخر أقل حجماً، ضئيلٌ ولا يكاد يُرى وقد تعلقت دموعه برمشه..

تطلق «الخالة» تنهيدة طويلة، الجميع يُناديها بهذا مع تباين النوايا! تكادُ تنسى اسمها المدوّن على آلاف الأوراق، بدءاً بشهادة الميلاد، ميلاد دخولها للمعاناة..

الرابعة فجراً

رغم خلو الحائط من أي آلة تدل على الوقت، إلا أن تلافيف دماغها كانت تعمل بشكل دقيق، تلتف حول بعضها بشدة، محدثةً صداعاً طفيفاً يعلو حاجبها الأيسر، تفتحُ عينيها ببطء، وتعلمُ أنه حان موعدُ الحياة، الخروج من هذا المكان النائي لا بد أن يكون «حياة». تتفقد والدتها وهي تقوم بطقوسها كـ «أم»، تعد الشاي مع أقراص الخبز، تضع الكمادات على ساق ابنتها عقب مشاجرة البارحة..

من يهتم! مشاجرة كهذه تتكرر كل يوم، ويأتي البطل «قاسم» يحملها بين ذراعيه، لا تدري ما الذي يدفعه لحماية طفلة هزيلة بشعيرات نافرة كهذه، وعينٌ جاحظة غائرةٌ في عوالم الغيب..

حواء: أمي سوف أخرج الآن، انتبهي على «فريدة» أرجوكِ، وامنعيها من الخروج حتى تطيبَ جراحها وكدماتها، أيضاً...

تُلقي أسطوانتها المعتادة من الوصايا الرتيبة، لا تنتظر أي رد، تغلقُ الباب الصدئ خلفها، وتهرب! شعور يشبه الهرب، القفزُ بين كتل الصخور المترامية، الوصول إلى السفح، حيثُ تعود الحياةُ رويداً رويداً..

قُرابة عشرين دقيقة من السير على الأقدام للخروج من هذه المنطقة العشوائية نحو النّور.. نحو معالم المدينة الفاتنة! تشير بيدها، وتدور عيناها بين أفواج السيارات، تحكم الإمساك بعباءتها خوفاً من أن تستفزّها الريح أكثر من هذا، تتوقف أمامها سيارة مُهترئة، يبدو أن لونها كان يميل للأزرق يوماً ما..

– نعم يا «خالة».. إلى أي مكان تودين الذهاب؟

تكتم غيظها، لم تتجاوز العشرين ويدعوها بـ «خالة»! ترى هل كان جسدها ضخماً لهذه الدرجة، أم أنها تلك الكلمة العنصرية اللعينة؟ تناست هذه الخاطرة، ما الذي يدعوها للتفكير أصلاً بسفاسف الأمور هذه!

– أريد الذهاب إلى مدرسة البنات، خلف الكُبري هذا، بجانب...

– عرفتها يا خالة، خمسة عشر ريالاً من فضلك..

– يا أخي المكان أقرب من هذا المبلغ الباهظ!

يشيح صاحب الأجرة بعينيه نحو الطريق وقد بدأت سيارته تزفر غازات سوداء، يردف ببرود..

– حسناً..

ترسم ابتسامة منتفخة من خلف نقابها، كالعادة انتصرت في بداية اليوم ويجب أن تبقى كذلك حتى الموت! إن أي هزيمة مهما كانت صغيرة كفيلة بإبقائها يوماً كاملاً في سجن الجبل..

تتوقف السيارة، تطوي عشرة ريالات مع بعضها وتمدها في خجل..

بدأ النور بالانتصار أيضاً، يغزو السماء في خطوط متراصة، يتداخل بين بعض الغيمات المتمزقة، إنه يحارب مثلها تماماً، ربما يكون محظوظاً قليلاً، هو نور وهي السّواد!

نفضت رأسها، هكذا تهزه بشدة، تشعر أن الأفكار الحمقاء تتساقط، وتدوسها أحذية فاخرة، تبلغ قيمتها راتباً كاملاً.. المهم أنها تُغني، تُنسي لفترة من الزمن!

خلعت عباءتها، كوّرتها وتركتها في ركن منزوٍ، اختارت خمارها البنفسجي بنقوش هندية كثيفة التفاصيل، وألوان مزدحمة كحياتها، تلفها بعنف حول عنقها، تختلط ألوان الخمار ببشرتها اللامعة، تمط شفتيها، أو تحاول فعل ذلك!

– يا «خالة» الدرج يحتاج إلى تنظيف، الكثير من الغبار يغطيه، أرجوك استعجلي..

تجيبها وهي تكمل ترتيب مظهرها..

– حسناً لقد حضرت للتو!!

كان صوت المسؤولة عن التنظيف، والذي اعتادت عليه كسمفونية صباحية!

حتى في العالم الثالث وفي الفقر المدقع تترأسها هذه المرأة، رغم أوامرها اللانهائية إلا أنها مخلوقة لطيفة مقارنة بالغالبية العظمى التي قابلتها! انحنى خصرها نحو الدرج، ترميه بسيل من القذائف، منظفات مختلفة رائحتها تدك عظام جمجمتها لترديها قتيلة فوق كل موتاتها اليومية.. هدوء مخيف، يهبط بأجنحته، يغطي المدرسة بكل حكاياها وما يلبث أن تغتصبه قبيلة وردية تعج بساحته وتقفز كصغار الكنغر! الكثير من الصخب المفاجئ، ضحكات بريئة مختلطة، وأيدٍ نحيلة تجر حقائبها بحماس مبالغ..

على الجانب الآخر، أنوثة تتفجر، مرحلة ما بين النضج والطفولة، وأخيراً القسم الخاص بالثانوية، الأكثر غموضاً!

والخاصّ بها!

ترمي نظرة أخيرة على درجات السلم، نظرة الفخر بمجهودها..

– لو كنتُ أعمل في قسم الابتدائية! على الأقل مع كائنات مسالمة!

تحدث روحها المنهكة بذلك، تزحف بقدميها نحو البوابة الكبيرة.. تقف أمام لوح أخضر تتوسطه عبارة القسم الثانوي..

– خالة حواااااء لا تأكلي كثيراً، إن فعلت فلن تستطيعي المرور من هذا الباب مرة أخرى..

كان صوت «منيرة» وصديقاتها يشق طريقه نحوها، يستقر في عظمة أذنها الصغيرة جداً، لتتبعه ضحكات لزجة ومقززة! لم تكن لديها فسحة من الوقت للتفكير بأمور روتينية كهذه، صرخة الجرس كانت مدوية، انتظمت الطوابير، أخذت تؤدي طقوس الصباح المعتادة، تقف كالأصنام، ثم تتحرك كقطار بتشغيلٍ ذاتي، وأخيراً تصعد السلالم.. ليعود السكون مجدداً!

كانت تشعر كأي كائن طبيعي بحاجتها الملحة إلى الطعام، شيء ما يستقر في معدتها الخاوية، اعتادت «أ. مروة» أن تحضر لها وجبة فاخرة وتشاركها بعض همومها كفتاة في بدايات المراهقة، لا كـ «خالة حواء».. لفت خمارها مرة أخرى، تعمدت حواء إظهار النقوش الصفراء، تظن أنها ستكون أجمل هكذا..

أ. مروة: كيف حالها حلوتنا؟

تلتفت بحماس كبير..

حواء: صباح الخير «أبلة مروة».. حلوتك قبل قليل فرغت من معركتها الصباحية ونظفت السلالم..

أ. مروة: إذاً تستحقين هذا الإفطار..

تضع بين يديها علبة مغلفة بشكل باذخ، مع ابتسامة عريضة تزيد من فتنة ملامحها.. تمر الحياة برتابتها المعتادة، خلية نحل تعمل بجد في محاولات تترى لتنمو هذه العقول المصطفة أمامها..

دخلت «أبلة مروة» إلى حصتها الأولى، الفصل القابع في منتصف المبنى المضلع، مجموعة تغني بطبقة صوتية رديئة يصيب الآذان بالتهاب لا يبرأ، بينما الصف الأول جامد كالعادة، خاص بالمتفوقات وكأنه مباع بصك أبدي!

7:20 صباحاً

حوراء: أستاذة ألا ترينه.. يحاول الإمساك بك!!

أ. مروة: نعم!!

حوراء: هيه.. أنت، تعال..

أ. مروة: حوراء عزيزتي لو تلتزمين بالصمت حتى ننهي الحصة بسلام.

حوراء: اطلبي ذلك منه، هو من بدأ بإثارة المشاكل..

تقطب حوراء ما بين حاجبيها، تلوي شفتها، ثم تصمت في حنق بالغ..

صمت تعرفه «أبلة مروة» جيداً، يدب خوفاً خفياً يسري كغاز السارين، تتحول منه الوجوه إلى اللون الأزرق الباهت..

حوراء: أستااااذة، انظري، إنه خلفك تماماً، سيصيبك الآن.. انتبهي.

تقولها بنبرة مرتفعة، عين مبحلقة منفرجة الزاوية، ودون أي تفكير يهيج الفصل بأكمله، كحُمُرٍ مستنفرة، الهروب إلى أي مكان، الهروب من الذعر!

في غضون ثوان كان الفصل خالياً من كل الكائنات المرئية، باستثناء «عتة» تكمل نخر الجدران، و«حوراء»!

حوراء بملامح جامدة، لا يمكنك تكهن أي شيء من خلالها، كرجل آلي تحرك أطرافها وتنادي بخفوت:

– خاااالة.. خالة حواء.. يا خالة..

كانت «حواء» منهمكة في مسح الأرضيات وتطهير نجاسات العالم كما تقول دوماً، انتبهت عندما لمستها الأخرى بهدوء..

حواء: نعم يا «حوراء» هل تريدين شيئاً؟ أم أكمل عملي..

أجابتها «حوراء» كطفل بريء استيقظ للتو من نومه..

حوراء: لا! فقط كنت أود سؤالك عن زميلاتي.. لم خرج الجميع من الفصل وفجأة! ولا أحد يريد أن يتحدث معه!

حواء: يتحدث مع من!!

تتلفت «حواء» حولها، مواقف كهذه لا تمر أمامها دون أن تقتنص لنفسها لحظات من المتعة في مراقبة «قضايا المراهقة» والتي تعج المدرسة بها..

حوراء: يا خالة تسمعينني؟

حواء: نعم بالتأكيد، لكن ما الذي حدث؟

حوراء: لا شيء، فقط حذرتهم منه، فهربوا!

قبل أن تسترسل في فضولها كانت حدود العالم قد ضاقت في حدقتها، انصهرت كل أفكارهم، تبخرت، شكّلت غمامة رمادية ومفلطحة، تستقر فوق الخمار ذي النقوش الصفراء والشعر البندقي الهابط، كانت المديرة تنظر إليهما، كجائع يرى فريسته للمرة الأولى، تظن «حوراء» أن المديرة في الأصل كانت جزءاً من الشيطان الذي أغوى بني آدم أجمعين! هالة شر بنفسجية تحيط بها وهي تمشي فكيف لو تحدثت!

ظهرها مستقيم، تصنع عظمة الحنك مع رقبتها زاوية بتسعين درجة، تضع أحمر شفاه صارخاً، تتناقض مع تجاعيدها التي تتفرع في جسدها كشجرة خريف صامدة.. كلما تقترب خطواتها منهما، يزداد خفقان قلبها، تشعر أن معدتها تتقلص، لا بد وأنها النياط تجلدها بلا رحمة.. تحدجها المديرة بنظرة متفحصة وحادة، توجه حديثها إلى «حوراء» لتستدعيها إلى مكتبها..

رويداً رويداً كانت دماء «حواء» تصعد في المواسير الملتفة حول أعضائها، حول كتل الدهون المتفرقة في جسدها، تستعيد لونها الشبيه بلوح من الشوكولاتة الصافية..

لا تريد أن تعرف أي شيء عن أي شيء، المهم أنها لم تكن معنية بهذا الاستدعاء، تنظر إلى المرأة المغادرة بكل جبروتها و«حوراء» المنساقة خلفها..

تحمد الله في سرها، تدعو لـ «حوراء» خفية، ثم تعود لتنغمس في عملها، مستعيذة من أي فكرة، هدفها واضح أمام عينيها، الحصول على مؤنة الشهر القادم!

...

9:02 صباحاً

تتلوى بجسدها تحت لحافها، تتدلى شفتها السفلية في كسل، ترفع عينيها نحو مصدر الضوء، ثقب في الجدار المقابل يتمدد كل يوم، يطل على الكون بأكمله، ويجلبه إلى الداخل.. أحياناً، يمكنك جمع الحياة برمتها في ثقب نوراني صغير! أشعة الشمس، الحشرات الطائرة الهاربة منها، وسلسلة لا نهائية من النمل..

أم حواء: فريدة، هيا استيقظي، لدينا الكثير من الأعمال..

لا يحق لـ «فريدة» طلب إفطار مميز كـ «مريم» يتكون من الخبز الفاخر ذي الأضلاع السمراء الأربعة، ولا أن تترك جسدها حراً يتمايل في السماء وهي تمتطي الأرجوحة، لكن في كل حال هي تنفّذ الأوامر ممنية قلبها بنزهة ليلية مع «قاسم» يقذفان فيها الحصى ويقاتلان بقية أطفال الجبل!

أم حواء: فريدة، اليوم ستعملين عند «ميراث» لمدة ساعتين، وتعودين للراحة، لم تلتئم جروحكِ بعد..

قفزت فريدة لاشعورياً، هذا الخبر أجمل من ألف إفطار ولعبة، برزت أسنانها كالقمر وسط ظلمة بشرتها، ابتسامة تزين ملامحها البريئة المدفونة في غياهب الفقر..

فريدة: حسناً أمي، لنذهب الآن..

كانت ووالدتها تعملان بدوامات جزئية طويلة أسفل الجبل، حيث تترامى على أطرافه بعض المباني المتماسكة، والأفضل حالاً، تشكل سوراً يطمس ما وراءها من العوالم في البقعة الثالثة المغيبة.. تحت سياط الشمس تقطع «فريدة» منحدراً ينتهي أمام زقاق السيدة «ميراث»، امرأة مسنة، احدودب ظهرها كمنجل فضي، عيناها كبحيرة غارقة في المياه البيضاء، تضع خماراً محاكاً بيد خالية من الإتقان، تقول إن حفيدتها أهدتها إياه قبل أن تبتلعها الحرب وتجعلها من ذكريات المقابر الموحشة! خماراً يغطي شعرها الخالي من اللون سوى بعض الخيوط الصفر المتفرقة، جسدٌ غض أبيض، يشع كلؤلؤة غاضبة!

امرأة في بدايات الستين، متوسطة الدخل، كأنها منزوعة من شجرة زيتون نائية، لا أحد يزورها، باستثناء «فريدة» وعدد لا بأس به من العمّال كصاحب البقالة مثلاً.. تصل «فريدة» إلى باب المنزل، على غير التقليد الدارج هنا، فلا اسم محفوراً بجانب المدخل.

«منزلٌ مبهم».

قالها عابر يحمل بشرة برونزية، كأن فريدة قد امتزجت بالسيدة فنتج لونه الفاتن هذا!

تردف «فريدة» في حماس:

– لا، هذا منزل عمة «ميراث».

يسألها الغريب دون أن يلتفت:

...: عمتك؟

فريدة: لا.. «عمة» فقط!

لا يبدو من العالم الثالث مثلها، ولا من الملائكة النورانية كميراث، إنه على خط الاستواء، في المنتصف الجميل! تستمر في نظرها إليه بعين واسعة، متسائلة، وتستمر عيناه في غيابها التائه، تبحث عن شيء ما!

فريدة: ممكن؟

...: ماذا؟

فريدة: أعدت عليك أكثر من مرة، ابتعد قليلا عن الباب، أريد أن أطرقه وأدخل!

...: وأنا لا أريد..

ترفع «فريدة» حاجبها الأيسر غيظاً..

...: أقصد حسناً..

تحرك كتفها في لامبالاة، تتقدم بهدوء لتطرق جرسها المزعج، صوته كعصفور أصابته حمى خبيثة! لم تلبث أن رفعت ذراعها اليسرى عن الجرس حتى رفعها في الهواء، أمسكها من خصرها النحيل، وتدلت قدماها لتقارب منكبه..

...

الواقع اللامرئي

تسابق عقارب الساعة علها تصل قبل انتهاء الوقت وإغلاق أبواب التسجيل في جامعة لودويج ماكسيميلين، حتى حذاؤها المحبب إليها ذو الجلد الناعم ــ قاتم في لونه كسواد الليل - لم تنتعله خشية انتهاء الوقت، انتعلت بدلاً منه حذاءها الرياضي من الماركة التي تعشقها إسبيرت.

تمتلك سارة القليل من الملابس، غير أن كل قطعة من ملابسها تصبح جزءاً منها، يتنفس من عبير أنوثتها، حتى بنطلونها الجينز من سيسيل، بالرغم من تهتك أطرافه إلا أنها تتشبث به فقد أصبح جزءاً منها لازمها طوال أربع سنوات مضت.

ارتدت قميصاً زهرياً ذا أكمام طويلة، لم يكن وجهها عائقاً أمام سرعتها فوجهها صاف ووجنتاها عليهما مسحة حمراء، فكأنما رسمتا بضربة من البلاشر الأحمر. سريعاً تناولت حقيبة يدها لتدس فيها الأوراق المطلوبة وغير المطلوبة... المهمة وغير المهمة.

حتى في أسرع اللحظات لخروجها تبقى غرفتها مرتبة، كل شيء في المكان المخصص له، تستطيع أن تصف كل درج في غرفتها ماذا يقبع داخله، فترتيب حاجاتها يقابله ترتيب أفكارها، بل كل شيء في حياتها يبدو متسلسلاً ذا نظام معين وفق معايير خاصة بها، أغلقت الباب وتحققت من إغلاقه ففي المساكن الطلابية كثيراً ما تنتشل الأغراض.

نزلت سريعاً من السلالم متجهة إلى محطة المترو المجاورة للسكن الجامعي محطة الأولمبيا بارك، أكثر الخطوط زحمة واكتظاظاً دائماً بالطلاب، كثيراً ما كرهت هذا الخط من القطار لأنها تضطر أن تكون واقفة طوال الطريق وتحاول جاهدة الالتصاق بالباب أو بقضبان القطار، علها تقي جسدها من تلاصق البشر. فلا مجال متسعاً لتتسلى بقراءة رواية من رواياتها المحببة للكاتبة أحلام مستغانمي ولا فراغ متاحاً لتحريك يد أو التفاتة رأس.

أخيراً تنفست الصعداء حين توقف القطار عند محطة الاونيفرستيت، تخلصت من الزحام، سريعاً تحث الخطى علها تصل قبل إغلاق مكتب التسجيل لمقررات فصل الخريف.

أتمت سارة دراسة الفصل الأول بنجاج غير متوقع، بالرغم من تخرجها في جامعة محمد الخامس بتفوق، استصعبت اللغة الألمانية حتى خيل إليها أنها لن تتمكن من الالتحاق ببرامج الماجستير بسبب هذه اللغة لكثرة تعقيدها.

على غرار استمتاعها بدراستها للغة الألمانية، فهي تعشق كل جديد، تجوب طرقات مدينة ميونخ متأبطة يد إبراهيم تتهجى الكلمات الجديدة في قاموسها وإبراهيم يترجم معاني تلك الكلمات التي تنطقها بصعوبة، أحبت سارة علم الكيمياء، وعشقت الخوض في غمار مركبات كيميائية معقدة تدفن فيها جل حياتها.

يقع مبنى الإدارة بجانب هذه المحطة أما بقية أقسام وكليات الجامعة فهي منتشرة في جميع أنحاء مدينة ميونخ.

دخلت سارة مبنى الإدارة العريق للجامعة الذي يشبه في بنائه أحد القصور بجدرانه العتيقة ذات اللون الطوبي وأسقفه المرتفعة جداً، وصلت حيث قسم القبول والتسجيل، ضغطت على الزر الموجود على يمين باب المكتب لتستخرج رقماً، ثم جلست إلى حيث مقاعد الطلبة قبالة المكتب تنتظر ظهور رقمها على الشاشة المعلقة في أعلى المكتب.

تعشق سارة الانتظار، حيث يخيم الهدوء والصمت على المكان فتسرح في عالم آخر مع جليسها المؤنس، وحده الكتاب الذي تتلبسه كحقيبة يدها يسليها في غربتها عن الوطن، يبدد عنها ساعات الانتظار فتمر السويعات وكأنها دقائق.. تتطلع بين الفينة والأخرى إلى الرقم المبين على الشاشة، كثيراً ما تلهيها القراءة عما عليها فعله... ها هو ذا رقمها يظهر على الشاشة وإلى جانبه الرقم اثنان، انطلقت من كرسيها لتفتح المكتب الثاني، إلى حيث يجب عليها أن تدخل.

فتحت باب المكتب لتجد مسؤول التسجيل، لديه محادثة عبر الهاتف.. بقيت برهة قرب الباب تنظر إليه، كان يمسك بسماعة هاتف مكتبه بيده حين أشار إليها باليد الأخرى أن تتفضل بالجلوس ريثما ينهي مكالمته، أسمر، أسود الشعر، ملامحه عربية، حتى بطاقة عمله المعلقة على جانب صدره الأيسر، عليها اسم عربي، يعتليها اسم إسماعيل، في نهاية العقد الثالث من عمره.. ما إن تسمرت في الكرسي الذي قبالة مكتبه حتى انهالت نظراته عليها، يتفحصها، لم يكن معتاداً النظر إلى وجوه الطلبة، أما هي، فكان حتماً عليه النظر إليها.

أنهى مكالمته، أعاد سماعة الهاتف إلى مكانها، وحياها باللغة العربية، أطرق رأسه، حين سألها الأسئلة المعتادة، أخرجت أوراقاً من حقيبتها، استمع إلى ما جاءت إليه والمواد التي ترغب في دراستها في هذا الفصل أو التي يحتم عليها اختيارها. . كانت سعيدة بتلك المقررات التي ستغوص في أعماقها، تهوى الكتاب والعيش بين جلدتين، تنسى فيهما الماضي والحاضر والمستقبل.

رفع رأسه ونظر إلى العمق في عينيها حين فرغت من حديثها، أما جوابه لها فكان بعيداً كل البعد عما توقعته أو عما جاءت إليه والذي غير مجرى ذلك الفصل الدراسي من حياتها.

أفزعتها كلماته، كشف عن علتها، أخذ يحكي قصتها بدلاً عنها، هز الأوراق التي عاهدت نفسها بأن تجعلها في طي النسيان، أعاد إلى سطح الذاكرة ما كان مدفوناً فيها حتى اعترتها قشعريرة وذرفت عيناها الدموع .. هل كان سهلاً خدشها! أم أن الركام كان موجوداً على السطح فكان من السهل التلاعب به وإثارته.

لم تكن قد هيأت نفسها لفتح أوراق الماضي بعد أن عزمت على المضي قدماً في الحياة، اتخذت من الدراسة ذريعة تنتشلها إلى عالم بعيد كل البعد عن ذاتها. إلا أنها ألفت نفسها مع من يقلب فجيعتها، يتأملها برفق رائق، ليعيدها إلى النقطة التي هربت منها.

ثم ما لبث أن قال لها وهو يدفن نظراته في الأسفل «ها هُما هنا تَنشُوفهم، هُمَالِي قَالُولِي يلي خاصك تْعالج من المرض».

أطبق الخوف على شفتيها، صريح هو بقوله بأنهم موجودون في المكتب الذي في ظاهره، هو وهي فقط يشغلان الحيز المكاني لذلك المكتب القابع في قسم القبول والتسجيل بجامعة لودوج ماكسيميلين، لم يتحرر الخوف من شفتيها واستسلمت عيناها لدموع الماضي الذي أسدِلت ستائره في ذاكرتها منذ زمن غير بعيد.

أجل إنهم هنا، يراهم ويرونه أما هي فنظرها لا يصل إليهم، فهي لا تنتمي إلى عالمهم، كما أنها لا تحمل وساطة كما هي الحال مع إسماعيل، الخاتم ذو الفص الفيروزي الذي فى بنصره أيكون هذا هو الرابط بينه وبين عالم الجن؟

«قريباً إن شاء الله غَادي تُخُرجي من هَادْ المِحْنه، رَاهُ مْرَاتي عَانَتْ بَزافْ حتى تْلقِيت بِهَاد الشيخ هُوَلي سَاعَدني في شِفاء مْراتي ومن ثم وهبتُ حياتي لِهادْ العلم ومساعدة الناس». كان صوته يشوبه ثقة بالتفس وإصرار متين.