صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3601

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

الديمقراطية الكويتية وثلاثية التسديد والتصويب والترتيب

  • 05-11-2017

نبارك لسمو الرئيس المبارك إعادة التكليف، ونهنئه بالثقة السامية المتجددة، ونثق بأنه لن يدخر سعياً للنهوض بالمسؤولية، في حدود المتاح، وفي إطار الممكن والمباح.

غير أن حديثنا هذا ليس عن «التكليف»، رغم مدلولاته وأهميته، وحديثنا اليوم ليس عن «المكلَّف»، مع اعتزازنا الصادق بصداقته، وتقديرنا البالغ لخلقه ودماثته، حديثنا اليوم عما نرجو أن يؤول إليه هذا التكليف، وعما نأمل أن ينتهي إليه «التأليف».

ومن المهم هنا أن نؤكد منذ البداية على أمرين اثنين؛ أولهما أننا لا نقصد وزيراً بشخصه، ولا نستهدف مجموعة بذاتها، بل نقصد المعيار والقرار، والسياسة والمنوال. وثانيهما أننا لا ننكر أبداً حجم العراقيل والصعوبات، ولا نطلب من أحد اجتراح المعجزات، ففي مجلس نيابي تنفي الغالبية العظمى من أعضائه انتماءها لأي تيار سياسي، وتنكر التيارات السياسية فيه تمثلها في الحكومة، لا يمكننا أن نطالب بحكومة تعكس التركيبة النيابية، وفي مجلس نيابي تحكم مواقف أغلبيته بوصلة صندوق الاقتراع، لا يمكننا أن نطالب بحكومة تتمتع بدرجة مقبولة من الانسجام. وفي دولة يتخلى وزراؤها عن زملائهم بمجرَّد التهديد باستجوابهم، ويهدد نوابها بمنصة الاستجواب، وكأنها مقصلة إعدام في القرون الوسطى، لا يمكننا أن نلوم أصحاب الكفاءة والرأي لعزوفهم عن المسؤولية الوزارية.

نعرف هذا كله، ونعرف الكثير غيره، لكننا - رغم هذا كله، ورغم الكثير غيره - لن نتخلى عن حقنا في طلب الحق، وعن طموحنا في بناء الوطن. من هنا نتطلع إلى حكومة لا يتقاسمها أبناء الأسرة والتكنوقراط، بل تتألف تركيبتها من سياسيين، ولا بأس بعد ذلك أن يكونوا شيوخاً أو متخصصين، فالوزراء ليسوا مجرَّد موظفين بمرتبة وزير، وعمل الوزير سياسي داخل مجلس الوزراء، وليس كبير الفنيين في دوائر وزارته.

نطمح أن تكون لنا حكومة موحدة في مرجعيتها، تتخذ قراراتها، بعد دراسة ومناقشة واختلاف وترشيد، وتتخذ قراراتها داخل مجلس الوزراء، وليس في أي مكان آخر.

نطمح أن تكون لنا حكومة غير معلَّبة في قوالب المحاصصة وغير محسوبة على اصطفافات عائلية ومذهبية وقبلية... وقبل كل ذلك اصطفافات مصالحية تتغيَّر وتتحرَّك حسب شدة الرياح واتجاهاتها.

نطمح إلى حكومة ذات رؤية وخطة وفعل، وليست حكومة قصيرة الأجل، والنظر، تعمل بردَّات الفعل، وتصرِّف الأمور تبعاً لضغوط اللحظة، حكومة يختلف وزراؤها ويحاسب بعضهم بعضاً، فإذا ما توصلوا إلى قرار، دخلوا به مجلس الأمة متضامنين يدافعون عن قرارهم وعن بعضهم بالحجة والمنطق واحترام الرأي الآخر، وليس بتوقيع المعاملات مراضاةً للنواب، وجزعاً من الاستجواب، وتمسكاً بكرسي الوزارة.

إننا - باختصار - نطمح إلى حكومة ذات رؤية وقرار وموقف شجاع، فهل نطلب الكثير بعد قرابة ستين عاماً من التكليف والتأليف والتجربة البرلمانية؟!

قبل أقل من أسبوعين، وفي افتتاح دور الانعقاد العادي الثاني من الفصل التشريعي الخامس عشر توجَّه حضرة صاحب السمو الأمير إلى أعضاء مجلس الأمة، قائلاً بكل حزم وعزم: «أصبح تصويب مسار العمل البرلماني استحقاقاً وطنياً لا يحتمل التأجيل، وعليكم مسؤولية المبادرة، لإجراء هذا التصويب، من أجل صيانة وتعزيز أهم مكتسباتنا الوطنية». كما توجَّه سموه، حفظه الله، إلى مجلس الأمة وإلى غيره - ببلاغة لا تنفي لوماً، وبصدق لا يخفي ألماً – أنه «آن للممارسة النيابية أن تنضج، وآن للجميع (والحكومة من هذا الجميع) أن يدركوا خطورة الأوضاع الراهنة؛ سياسياً وأمنياً واقتصادياً، وأن ينعكس هذا الوعي على ممارساتهم؛ قولاً وعملاً».

وإننا على يقين بأن «التصويب النيابي» الذي دعا إليه حضرة صاحب السمو الأمير لا يمكن أن يحقق غايته ويدرك هدفه – هذا إن حصل – إلا إذا سار بخط متوازٍ وبنفس العمق والسرعة والاتساع مع «التسديد الوزاري» من التكليف إلى التأليف، إلى التشغيل، إلى التخطيط، إلى القرار. ذلك أن الكويت، إذا أُريد لها أن تبقى دولة دستورية ديمقراطية، لا يمكنها أن تتجاوز المنعطف المفصلي الخطير الذي تمرُّ به، إلا بالتعاون السياسي والتنموي، والتوافق المجتمعي، بل والأخلاقي بين السلطتين. وتصويب المسيرة البرلمانية يرتبط إلى حد بعيد بتسديد الأداء الحكومي، والعكس صحيح وبالدرجة ذاتها.

لا نريد لافتتاحيتنا أن تطول، لكننا نعتقد أنها ستشكو خللاً إذا لم نتذكَّر ونذكر أهمية ترتيب بيت الحكم وتراتبيته، ليس باعتباره جزءاً من عمليتي التصويب والتسديد، بل باعتباره شرطاً لازماً لنجاحهما، وليس من المنطلق الدستوري أو القانوني، بل من منطلق اطمئنان الشعب على حكمه وحكومته، لأنهما أساس ثقته بغده ومستقبله. وترتيب بيت الحكم وتراتبيته هو، حكماً وقصراً، من اختصاص حضرة صاحب السمو أمير البلاد شخصياً، ولا يمكن أن ينهض به إلا بيت الحكم نفسه. وفي ترتيب بيت الحكم وتراتبيته ما يسرِّع تصويب مسيرة مجلس الأمة، وفي ترتيب بيت الحكم وتراتبيته ما يسعف في تسديد أداء مجلس الوزراء.