صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3787

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

الرقّة... رائحة الموت وسط الأمل بالحياة

  • 13-12-2017

حُرّرت الرقّة من «داعش» لكنّها ما زالت غير صالحة للسكن إلى حدٍّ كبير، فهي تفيض بالألغام وأشلاء الجثث المتعفّنة المبعثرة. ثمة رجل يدعى عبد الله العريان اختار إعادة الحياة إلى المدينة مهمّةً له. في Dalla Square، حيث يجلس المراهقون بالزي الرسمي قرب ألواح الحريق عند نقطة التفتيش الأولى إلى المدينة، يلاحظ عبد الله العريان أنّ الرائحة لا تزال موجودة، رائحة «الخلافة»، رائحة الهجوم العسكري... رائحة الموت. في صباح يوم ثلاثاء في نوفمبر الفائت، يصمّم العريان على التنقّل بسيّارته رباعيّة الدفع حول أكوامٍ من الأنقاض للدخول إلى مدينةٍ اعتبرها يوماً منزلاً له. تمتدّ الرقّة بهدوء الموت وفراغه تحت أشعّة الشمس. وراء السيّارة، تنقل حافلة صغيرة رماديّة اللون صيدليّين وطبيباً، يراقبون المشهد بصمتٍ من نوافذهم. بصمت ينظر العريان البالغ من العمر 54 عاماً إلى الأنقاض مدهوشاً. يتأمّل الدمار الذي أصاب مدينته، أوّلاً بسبب وحشيّة «داعش» ثمّ بالقنابل الأميركيّة، والآن يريد إعادة بنائها. عجز عن أن يرسم الضحكة على محيّاه، واحتلّ الخوف مكانها. «شبيغل» جالت في المكان وعادت بالتفاصيل التالية.

كانت الرقّة ذات يوم تعجّ بنحو 200 ألف نسمة، وتقع في قلب إنتاج سورية للقمح. أمّا الآن فهي أشبه بميدانٍ وسطي يلتقي فيه الموت والحياة، والماضي والحاضر.

يعتبر سقوط الرقّة في 17 أكتوبر الفائت رمزاً لسقوط «داعش» بحدّ ذاته الذي هُزم، على الأقلّ عسكرياً، في كلٍّ من سورية والعراق. دامت المعركة في الرقّة أربعة أشهرٍ وشملت أكثر من 4450 غارة جوية أميركيّة. حارب أكثر من 30 ألف رجلٍ وامرأةٍ من القوّات السوريّة الديمقراطيّة، وهو تحالف عسكريّ بقيادة الأكراد، ودفع بـ270 محارباً من داعش و3500 شخص من أقربائهم إلى مغادرة الرقّة ووضع حدٍّ لدمارها.

ولكن هل بإمكان مدينة أن تُشفى من ماضٍ كهذا؟ عبد الله العريان، محامٍ، مقتنع بقدرتها على ذلك. يترأّس إلى جانب أربعة رجال ونساء آخرين مجلس الرقّة المدني الذي سيطر على المدينة المحطّمة بعد إخراج «داعش» منها وعيّن 14 لجنة لتعمل على إعادة إعمار المدينة.

صراع مقبل

لكنّ الرقّة أيضاً رمز للمشاكل الكامنة في المستقبل. تشدّد السلطات في دمشق على أنّها لن ترتاح حتّى تستعيد السيطرة على سورية بأكملها، بما فيها المدينة المدمّرة، ما يعني أنّ الصراع المقبل على الأبواب، ذاك الذي سيطيح بنظام بشّار الأسد الدكتاتوري تجاه القوّات الكرديّة. حتّى الآن، يستطيع الأكراد الاعتماد على حلفائهم الأميركيّين، ولكن ربما يعجزون عن القيام بهذا فترة أطول.

ازداد عدد الحفر على الطرقات وصارت أكثر عمقاً، فأبطأت العربتان سرعتهما وبدا العريان متوتّراً. يقدّر مجلس الرقّة المدني أنّ المدينة لا تزال تحتوي على نحو 8000 لغم وفخّ متفجّر، حتى أن بعضها معلّق بجثث يُعتقد أن ألف جثة منها مطمورة تحت الأنقاض، مع آلافٍ أخرى مدفونة في الحدائق والساحات. كذلك تنتشر أوباء في أرجاء المدينة، أبرزها داء الليشمانيّات، وهي عدوى طفيليّة تأكل البشرة واللحم، بالإضافة إلى التهاب الكبد الوبائي A.

مع هذا، لا تزال الألغام تشكّل أكبر مشكلة لعبد الله العريان والمجلس في الوقت الراهن. تتوافر ثلاث فرق إزالة ألغام فقط، ويقول العريان إنّهم إذا لم يحصلوا على مزيدٍ من الدعم، فلن يقدروا على دخول المدينة طوال الأشهر الستّة المقبلة، أو العيش فيها.

حسب خطّة الاستجابة للطوارئ التي وضعها المجلس، تنصّ المرحلة الأولى على إزالة الألغام وتطهير المباني بمواد كيماويّة، وعندئذٍ يمكن انتشال الجثث من تحت الأنقاض. ثمّ يجب استخراج تلك المدفونة في ساحات المباني ودفنها كما يجب في مقابر أعمق. بعد تنفيذ هذا المشروع، يبدأ المجلس بإصلاح إمدادات الماء والكهرباء.

في هذه المرحلة فحسب، يمكن إعادة فتح المستشفيات والمدارس الأساسيّة، بحسب العريان، للتصدّي لغسل الأدمغة المدمّر الذي ألحقه تنظيم الدولة الإسلاميّة بالأطفال في المدينة. بعدئذٍ، يجب تناول قضية المصالحة.

عند مفارق الطرق، يوقف محاربون شباب من القوّات السوريّة الديمقراطيّة المركبتين. وترى متفجّرات جديدة باستمرار في شوارع يُعتقد أنّها طُهّرت، وتسمع غالباً صوت إطلاق النار في أنحاء المدينة. يلقي الخوف من الخلايا النائمة ظلاله في كلّ مكان ويُفضّل المقاتلون الشباب إطلاق النار أوّلاً بدلاً من التعرّض للمخاطر. ثمّة هجمات مستمرّة، تنتج غالباً عن محاربين في صفوف «داعش» يرتدون زيّ القوّات السوريّة الديمقراطيّة ويخبّئون القنابل في درّاجاتهم الناريّة.

غابت الألوان عن المدينة وصارت أرضاً قفراء خالية. تنتشر فتات القطران على طول الشوارع، بعدما قُذفت كالحصى من الفوهات الناتجة عن الانفجارات. يعجز عبد الله العريان عن إخراج رائحة الموت من أنفه إلى حين يخلد إلى النوم في وقتٍ متأخّرٍ من الليل.

بحث عن إمدادات

تكمل العربتان مسيرتهما وتتنقّلان بفضل المعلومات التي يقدّمها محاربون جالسون على أرائك تالفة عند التقاطعات. فهنا، لا تتوافر شبكة خطوط خلويّة.

تظهر عند الزاوية سيّارة إسعاف ذات لوحتي ترخيص ألمانيّتين وتبدو على زجاجها الأمامي أحرف باللغة الأسبانيّة. يترجّل منها عاكف كوباني بملابس الجراحة الخضراء حاملاً مسدّس تسعة ملّيمترات في جراب السلاح على كتفه. كان كوباني يقود فرقة الإسعافات الأولية شرقي المدينة خلال المعركة. يقول «اتبعوني» ويستدير ليقود الوفد نحو عيادات «داعش».

ينحرف الموكب عند شارع تلّ الأبيض في شارعٍ فرعيٍّ صغير، ثمّ يتوقّف. يعبر الدكتور كوباني المدخل، ومع كلّ خطوة يتقدّمها معه عبد الله العريان، يزداد تردّد الأخير ويصعب عليه تجاهل خوفه عند رؤية الأقدام المتحلّلة تبرز من تحت البطّانيّات الصوفيّة الحمراء القذرة في الشوارع. يمشي على بابٍ مدمّرٍ ملقى على الأرض ويُفاجأ قليلاً بعدما غرقت قدمه في لوح الخشب الرقيق هذا. ينظر يساراً إلى غرفةٍ ويرى أكواماً من قذائف الهاون محلّيّة الصنع، عالية ككراسي الحانات، مع صمّاماتٍ تبرز على أطرافها.

يشرح له كوباني أنّ القنابل بحجم طابة البيسبول كانت تُرمى في الغرفة خلال المعركة الأخيرة حول الملعب، وكان من المفترض أن تدفع بالألغام والمتفجّرات المتبقّية في الطابق الأرضي إلى التفجّر.

يتابع العريان مساره، وقدماه تطآن سترات ممزّقة وفرشات تالفة وأبواباً محطّمة وأنقاضاً أخرى. يتردّد لكنّ كوباني يسرع مشيته. على اليمين، قذائف مدفعيّة ثقيلة بالمئات. ويتبع العريان وزملاؤه الثلاثة من لجنة الصحّة خطوات كوباني للدخول إلى العيادة التي كان «داعش» يديرها في قبو مبنى تعرّض للقصف. في إحدى زوايا الغرفة علب من المحلول الملحي، ومسكّنات روسيّة الصنع ومراهم وضمادات وحقن إيرانيّة. يقول أحدهم إنّ النقّالات لا تزال صالحة للاستعمال، كذلك مكيف الهواء، يضيف شخص آخر.

يصعدون مجدداً إلى الطابق العلوي ويدخلون إلى الفناء. كلّ ما من حولهم رماديّ اللون. يسيطر الخوف على العريان لكنّه لن يدعه يعوقه بعد الآن، فقد مرّ وقت طويل قبل أن يعتاد هذه الحالة. عاش هنا سنتين وثمانية أشهرٍ خاضعاً لنظام «داعش».

كانت عشيّة عيد الميلاد عام 2013 حين بدأ الكابوس. ازدادت برودة الليالي وصار الحصول على كهرباء لتشغيل أجهزة التدفئة أمراً نادراً. عندما حاول العريان مغادرة مكتبه في صباح العيد بسيّارته، كانت المدينة صارت سوداء اللون. ارتفعت الأعلام الأولى لتنظيم الدولة الإسلاميّة في الشوارع ورُسمت شارته على الجدران. عند ملعب المدينة، أوقفه مقاتل ذو لحية وقال له: «عد إلى منزلك». في هذه اللحظة، أدرك أنّ الهلاك على المدينة بدأ.

جثثٌ في الشوارع

فرض «داعش» حظر التجوال، وحين غادر العريان منزله بعد مرور أسبوع ليحضر خبزاً من عند أقربائه جنوب المدينة، كانت الرقّة تحوّلت إلى مذبحٍ. لم تعد هذه المدينة التي أحبّها لحدائقها المحاذية للمقاعد على ضفّة نهر الفرات حيث كان يمضي سهرات مع أصدقائه القدامى بجانب أشجار الفاكهة. لم تعد المدينة التي احتضنت يوماً فريق الشباب لكرة القدم الذي لعب في صفوفه. أمضى «داعش» أسبوعاً يقتل أيّ عدوٍّ له في المدينة، فامتلأت الشوارع بجثث المقاتلين المنتمين إلى ميليشياتٍ أخرى.

شكّل العريان ومجموعة من أصدقائه خلايا مقاومة صامتة، وكانوا يجتمعون في الشقق حيث يقرأون أعمال الشعراء والمؤرّخين وعلماء القانون والفلاسفة. إذا كان الحكّام الجدد يروّجون للغباء فهم سيحرصون على إبقاء المعرفة على قيد الحياة.

اخترقوا جهاز استقبال للقنوات الفضائيّة وراحوا يلتقون بالسرّ لمشاهدة مباريات كرة القدم الأوروبيّة الكبيرة، فالقنوات الفضائيّة محظورة تماماً وكانوا يعرّضون أنفسهم لخطر الإعدام، بتهمة قراءة الكتب ومتابعة مباريات كرة القدم.

في الخارج، قطع «داعش» رأس أربعة لاعبين من فريقه لتواصلهم المزعوم بالأكراد، فانسحب العريان لحماية نفسه، وكانت زوجته بالكاد تغادر المنزل.

في الخارج، سمنت القطط أكثر فأكثر لأنّها أخذت من الجثث المستلقية على الطرقات مأكلاً لها. توسّلت إليه زوجته أن يفرّ ويلحق بأولاده الذين أرسلهم إلى المملكة العربيّة السعوديّة لكنّه أجابها بأنّ بقاءه شكل من أشكال المقاومة ولا يستطيع مغادرة مدينته. فهو من أشهر المحامين في الرقّة وفي السابق مثّل مواطنيها ضدّ أتباع النظام. لهذه الأسباب لم تكن المغادرة خياراً أمامه.

إلى الخارج، سحبه مقاتلو «داعش» بلحيته وشتموه قائلين «كافراً!» وصوّبوا بنادقهم إليه ضاحكين. في الخارج، عُلّق رجال على الصلبان، ومات أصدقاؤه لأنّهم عجزوا عن ردع غضبهم وقتاً أطول.

في مرحلةٍ ما، لم يعد العريان قادراً على حماية نفسه ممّا يحدث، فأدرك أنّه كان على شفير الانهيار.

في 9 أغسطس 2016، توجّه إلى منزل جاره ودقّ الباب. دعاه الجار، وهو قائدٌ في تنظيم «داعش»، إلى الدخول. كان العريان على علمٍ بالخلاف الحاصل بين زوجتَي الرجل وأنّ الأخير يبحث عن منزلٍ ثانٍ لزوجته الثانية، فعرض عليه هذه الصفقة: «يمكنك الحصول على منزلي لكنّني في المقابل أريد تصريح سفر». كذب عليه قائلاً إنّه مضطرّ إلى الذهاب إلى السعوديّة للخضوع لجراحة.

عودةٌ إلى الحياة الطبيعيّة

في اليوم التالي غادر وزوجته الرقّة. ذهبا شمالاً عبر نقاط التفتيش وحقول القطن حتى وصلا عند القوّات الكردية- العربية. توجّها بعد ذلك بسيّارتهما شمالاً ليصلا إلى تلّ الأبيض، عند أسرة زوجته. بعد عشرة أيام، انضمّ إلى مجلس الرقة المدني. في هذه الفترة، استعادت القوّات السوريّة الديمقراطيّة بلدة منبج، فأمل بأن يتمكّن قريباً من العودة إلى الرقّة.

لا يزال مجلس الرقّة المدني يأخذ من عين عيسى مقرّاً له، وهي قرية تقع على بعد 73 كيلومتراً شمال المدينة، لكنّه في خضمّ نقل مقرّه إلى الرقة، أو بالأحرى إلى المشلب، وهي المنطقة الوحيدة شرق المدينة الصالحة للسكن. هذه محاولة لجعل المستقبل الجديد ممكناً وسط رائحة الماضي النتنة.

ينظر العريان خارجاً من نافذة سيّارته ويقول بكل عفوية: «قوّة الحياة ستتغلّب على الموت».

تعتبر المشلب المكان الوحيد في الرقّة حيث الحياة شبه طبيعيّة. حسب تقديرات العريان، عاد بضعة آلاف شخصٍ فقط بعد بدء القوّات السوريّة الديمقراطيّة أخّيراً بالسماح للناس بأن يسكنوا مرّة أخرى في هذا الربع من المدينة. والآن يعملون من الفجر حتّى حظر التجوال، أي عند الساعة الخامسة مساءً. كانت المشلب أوّل منطقةٍ تُستعاد من «داعش»، لذا الدمار فيها أقلّ حدةً ممّا هو عليه في أجزاء أخرى من المدينة.

يمكن للمرء أن يرى بوضوحٍ كيف يعمل مجلس الرقّة المدني لكسب قلوب السكّان العرب من الطائفة السنّيّة وعقولهم ومساعدة الناس في وقت شدّتهم. يجتمع المجلس يومياً مع زعماء القبائل، ويستمع إلى قصص الأمّهات اللواتي فجّر أبناؤهن أنفسهم من أجل «داعش» وقضايا العفو عن سجناء التنظيم من أجل إقناع العشائر بنواياهم الحسنة. والحقيقة أنّ سكّان الرقّة بمعظمهم يقولون إنّ من الجيّد وجود القوّات السوريّة الديمقراطيّة هنا. على الأقلّ، يقول كثيرون إنّ الأكراد يوفّرون الأمن في مناطقهم.

ولكن حتّى في المناطق التي تسيطر عليها القوّات السوريّة الديمقراطيّة، ثمّة صراعات بين العرب والأكراد. أخيراً، وقعت اشتباكات في مدينة منبج بين الفريقين. ولتجنّب حدوث الأمر ذاته في الرقّة، فإنّ أعضاء مجلس الرقّة المدني جميعهم تقريباً من العرب. ويتميّز أيضاً بكونه مجلساً من التكنوقراط: تتشكّل غالبيّته من محامين وأطبّاء ومهندسين وسياسيّين، في حين أنّ البقيّة تتألّف من زعماء قبليّين ودينيّين. بمجرّد أن تصبح المدينة قابلة للسكن، سيُسمح للمواطنين أن يقرروا بأنفسهم ما إذا كانوا يريدون أن يصبحوا جزءاً من منطقة الحكم الذاتي الكرديّة في الفدراليّة الديمقراطيّة لشمال سورية.

يقف الرجال على الأنقاض على طول شارع المشلب الرئيس ويفتّشون عن الحجارة والخرسانة ليرمونها. تزيل جرّافاتٌ الجدران التي بناها «داعش» متراساً له والتي يصل طولها إلى متر، وتملأ صهاريج المياه الخزّانات المؤقتة. على أحد الجدران، لا تزال حروف كتبها مقاتل في صفوف «داعش» باللغة الإنكليزيّة على طريقة «الغرافيتي» ظاهرة قليلاً: «انظر إلى النجوم وستراني هناك».

وراء أكوام الحطام، فتحت أولى المتاجر أبوابها. بالكاد تستطيع خيّاطة الحيّ أن تقمع ابتسامتها وهي تمزّق الستار الذي أجبرها «داعش» على وضعه على باب المحلّ لمنع المارّة من إلقاء نظرةٍ غير مقصودةٍ على امرأةٍ لا ترتدي حجاباً.

أمّا الباب المجاور فهو متجر أزياء منع قادة «داعش» صاحبه لأوّل مرّة من بيع مستحضرات التجميل والملابس الداخليّة، ليعودوا يطلبون منه بيعهم هذه البضاعة لزوجاتهم ونساء كانوا يستخدمونهن في الاسترقاق الجنسي.

في الشارع المقابل، تجد الصيدلي الذي عاد إلى الرقّة عام 2014 من شدّة قلقه على والده، ولم يُسمح له بمغادرة المدينة بعدئذٍ. يفرغ على الأرض أكياس الدواء التي استطاع إيجادها. زُجّ في السجن سبع مرّاتٍ، وكان السبب التدخين في معظمها، وتعرّض له المقاتلون بهجومٍ متكرّرٍ لعدم إعطائهم مواد أفيونيّة.

يتوقّف الوفد إزاء مبنى تديره ميليشيا وحدات حماية الشعب الكرديّة، فيدخل إليه العريان وزملاؤه للتحدّث إلى قادة القوّات السوريّة الديمقراطيّة الذين أقاموا معسكراً لهم هنا. يحتاجون إلى فريق إزالة الألغام ليتمكّنوا من البحث في عيادةٍ قديمةٍ بالقرب من أسوار المدينة، وهم كانوا أرسلوا طائرة من دون طيّار قبل بضعة أيّامٍ إلى أحد الطوابق العليا واكتشفوا عدّة متفجّرات. بعد ذلك بوقتٍ قصير، أُخذ قرار بعدم الدخول إلى العيادة على اعتبار أنها مكان خطر.

يعود العريان إلى سيّارته رباعيّة الدفع، ويقول إنّ جميع الأشخاص هنا يبذلون جهداً كبيراً للمساعدة قدر الإمكان، لكنّهم ببساطةٍ يفتقرون إلى الوسائل. صحيح أنّ الولايات المتّحدة الأميركيّة قادرة على المساعدة في طرد «داعش» من خلال ضرباتها الجوّيّة لكنّها بهذه الطريقة تسبّب دمار المدينة أيضاً. فتبرّعت للمجلس أخّيراً ببضع شاحنات، بالإضافة إلى مواد غذائيّة وإمدادات طبّيّة لمخيّم اللاجئين في عين عيسى. يقول العريان: «لا شيء أكثر من ذلك. لا نحتاج إلى حزم المساعدات، بل إلى الدعم لنعيد بناء مدينتنا. قاتلنا هنا من أجل العالم».

والآن حان الوقت ليساعدهم العالم في إعادة الرقّة، من رمزٍ للرعب إلى مدينة.

عودة الأسد

يأبى العريان تصديق أنّ الولايات المتّحدة الأميركيّة ستتخلى عنه وبلاده، ولا حتّى أنّ مخاوفه ستكون ذات أهميّة ثانويّة مرّة جديدة. ستأتي معارك تالية، لأنّ الأسد المدعوم من روسيا وإيران، يريد استعادة شمال سورية. لكنّ وزارة الخارجيّة الأميركيّة تريد «تحقيق الاستقرار» في الرقّة وليس المشاركة في بناء الدولة. سبق وأوضح صانعو القرار الأميركيّون أنّهم لا يعتزمون إصلاح التدمير الناتج عن قنابلهم.

يؤمن مجلس الرقّة المدني بأنّ أفضل حلّ يكمن في إقامة نظامٍ فدرالي في سورية كلها، لكنّه يدرك أنّه يعجز عن اتّخاذ هذا القرار، على غرار المواطنين والرئيس الأسد. وبدلاً من ذلك، سيحدّد مستقبل البلاد من خارج الحدود السوريّة.

خارج حدود الفدراليّة الديمقراطيّة لشمال سورية، أصبح بشّار الأسد أقوى عسكريّاً ممّا كان عليه منذ فترةٍ طويلةٍ. يُهمَّش المتمرّدون، في حين أنّ «داعش» هزم بالكامل تقريباّ. كتب روبرت فورد، السفير الأميركي السابق لدى سورية، في مجلّة Foreign Affairs (الشؤون الخارجيّة) متوقّعاً أنّ الأسد سينجح على الأرجح في تنفيذ خطتّه لاستعادة البلاد كلها. وقال إنّ الولايات المتّحدة الأميركيّة ستقترف خطأ إذا تدخّلت نيابةّ عن الأكراد في حال حدوث معركةٍ بينهم وبين النظام.

مجلس الرقّة المدني يؤمن بأنّ النظام الفدرالي أفضل حلّ

كثيرون يقولون إنّ الأكراد يوفّرون الأمن في مناطقهم

عبد الله العريان ومجموعة من أصدقائه شكّلوا خلايا مقاومة صامتة