صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3751

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

عام على مشارف الحياة

  • 31-12-2017

هناك أعوام تشكِّل علامات فارقة في حياتنا، وتشكِّل محطات نتذكرها غالبا، لما تركته من تغيُّر كبير في تاريخنا. أعوام رسمت لنا الفرح، وأخرى تركت لنا مأسيها وانصرفت. قد يصدف أحيانا أن يسعدك ويحزنك ذات العام، فلا تمتلك شعورا تجاهه، لا تصفه بالعام السعيد أو التعيس.

عام 2017، الذي ينهي أيامه، كان الأكثر تعاسة وألما في حياتي. جميع الأعوام المؤلمة التي عشتها في حياتي، مع كثرتها، كنت فيها أعيش الحياة وأقاوم هذه الآلام. هذا العام هو الوحيد الذي عشت فيه على مشارف الحياة. لا يقين كاملا لدي بأنني سأدخلها ثانية. في مطلع العام قرر الأطباء أن يستأصلوا سرطان القولون. تدخل في حسابات صعبة، تتذكر ما أنجزنه وما تركته معلقا دون أن تكمله، وما كنت خططت أن تنجزه في يوم ما. قبل أن تذهب في إغماءتك الوقتية يبقى السؤال المعلق: هل ستصحو ثانية؟ إن لم يكن، فلا تجزع. ها أنت ذهبت دون ألم أو وداع مؤلم.

لم تذهب بعيدا. تبتسم لك سيدة من أهل الأرض: "أنت بخير". تحاول أن تبتسم. تعيش الشهر الأول من السنة في محاولة التشافي من أثر العملية. بعد شهرين تخضع للعلاج الكيماوي، وكأنه تجربة تعذيب. موعد جديد لاستئصال ورم جديد في الكبد. تمر بذات التجربة، وداع محتمل للحياة. التوقع ذاته من أنه الوداع الأخير. بعد ساعات تطمئنك ممرضة كأنك رأيتها من قبل: "أنت مازلت معنا على هذه الأرض سيدي". لا تعلم أي الخيارين أفضل: أن تعيش بآلامك التي لا تعرف نهايتها، أم الخروج من هذه الضجة بكل هذا الهدوء. تستمر نقاهتك شهرا آخر. وحين تلتئم جراحك عليك العودة للعذاب الكيماوي مرة أخرى.

بعد شهرين من الآن يبشرك الطبيب المعالج بأنك شفيت تماما من هذا المرض الخبيث. تعود إلى الحياة من بعيد، وكأنك وُلدت اليوم. تتذكر أن هناك أعمالا معلقة عليك أن تهتم بها. رواية أمضيت سنة سابقة تكتبها، ومجموعة من القصص ترتبها للنشر.

وبعد شهرين يطلبك الطبيب لفحص، ليخبرك بأن السرطان عاد ثانية، وعليك أن تعود للعلاج الكيماوي البغيض والإشعاع المزعج. هل هذه هي النهاية؟ لا تستسلم أبداً، عليك القتال حتى النهاية، مهما كانت هذه النهاية. لم تتوقف عن العمل، أنهيت الرواية، وسلمتها للناشر، وأرسلت المجموعة لناشرها.

قبل أن تودعك هذه السنة البغيضة، تعيش فرحة رؤية كتابيك بين أيدي قرائك، وفرحتهم بك، وافتخارك بهم. لا شيء يوقف الحياة. الكتابة كانت العلاج الأهم الذي عشت عليه، والأمل الكبير الذي منحني القوة. في محنتك تتعلم أن هناك كثيرين سينفضون من حولك، وأوفياء سيبقون إلى جانبك، لكنه الكتاب الوحيد الذي لن يخذلك.

يقترب العام الأثقل في حياتك من الرحيل، ومازال المرض يخاتلك، ومازلت تعالجه بالكتابة. تقرر أن تكتب رواية جديدة لا تعلم كم عاما تحتاج لإنهائها. رواية ما سبق صفحة منها.