صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3901

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

البنوك المركزية عاجزة بطبيعتها عن تحقيق الانسجام بين السياسة والواقع

  • 19-01-2018

ذكرت في مناسبات كثيرة أن النظرة الكلية للاقتصاد هي في الواقع مجرد مضيعة للوقت. ولاقى ذلك ردوداً عاصفة، خصوصاً من صُناع السياسة ومتخصصي الاقتصاد الكلي. وبالفعل، كنت مخطئاً.

خلال الأسبوع الماضي، عُدت لمشاهدة فيلم لعبة التقليد، الذي يروي حكاية آلان تورنج، البطل الشهير، الذي يعتبره كثيرون بمنزلة الأب الروحي للكمبيوتر.

ويأتي تصنيف «لعبة التقليد» بين أفضل 3 أفلام حتى الآن، ويروي حكاية شخص غريب ينجح في قهر الصعاب، لحل معضلة مستعصية، وكشف أسرار آلة إنيجما الألمانية النازية.

وعلاوة على ذلك، وبعد نجاحه، أحدث تورنج نقلة نوعية حقيقية ودائمة عبر تمكين الحوسبة في الآلات. قصة مدهشة حقاً عن بطل حقيقي ينبغي أن يلهم رواد الأعمال اليوم، للابتعاد عن ملاحقة المال، وتشجيع التطورات التي من شأنها مساعدة البشرية.

لن تركز رؤيتنا بالتأكيد على سرد وقائع الفيلم، لكنني أود استخدام عنوان الفيلم (لعبة التقليد)، لتوضيح رؤية جديدة في عالم التمويل والسياسة، والتي قدمها لي هذا الأسبوع صديقي مارك فولر.

هل في النظرة الكلية للاقتصاد مضيعة للوقت؟

لطالما قلت إن السياسات الكلية تعود بنتائج سلبية على المجتمع، من خلال صرف التركيز عن الاقتصاد الجزئي، والشركات الصغيرة والمتوسطة، مقارنة بالشركات المملوكة للدولة، وهيكليات التحفيز والتخصيصات الهامشية لرأس المال، مقابل أثر مجموعات الضغط والشركات الكبيرة. ويتم ذلك بناءً على افتراض خاطئ وواضح حول قدرة أي شخص على معرفة وتمييز الحق من الباطل بالنسبة لكيان معقد مثل الاقتصاد أو السوق في أي وقت من الأوقات.

ورغم خبرتي الشخصية في تحليل الاقتصاد الكلي، ذكرت في مناسبات كثيرة أن النظرة الكلية للاقتصاد هي في الواقع مجرَّد مضيعة للوقت. ولاقى ذلك ردوداً عاصفة، وخاصة من صُناع السياسة ومتخصصي الاقتصاد الكلي. وبالفعل كنت مخطئاً، لكن لم أكن مخطئاً من حيث التأثير السلبي للنظرة الكلية على الاقتصاد، إنما في التقليل من أهمية هذا التأثير، الذي يعود إلى أسلوب عمل البنك المركزي وصُناع السياسة، حيث إنهم عاجزون عن التنبؤ بأي شيء، ويمتلكون معلومات أسوأ، مقارنة بتلك الموجودة في السوق، نظراً للعجز الهيكلي في النماذج المبنية بسبعينيات القرن الماضي، وكون قراراتهم تستند إلى توافق الآراء لا أكثر.

ويشير ذلك إلى أنهم سيكونون متأخرين دوماً ومضطرين لقولبة آرائهم بشكل عكسي، بما يلائم الواقع الاقتصادي.

اسمحوا لي أن أعرفكم بأطر العمل الاحترازية الكلية للهندسة العكسية، REMPF، التي تعد نموذج الأعمال الراهن للسياسة والنقد.

ويعمل هذا الإطار على النحو التالي:

لنفتر§ض أن لدينا سردية عمليات معينة - بالنسبة لمجلس الاحتياطي الفدرالي، تكون عبارة عن «تطبيع» أسعار الفائدة إلى 2 في المئة (وليس ثلاثة إلى أربعة ارتفاعات، وفق نقاطها المتوقعة) بحلول نهاية عام 2018. ويبقى التضخم ضعيفاً، بحيث يصل إلى 2 في المئة بطريقة غير مربكة، ما يعني قدرة التضخم البطيء على تحقيق هذا.

وانطلاقاً من هنا تبدأ مصادر مجلس الاحتياطي الفدرالي (التي تنسق غالباً مع البنوك المركزية الأخرى) بعكس توقعات تضخم تتحرك من التعرض لخطر التراجع عام 2017 إلى التوقعات الواسعة بالوصول إلى 2 في المئة على المدى المتوسط. ولا يطرأ أي تغيير حقيقي على التضخم، لكن التغيير الكبير في الصياغة يتجه نحو مراقبي مجلس الاحتياطي الفدرالي لرفع التضخم المتوقع وفقاً لمعدلات الفائدة الأميركية (5y5y).

وهناك حقيقة أخرى، هي أن هذا الإجراء بالكاد يتخطى المتوسط المتحرك البسيط على مدى 200 يوم عند 228 نقطة أساس، لكن ما أهمية الحقائق؟ فالرسالة أكثر أهمية، نظراً لحاجة مجلس الاحتياطي الفدرالي لقدر أكبر من التضخم لتبرير الزيادة في صناديق الاحتياطي الفدرالي.

وبما أن هذا الأمر ليس مقنعاً، ما الذي سيجري بعدئذ؟ بنك مركزي «موثوق» في هذه الحالة: الاحتياطي الفدرالي في نيويورك يطرح مقياساً جديداً للتضخم في مايو 2017، ويتزامن مع الحاجة لتطبيع صناديق مجلس الاحتياطي الفدرالي!

ولد مقياس التضخم الكامن في بنك الاحتياطي الفدرالي في نيويورك فجأة، ليتم اعتماده مباشرة في أي مرجع لسجل محفزات التضخم الماضية والآجلة. ورغم ولادتها في مايو 2017، تتجلى المشكلة بالنسبة لأولئك الذين يعيشون بالعالم الحقيقي في أن هذا الإجراء الجديد لا يتعارض مع عامل التضخم المفضل بالنسبة لي: مؤشر أسعار المنتجين الصناعي الصيني على أساس سنوي. لكن لنتجاهل الحقائق مرة أخرى، ولنفهم القصة! (تذكر أن التضخم الحقيقي الوحيد هو معدل انكماش الناتج المحلي الإجمالي، لأنه يشكل مؤشر الأسعار الذي يضم الاقتصاد بكل أبعاده)، وتشكل أطر العمل الاحترازية الكلية للهندسة العكسية بياناتها الخاصة لتغذية السردية سالفة الذكر. جميل جداً! أليس كذلك؟

كيف يؤثر الخصم الضريبي وترامب

على هذا النموذج؟

تجدر الإشارة إلى عدم وجود أي علامات حقيقية حتى الآن على اقتناع مجلس الاحتياطي الفدرالي الأميركي أو البنوك المركزية العالمية بالتأثير الجوهري لمفهوم الخصم الضريبي بالولايات المتحدة الأميركية (ويمكنكم اعتبار هذا كصياغتي لمفهوم الإصلاح ضمن هذه النشرة) على معدل نمو الولايات المتحدة الأميركية أو التضخم. ربما لأن حدوث ارتفاع في معدلات التضخم سيدفعهم لاحقاً إلى إضافة التخفيضات الضريبية للسرد، لكن إضافتها الآن قد تؤدي إلى مخاطرة بتجاوز التضخم المتوقع، لذلك لدينا الآن التضخم قبل صافي التغييرات من التخفيضات الضريبية. إنه أمر مثير للاهتمام، وبديهي وساذج جداً.

أحدث مشاريع أطر العمل الاحترازية الكلية للهندسة العكسية

من جهة أخرى، يزداد الاعتقاد بضرورة تنسيق تطبيق التشديد الكمي والتضييق، في حال وقوعها، على نطاق عالمي، للحد من المخاطر التي يتعرض لها البنك المركزي. والأفضل لنا جميعاً أن نكون مخطئين من أن يعتمدها أحدنا بصورة منفردة. التفكير الجماعي المتطابق.

من جديد، وعلى حين غرة، قام البنك المركزي الأوروبي (في محاضره وإجراءاته) وبنك اليابان المركزي (من حيث الإجراءات إن لم يكن في محاضره بعد) بعكس تغذية النقد غير المدعوم نحو تركيز على التطبيع المتزامن مع السياسة النقدية القائمة على زيادة التضخم وتحسين المعنويات. ويثبت ذلك أنهم يستخدمون جميعاً نفس أسلوب العمل والسرد والإجراءات المترابطة. التفكير الجماعي المتطابق.

الاقتصاد الحقيقي على أرض الواقع

أما بالنسبة للاقتصاد الفعلي، فقد أشارت تقارير معهد التمويل الدولي إلى ارتفاع حجم الدين العالمي إلى 233 تريليون دولار– بزيادة سنوية بنسبة 13 في المئة على أساس سنوي مقابل نمو عالمي اسمي بنسبة 5 في المئة كحد أقصى العام الماضي. وبمعنى آخر، كان عام 2017 مجدداً سنة تغذى فيها النمو على زيادة الرافعة المالية والائتمان، بدلاً من تحسين الظروف الاقتصادية والإصلاحات.

وما زلنا مصرين على أقوالنا إن مجمل التحسن يأتي من الدافع الائتماني الكبير من عام 2016 بعد الفترة المحصورة بالربعين الأول والثالث، والتي تقود الاقتصاد العالمي لمدة تسعة أشهر.

وستكون الذروة، على النحو المحدد في دافعنا الائتماني العالمي، في الربع الأول من عام 2018، وسيعقبه تباطؤ كبير مدفوع بشكل كامل تقريباً من الصين في البداية، لكنه الآن يحظى بالدعم من الإجراء الموصوف في إطار العمل الاحترازي الكلي للهندسة العكسية المذكور أعلاه.

ما أريد قوله هنا هو ان صُناع السياسة يجرون هندسة عكسية لتوقعاتهم بالاستناد إلى سردهم. ولا توجد سيناريوهات تطلعية. وسينحرف ذلك مرة واحدة وبشكل كبير عن الواقع. اقرأ: الدافع الائتماني العالمي.

هذا هو بالضبط ما سيحدث، سيطبق صناع السياسة الساذجون والمتخلفون قرارات مستندة إلى اعتقاداتهم الخاصة بشأن معدلات ارتفاع أسعار الفائدة والتطبيع مع الاقتصاد العالمي الذي لا يزال مدفوعاً بالدين، لكن مع حصة ائتمانية متزايدة الصغر، لدرجة أن الفترة بين الربعين الثاني والأخير قد تشهد تباطؤاً كبيراً في النمو الصيني الأول، وسيمتد ذلك في نهاية المطاف إلى نمو الولايات المتحدة الأميركية.

كيف سيؤثر ذلك عليكم؟

ينبغي علينا أولاً، وقبل كل شيء، التعلم من أسلوب تفكير إطار العمل الاحترازي الكلي للهندسة العكسية. وانشغل السوق بشكل كامل هذا الأسبوع بالحديث عن كسر التوجهات التي سادت السوق لمدة 30 عاماً في الدخل الثابت الأميركي على مدى عشر سنوات.

المستوى الحرج هو 255-265 نقطة أساس، لكن فقط على الإقفال الشهري، وفي الوقت نفسه تستعد وول ستريت لاعتماد سرد إطار العمل الاحترازي الكلي للهندسة العكسية: كلمة السر هنا هي «التطبيع».

وتشير التوقعات الحالية إلى 200 نقطة أساس - 250 نقطة أساس بالنسبة لصناديق مجلس الاحتياطي الفدرالي بحلول نهاية عام 2018، وعلى ما يبدو، فإننا نخطئ في مقدار ما يمكن لمجلس الاحتياطي الفدرالي القيام به- وسينطلق التضخم بأقصى قوته مدفوعاً بمنحنى فيليبس الذي يعود للثأر. (نحن فقط بحاجة لإنشاء مقياس توظيف آخر لتصحيح جوانب العيب).

ولكن... لحظة من فضلكم! كيف لمعدل الفائدة الأميركي المرتفع أن يلائم إطار العمل الاحترازي الكلي للهندسة العكسية؟ الجواب، لن يصل.

يشكل مقدار الدين والحاجة لسرعة المال الحلقة الأضعف للنموذج الكلي الراهن. فقط من خلال الحفاظ على فائدة منخفضة، يمكن للسلطات المالية الحفاظ على القوة التوجيهية للأسواق والمعنويات. لا، فما يشير إليه السرد (ويريده) هو أن بطء معدلات الفائدة نحو 3 في المئة على مدى الأشهر الـ 24 المقبلة، ليس في عجلة من أمره، ولا يسير بالتأكيد بطريقة قسرية. وبالتالي، إن كان «نموذجي» صحيحاً، توجد فرصة كبيرة للاعتماد بالنسبة للدخل الثابت الأميركي. وفي حال لم ترتفع معدلات الفائدة، فإن مجلس الاحتياطي الفدرالي وأصدقاءه من معتمدي التفكير الجماعي المتطابق سيتجهون مجدداً نحو «عدم التضييق»، من الناحية الخطابية على الأقل. دعم عمليات الشراء التي تقومون بها!

يمكن تطبيق الأمر ذاته على سوق الأسهم، حيث تتحقق أسواق الأسهم الأعلى من صحة السرد الخاضع للتحكم، فيما تقوم أسعار الأسهم المنهارة بعكس ذلك، ما يجعل تأمين سوق أسهم مرتفعة عنصراً مهماً بالنسبة لإطار العمل الاحترازي الكلي للهندسة العكسية!

بدأت بالإشارة إلى فيلم «لعبة التقليد»، وسأختم بدعوتكم لمشاهدة فيلم جديد آخر: «لعبة التلاعب»، التي يلعب دور البطولة فيه البنوك المركزية العالمية والسياسيون ذوو الأدوار القيادية، والحبكة القصصية التي تستند إلى التظاهر والتمدد. تظاهر بأنك ذو مصداقية وتمتلك المعرفة. وتمدد من خلال شراء الوقت. وعلى أي حال، تعتمد أكثر النظم تعقيداً مثل الاقتصادات على الضوضاء بدلاً من التوجهات!

ملاحظة: اعتمدوا الحصول على سندات الخزينة الأميركية تحت 148/149 في سندات الخزينة الأميركية، أو التي تقترب من 122.00 في صناديق المؤشرات المتداولة عالمياً، أو سندات الخزينة ذات الدخل الثابت.

** كبير الاقتصاديين والرئيس الأعلى للمعلومات لدى مجموعة «ساكسو بنك»