صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3963

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

المعركة المستمرة ضد ملاذات التهرب من الضرائب

  • 18-11-2017

تعرّض عالم المال لهزة بعد كشف نحو 13.4 مليون وثيقة مسربة عرفت باسم «أوراق الفردوس» عن خدع تهرب ضريبي واسعة، وهي تماثل تسريبات «أوراق بنما» التي أثارت موجة غضب عالمية السنة الماضية بعد فضح محاولات تهرب أثرياء ونجوم عالميين وشركات.

تعرض ما تدعى "أوراق الفردوس" النظرة الأحدث بشأن الممارسة الواسعة الانتشار المتعلقة بالتهرب من الضرائب، وقد اتخذت الحكومات حول العالم في الآونة الأخيرة خطوات لوضع حد لمثل تلك الاستراتيجيات ولكن من غير الواضح ما إذا كانت سوف تنجح في نهاية المطاف.

وقد تعرض عالم المال إلى هزة بعد الكشف الأخير عن خدع تهرب من الضرائب استخدمت حول العالم من قبل شركات وأثرياء وأطلق على تلك التسريبات التي شملت 13.4 مليون وثيقة اسم "أوراق الفردوس" وكانت من انتاج كونسورتيوم دولي للتحقيق شمل صحافيين من صحيفة سودوتش زايتونغ الألمانية.

وكانت الحالات التي تم الكشف عنها مماثلة لتلك التي وردت في تسريبات سابقة دعيت "أوراق بنما" وأثارت موجة غضب عالمية في السنة الماضية، وقد وصفت المعلومات التي تضمنتها كيف يحاول الأثرياء والنجوم العالميون والشركات التهرب من دفع الضرائب في بلدانهم.

واللاعبون هم في العادة من الشركات متعددة الجنسيات التي تسعى إلى تقليص فواتير الضريبة باستخدام طرق ملتوية، وتتعرض شركة التقنية العملاقة أبل من جديد إلى الاتهام بالتهرب من الضرائب وكذا الحال بالنسبة إلى شركة المنتجات الرياضية "نايكي". وتشمل الصفقات المعنية مناطق ملاذات ضريبية مثل جزر برمودا وأيل اوف مان أو جيرزي البريطانية والدول الأوروبية مثل هولندا ولوكسمبورغ وايرلندا.

وتكون الأسئلة التي تواجه رجال السياسة هي ذاتها التي تطرح بعد كل تسريب بارز جديد وهي: كيف يمكننا أن نستمر في التسامح مع وضع لم نتمكن فيه من إغلاق ثغرات الضرائب؟ ثم لماذا يسمح للدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بخداع شركائها ضمن الاتحاد بغية التهرب من دفع الضرائب؟

والكثير من استراتيجيات التهرب من الضرائب لن يكتب لها النجاح اليوم لأن عدة دول انضمت إلى القوى الهادفة إلى سد ثغرات التهرب من الضرائب. ولكن الصحيح أيضاً أن سد كل الثغرات القائمة ينطوي على جهد كبير وصعب وعلى عملية سياسية محبطة في بعض الأحيان نتيجة التنوع الهائل في المصالح الاقتصادية للدول من أجل الوصول إلى رضا عالمي شامل. ولكن يوجد بالمثل العديد من التطورات الإيجابية كذلك. وعلى سبيل المثال فإن التعاون بين السلطات المالية في العشرات من الدول يتم في الوقت الراهن على مستويات متعددة، كما أن أكبر الدول الصناعية والنامية تعمل معاً ضمن إطار مجموعة العشرين في مبادرة تهدف إلى تحقيق تلك الغاية. ولم يعد يسمح للدول المشاركة بالانتظار حتى يطرح عليها السؤال حيث يتعين عليها أن تقدم بصورة آلية معلومات مالية إلى الشركاء المشاركين، وقد دخلت هذه التنظيمات حيز التنفيذ منذ شهر سبتمبر الماضي بعد انضمام 50 دولة وتخطيط 50 دولة أخرى للقيام بذلك بشكل أو بآخر.

عوائق تحويل الأرباح

ويفترض أيضاً أن تجعل الاتفاقيات الدولية من الأصعب على الشركات تحويل أرباحها من دولة إلى أخرى بغية دفع أدنى معدل ممكن من الضرائب، والأداة الأكثر شعبية لتحقيق ذلك بين الشركات متعددة الجنسية تتمثل في فرض "رسوم إدارة" وتراخيص ماركة على فروع الشركات المعنية.

وتم أيضاً تطبيق سجلات دولية من أجل اشهار ملاك الشركات بما في ذلك أولئك المشاركون في نماذج توفير الضرائب، ويفضي ذلك إلى تطبيق الشفافية في العمل على الرغم من أنه ليس كافياً بالنسبة إلى حكومة مستشارة ألمانيا أنجيلا ميركل. وكانت الإدارة الألمانية قد أرادت بشكل مبدئي إدراج كل الشركات والأفراد الذين استفادوا من هذه البنية، ولكن الاقتراح المتعلق بمثل هذا السجل الموسع تعطل بسبب معارضة بريطانيا وهولندا، ولم يكن في وسع وزير المالية الألماني ولفغانغ شوبل والحلفاء في الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي عمل أي شيء في هذا الصدد نظراً لأن قضايا الضرائب يجب أن يتم إقرارها بالإجماع في التكتل.

ويفسر ذلك أيضاً عدم وجود حد أدنى من ضرائب الشركات الشاملة في معدلات الضرائب في الاتحاد الأوروبي، وهي مسألة غريبة نظراً لأنه سبق أن تم الاتفاق على مثل ذلك الحد الأدنى حول الضرائب على التبغ والقيمة المضافة، وفي الحالتين كانت الضرائب التي فرضت من قبل الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي في المستوى المنشود، ولكن دول مثل مالطا – على سبيل المثال – تمنع تطبيق معدلات ضرائب الشركات في حدها الأدنى في أوروبا.

وتشتهر دول البحر الأبيض المتوسط أيضاً بمحاولة اغراء أصحاب الشركات الصغيرة على اقامة متاجر لها في جزيرة مالطا، وإذا فعلت تلك الشركات ذلك فإن الأرباح التي تصل إلى خمسة ملايين يورو في السنة سوف تتعرض لضريبة بنسبة 15 في المئة فقط وأي شيء أكثر من ذلك سوف يكون من دون ضريبة.

وقد تمكن أولئك المعارضون لإجراءات التهرب من الضرائب من سد ثغرة صغيرة فقط، وقد تم في الآونة الأخيرة تطبيق الحد الأدنى من الضريبة بصورة غير رسمية على ما يدعى صناديق التراخيص. ويشمل ذلك النموذج الإعلان المنفصل عن الدخل من براءات الاختراع ويتعرض مثل ذلك الدخل في أيرلندا وهولندا إلى ضريبة تصل إلى نصف المعدل العادي، ولكن المشكلة تتمثل في أن قانون الاتحاد الأوروبي لا يتحدث عن كيفية فرض الحد الأدنى من ضرائب الشركات.

مبادرة شفافية

وقد أيدت المعارضة في الولايات المتحدة واليابان مبادرة شفافية اضافية ركزت، ضمن أشياء أخرى، على دفعات ضريبة قدمتها شركات دولية نشيطة في بلدانها، ولم تتمكن سوى سلطات الضرائب حتى الآن في الدول المعنية من معرفة مكان وكيفية فرض الضريبة والمبالغ التي يتم دفعها، وتعارض الولايات المتحدة واليابان الإعلان عن مثل تلك المعلومات على أي حال.

وتجدر الاشارة إلى أن مبادرة الشفافية لا تتم متابعتها في الوقت الراهن ويرجع ذلك ببساطة إلى أن أي محاولة تهدف إلى فرضها سوف تكون عقيمة، وإذا كان على كل الدول المتبقية أن تتوافق على مزيد من الخطوات المتوسعة فإن اليابان والولايات المتحدة سوف تنسحبان من الاتفاق الحالي، وسوف يكون الضرر الناجم عن ذلك أشد حدة من القيمة الاضافية.

وتتمثل الطريقة الأخرى المتعلقة بتقليص دور الملاذات الآمنة في منافسة تلك الملاذات، ولكن هذا الخيار ليس واقعياً بالنسبة إلى الدول الكبرى، كما أنه بالنسبة إلى دول ليست لديها أي قاعدة صناعية بشكل تقريبي كما هو الحال في جزيرتي قبرص ومالطا فإن السعي سوف يتركز على اجتذاب أرباح خارجية عبر معدلات ضريبة متدنية، أما الدول الكبرى التي تتمتع بقواعد صناعية راسخة فسوف تتعرض إلى خسارة مالية في نهاية المطاف. وبعد كل شيء فإن تلك الدول سوف تضطر إلى عرض معدلات ضريبة متدنية للشركات الأجنبية إلى شركاتها المحلية أيضاً وهو ما يعني أنها سوف تخسر المزيد من العوائد وبقدر يفوق الأرباح المتوقعة.

وما يجعل المعركة ضد ثغرات الضرائب أكثر صعوبة هو أن الولايات المتحدة التي تعتبر أكبر اقتصاد في العالم ليست متحمسة تماماً عندما يتعلق الأمر بمحاربة الملاذات الآمنة. كما أن ولاية ديلاور تعرض موطناً غامضاً ومجهولاً بالنسبة إلى مئات الآلاف من الشركات الوهمية، ثم إن الحكومة الأميركية – سواء كانت ديمقراطية أو جمهورية –كانت معنية طوال سنوات عديدة بالقيام بدور محصل الضرائب على الرغم من حقيقة أن الولايات المتحدة نفسها قد تأثرت بالخدع التي طرحتها شركات مثل غوغل وأبل وأمازون.

ويتعين أن تتدفق العوائد من الشركات الأميركية متعددة الجنسية على الصناديق الأميركية كما هو الحال بالنسبة إلى مصنعي السيارات في ألمانيا – على سبيل المثال – الذين يتعرضون إلى ضرائب في بلادهم، وبعد كل شيء فإن مبدأ الضريبة العالمي يقول إن الضرائب يجب أن تفرض في الدولة التي يتم فيها انتاج المنتجات.

ولكن طوال عقود أظهر قانون الضرائب في الولايات المتحدة وجود ثغرة بالنسبة إلى الشركات الأميركية التي يسمح لها بطرح الملكية الفكرية – على شكل براءة اختراع وتراخيص حقوق أفلام على سبيل المثال – مع فروع لها في الخارج وهو ما يعني تعرض تلك الفروع للضريبة في الدول الموجودة فيها، ولهذا السبب فإن شركة أبل لم تقرر دفع ضرائب على أرباحها في الوطن بمجرد إغلاق ثغرة في أيرلندا، وبدلاً من ذلك توجهت تلك الشركة إلى البحث عن ملاذ أمن قد يوفر لها موطناً جديداً.

عملية صعبة

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: لماذا تسمح الولايات المتحدة بمثل هذه الخطوات؟ ولماذا لا تغلق هذه الثغرة المعروفة تماماً؟ يوجد سببان وراء ذلك، الأول هو أن التنظيم قد وضع من أجل منع تعرض الولايات المتحدة إلى خسائر، وبعد كل شيء، إذا لم تكن الشركات مضطرة إلى دفع ضرائب على أرباحها في الوطن فإنها لن تتمكن من المطالبة بخصومات عندما تتعرض إلى خسارة، ولكن عندما أثبتت شركات الابتكار في نهاية المطاف قدرة على الربح لم ترفع سلطات الضرائب تلك الثغرة، وكانت الحكومة الأميركية تعتبر أن ذلك كان نوعاً من المساعدة للتصدير بالنسبة إلى الشركات المحلية وبالنسبة إلى واشنطن فإن نفوذ الشركات الأميركية في الخارج أكثر أهمية من خسارة مليارات الدولارات في عوائد الضريبة.

والسبب الثاني هو أن الحكومة الجديدة لمستشارة ألمانيا ميركل سوف يكون لديها درجة أقل من الخيارات غير الاستمرار في عمل ما في وسعها لمنع تدفق المال على ملاذات الضرائب حول العالم.

* Christian Reierman