صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3845

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

يا بختهم

  • 04-01-2018

كان الله في عون العربان على ما يشاهدونه في الأفلام والمسلسلات الأجنبية، عن الديمقراطية وحرية الرأي وكرامة الإنسان وشموخه وطول لسانه ورفض المجتمعات لأي ظلم يقع عليه، وغير ذلك مما يُعرض في سياق السيناريوهات والقصص على الشاشة، وما يشاهدونه على أرض واقعهم ومحيطهم، حيث المواطن العربي مفعوص مدهوس، كرامته منتهَكة، ولسانه لا يخرج من فمه إلا لكيل الثناء على المسؤولين والتشرف بلعق أحذيتهم، ورقبته لا تعرف إلا الانحناء، وقفاه يعرف مقاسات أيدي المسؤولين، ووو...

كيف يتمالك العربي نفسه، أو كيف يتمالك عقله، وهو يشاهد البرامج في الفضائيات الأوروبية والأميركية، تنتقد المسؤولين، من أكبرهم إلى أصغرهم، ثم يعود مقدم البرنامج في اليوم التالي، ببذلة جديدة، وضحكة جديدة، ونكت جديدة على المسؤولين، "يهزئُهم" فيها، ويضحك مع الجمهور عليهم حتى يكاد يتساقط ديكور البرنامج من كثر الارتجاج والضحك؟ كيف يحافظ العربي على عقله في رأسه وهو يرى الإعلاميين الغربيين لم يُعدموا، ولم تُجتث أسرهم من عرقها الأخير؟ كيف لا "يزر" عقل العربي وهو لم يقرأ خبر "إغلاق الفضائية الفلانية لتطاولها على رموز الدولة، وتبين في التحقيقات أنها تنفذ أجندات خارجية تهدف إلى زعزعة الأمن الداخلي، وضرب الاقتصاد، لكن عيون رجال الأمن الساهرة كانت لها بالمرصاد"؟

كيف يرون كل ذلك، ثم يرون أوضاعهم في بلدانهم، ولا يُخرجون ألسنتهم خارج أفواههم ويهيمون في الشوارع كالمجانين؟ والأدهى أن بعض لعاقي الأحذية العرب، يتعاطف مع البطل الثائر، في الفيلم الهوليوودي، ضد السلطات الظالمة، وتتسارع دقات قلبه مع تسارع أحداث الفيلم، خوفاً على البطل في الفيلم المنقول من قصة حقيقية. ثم بعد الفيلم، يعود هذا العربي اللعّاق ليقوم بدوره في مساعدات السلطات الفاسدة في بلاده على قمع المظلومين وسحقهم ودهسهم! كيف؟ كيف استطاع ويستطيع ذلك؟

أقول يا بخت أجدادنا الذين لم يشاهدوا ما نشاهده نحن. يا بختهم، ماتوا وهم يعتقدون أن الكوكب لا يتجاوز محيطهم، وأن عدد البشر لا يتجاوز أعداد هذه القبائل المتناثرة في طول الوطن العربي وعرضه. يا بختهم، ماتوا وعقولهم في أماكنها. لم تنفصم شخصياتهم كما انفصمت شخصيات الجيل الحالي. لم تنفعص آمالهم كما انفعصت آمال هذا الجيل. يا بختهم، ماتوا قبل أن يبدأوا يومهم بالمهانة والركل، ويختموه بالاستماع للمسؤولين وهم يتسابقون إلى الميكروفونات للحديث عن تشرفهم بخدمة الشعب! يا بختهم.