صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3844

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

أرقام حيص... أرقام بيص!

  • 14-01-2018

لديَّ إيمان راسخ، وعن تجربة طويلة، بأنك لن تستطيع الحصول على أرقام ثابتة وصحيحة عن المالية العامة الكويتية، رغم كل مؤسسات التدقيق المالي الحكومية والخاصة. فاستخدام الأرقام في الكويت لدعم المواقف السياسية نهج راسخ لدى الدولة والسياسيين، فمثلاً يقدِّم ديوان المحاسبة سنوياً الحساب الختامي للدولة، لكن الأرقام في ذلك التقرير لا تشمل الاستثمارات الخارجية وعدة جهات أخرى تستثمر لحسابها الخاص، مثل: مؤسسة البترول الوطنية.

وكذلك وزير المالية نايف الحجرف، الذي أعطى في جلسة مجلس الأمة الأخيرة رقما بأن رواتب المتقاعدين ارتفعت من 212 مليون دينار عام 1990 إلى مليارين و220 مليوناً العام الماضي، لكنه أيضاً لا يذكر نسبة ارتفاع الأقساط المسددة بالمقابل سنوياً، حتى تكون هناك مقارنة مهنية دقيقة. وفيما تقارير تقول إن هناك خسائر في بعض صناديق التأمينات الاجتماعية، فإن الوزير الحجرف يشير إلى أرباح قياسية حققتها "التأمينات"!

أما الاستثمارات الخارجية، فهي سر عظيم لا أحد يعلم عنه شيئاً غير أرقام صماء تقدم شفهياً عند عرض الحالة المالية للدولة في جلسة سرية بمجلس الأمة، في حين المواطن النرويجي يستطيع كل دقيقة مراجعة أداء الصندوق السيادي لبلده، والأميركي يعرض عليه الدين العام للدولة عبر شاشة ضخمة في بعض المدن الكبرى، فيما الياباني يمكنه أن يطلب بيانات صناديق التأمينات في أيام محددة من السنة.

في الكويت المناقصات تبدأ بأرقام، وتنتهي بأرقام مختلفة، وعقود الشراء العسكرية تتضخم، بحجة الصيانة والتدريب، وفي سنة من السنوات اكتشفوا بيع براميل نفط خارج حسابات الدولة، ورئيسة البنك الدولي تقول إن الكويت لا تعاني عجزاً، فيما حكومة الكويت تريد أن تقترض 25 مليار دينار، والمؤسسات العالمية تشير إلى أن سعر تعادل ميزانية الكويت يتراوح بين 47 و49 دولاراً، في حين معدل سعر النفط في الشهور التسعة الماضية يتجاوز ذلك، ومازالت الدولة تصرُّ على الاقتراض، بخلاف ما يذكره النائب رياض العدساني من أرقام تدحض جميع ادعاءات الحكومة... إنها يا عزيزي متاهات الأرقام الكويتية!

الخلاصة، أنك لن تستطيع الحصول على رقم دقيق وصحيح في الكويت، واللعب بالأرقام لهدف سياسي، أو منع مطلب شعبي، يتم بشكل كبير، ووفق مقولة المرحوم توفيق الدقن "على ودنه"، والسلطة تعامل الشعب الكويتي، وحتى نوابه، على أنهم مازالوا قصَّراً، لذا لا يمكنهم أن يطلعوا على موجودات وثروات الدولة، حتى لا يبذروها، أو لكي لا يعرفوا حجم العبث فيها!

***

يبدو أن قضية التقاعد المبكر أضحت قضية تكسُّب انتخابي بامتياز، إذ إن بعض النواب الذين كنا نتوسم فيهم الحكمة والنضج انضموا لفريق إقرار هذا القانون الخطير الأثر الاجتماعي والاقتصادي، وأتساءل؛ حتى لو أقرَّت الشركة المحايدة لدراسة الحساب الاكتواري والوضع المالي لمؤسسة التأمينات الاجتماعية بأن لديها القدرة على تحمُّل الكلفة المالية للتقاعد المبكر، فكيف يمكن معالجة أثر ذلك على سوق العمل، وخروج الخبرات الوطنية، وأثر ذلك على التركيبة السكانية؟ أما الحديث السطحي عن أن الكويتيين لن يخرجوا للتقاعد المبكر، بسبب البدلات المالية، فهو أمر يدل على مدى تبسيط وتسطيح المناقشات في القضايا الوطنية المهمة.