صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3601

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

حبر و ورق

  • 28-10-2017

هزائم الشجعان

2 / ديسمبر 2022

يا وطني عاد الأسرى.. متأخرين عشرين عاماً.

اليوم أصبحت بحال أفضل قليلاً.. قليلاً فقط. ألصق كفيّ المتعرقتين بزجاج السيارة العسكرية التي أقلتني منذ عشرين عاماً مودعاً كل ما حولي ومغادراً هذا العالم الواسع إلى آخر أضيق من خرم إبرة.. والآن ها هي السيارة ذاتها تلفظني وتعيدني من حيث أخذتني، تردني إلى عالمي الأول.

لكني لست أنا ناصيف الولد الأرعن ذاته، الذي عاش على هذه الأرض يوماً، وكبر بين سهولها والجبال؛ أنا اليوم كهلٌ متعب أكلت الآلام من لحمي وشربت. ابيضَّ شعري وانحنى ظهري وأثقلت كتفي أوجاع الحياة، بيد أنني الآن أعود أخيراً من حيث أتيت.. من البداية.

تتفرّس عيناي المندهشتان، من خلف الزجاج وقضبان الشباك الحديدية للسيارة العسكرية المصفحة، كل ما نمرُّ به من جبال وسهول ووديان، شوارع معبدة نظيفة ومبانٍ عالية جداً تكاد تعانق السماء طولاً.

ونساء كثيرات جميلات يمشين هنا وهناك.. مضى عليّ وقت طويل لم ألمح به طيف امرأة حقيقية أمامي. يا إلهي حتى النساء في هذا العالم تغيرن!

قلبي يخفق بشدة كأنه قرع طبول الحرب، كم انتظرت هذه اللحظة من عمري وتخيلتها ورسمت لها أحداثاً وسيناريوهات، لكن الواقع أقسى من كل خيالٍ وأشد.

ها نحن ذا قد وصلنا..

وقفت السيارة العسكرية، وترجل الجندي الجالس إلى جانبي، فتح الباب الخلفي لكابينة السيارة وأشار إليّ بالنزول.

خجلاً لا أعرف ممَّ بالضبط، أنزلت قدمي اليمنى تتبعها القدم الأخرى، لكن ما إن وطئت قدماي الأرض بلا أصفاد ولا أسلاك ولا جندي يمسك بذراعي ويثبتني، حتى شعرت برهبة وقوة يشوبها الضعف والترقب والخفوت.

لم أمهل عينيّ الفضوليتين دقائق لألتفت حولي.. لقد خرّ جسدي ساجداً شكراً لله وحباً لثرى هذا الوطن.. أمسكُ تراب الأرض بيدي، أشمه وألثمه.. إنها الحرية يا قوم، إنها الحرية يا رفاق الدرب الطويل!

كان الجنود ينظرون إليّ باعتيادية يبدو أنهم ألفوها في حالات كثيرة مشابهة، انتظروا ريثما استعدت رشدي ووقفت ألتفت حولي بتوجس وفضول، ثم مضت السيارة بهدوء فاحش وكأن شيئاً لم يكن.. كأن العمر كله لم يمتصوه رويداً رويداً فلم يبقَ لي منه إلا القليل.. كأن لم تكن تلك الأعوام المنصرمة كلها إلا غمضة عين!

المهم الآن أنني أستطيع أن أتنشق ذلك الأكسجين النقي، بالرغم من تلوّثه، بسعادة أكبر، وبأنف تتسع مغاراته أكثر فأكثر طلباً لملء رئتيّ بالهواء المنعش الممزوج بشذا الحرية.

استجمعت قواي ومشيت بضعة أمتار لأصل إلى ما بعد الحاجز العسكري الإسرائيلي الذي يتجمهر الناس حوله بانتظاري أنا “الأسير المحرر البطل ناصيف منير ماضي”..

مزامير الفرح تصدح في أذني بجنون، ضجيج لم أستطع تقبله بعد سنوات الهدوء الطويلة، كنت أريد فقط ذلك الكم الهائل من الشوق واللهفة والكثير من الأحضان التي تتسابق لمنحي عناقاً صادقاً مستبشراً بانقضاء تلك الأعوام العشرين العجاف.

أعلام بألوان مختلفة وسيارات ودراجات نارية ووجوهٌ فتية أجهلها. أناسٌ كثرٌ من حولي يهللون ويهتفون ويتسابقون لمنحي قبلات وأحضان بلا عد، الكثير من الحب والكثير من الفرح والاحتفال بعودتي «سالماً غانماً» إن صح التعبير.

لكنني في غمرة الاحتفال والحشد البشري السعيد، كنت أبحث عن تينك العينين الحانيتين، البندقتين المخفوقتين بالعسل. العينين اللتين شهدتا على ألم كبير هائل ولم أستطع حتى أن أمسح دموعهما المنهمرة آنذاك.. لا بد أنها تنهمر الآن أيضاً، دموع فرح وانتظار، كم أتحرق شوقاً لرؤيتهما تغسلان من أوجاعهما وأوجاعي.

ها هي قد جاءت إليّ.. إنها تخترق الحشد باكية، تلف كتفيها بكوفية فلسطينية تمسح بطرفها دموعها الطاهرة.

أميرتي ديانا الصغيرة.. أصبحت اليوم جسداً طويلاً ممتلئاً، ووجهاً تشقه بعض التجاعيد اللطيفة التي تصر على تذكيرنا بأننا قد كبرنا كثيراً وتغير فينا الكثير. شعرها قد غزته جيوش من الشيب، لكن العينين إياهما، بقيتا كما عرفتهما دائماً.. بندقتين صغيرتين مغمستين بالعسل.

عبرات ديانا ودموعها المنهمرة كمطر الخريف.. مطر غزير دافئ وصامت بلا صوت..

وجهها الناعم وكتفاها العريضتان، ضلوع صدرها التي قاربتُ تحطيمها من قوة الاحتضان..

الحنان الذي ما شعرت به يوماً؛ شعرت بفائض منه الآن بين ضلوعها.. لكني بحاجة إلى الكثير الكثير بعد!

***

9/أيار 2017

أنا ناصيف..

يا ليل! يا نجوم! يا إله. .. يا سحاب

أما رأيتم شارداً... عيناه نجمتان؟

يداه سلتان من ريحان

وصدره وسادة النجوم والقمر

وشعره أرجوحة للريح والزهر!

أما رأيتم شاردًا

مسافراً لا يحسن السفر!

محمود درويش

أنا ناصيف منير ماضي.. ثلاثيني أطل على مشارف الأربعين، مربوع الطول بشعر قصير جداً وعينين بنيتين داكنتين كتراب الوطن الغالي. لي أخوان اثنان «إلياس وإيلان» وأخت واحدة فقط، أميرتي الصغيرة «ديانا».

أنحدر من إحدى القرى الحدودية المتوارية بين الجبال شمال فلسطين المحتلة وجنوب لبنان. فلسطيني الجنسية لكن لي نصيب ليس بقليل من رائحة الجنوب الصامد.

ولطالما حدثنا كبار السن في قريتنا بأن هذه البلدة الصغيرة قبل اتفاقيات التقسيم والترسيم كانت لا تُنسب لا إلى هذا ولا إلى ذاك، فالهوى فلسطيني ولبناني يجريان كالدم في الشريان؛ حياتنا واحدة وعاداتنا وتقاليدنا واحدة والنسب واحد، لكن تلك الخطوط الوهمية التي رسمها صعاليك من هنا وهناك، تمطّطت على الخرائط وفق أهوائهم وزرعت أمراضاً مزمنة عديدة لها أسماء جميلة ومغرية؛ كالهوية والجنسية والانتماء القومي وتقسيمات عنصرية أخرى فرّقت الأهل والأحبة.

لكن مهما ترسم الخطوط وتقطع البلاد أشلاءً وتمزق، فكل بلاد العرب تبقى حضناً لنا. الوطن خالد وفلسطين أمنا جميعاً ومن أجلها أنا هنا. من أجلها قدّمت وضحيت وكابدت وقرباناً لها انبثقت كمارد من قمقمي.

واليوم أنتم تقرأون نص حكايتي بدءاً بكوني طفلاً معنفاً قاسيت في طفولتي وعانيت أنا وإخوتي، إلى أن شببت عن الطوق وغزلت بيديّ قدراً آخر لي، قدراً اخترته بنفسي وبإرادتي أنا؛ فأوصلني هو باختياره وإرادته إلى قلعة محصنة تُحتجز فيها الأرواح والأجساد والحريات تسمى «السجن».

أنا ما زلت هنا محاصراً مقيداً سليباً بجسدي، لكني اليوم بين أيديكم وبعيونكم وبقلوبكم أصبحت روحي حرة طليقة، تجوب البلدان وتحادث الناس؛ فلنحيا معاً نص الحكاية من البداية..

***

9/ أيار 1990

من أول السطر

بدأت قصتي التي أذكرها وأعي تفاصيلها بوضوح منذ كنت طفلاً صغيراً لم يجاوز عمري السنوات الست، هذا العمر الذي مازلت أستطيع أن أستحضر وقائعه حتى الآن.

كنت أنام على حسيس بكاء ماما وهمهماتها همساً في المساء، وأستفيق على صراخ بابا وشتائمه العالية وصراخه الهادر صباحاً.

أعود من مدرستي فتخرق أسماعي أصوات التكسير والفوضى داخل بيتنا، فأركض هارباً إلى الشارع أقضي بقية نهاري متسكعاً حتى يحل المساء لأرجع بعدها إلى بيتنا بعدما تآكلت معدتي وانكمشت من فرط الجوع وانهار جسدي الصغير من الإرهاق والتعب.

أرى ماما تمسح دموعها وتداري خيبتها الخجولة من عينيّ الفضوليتين المتسائلتين عما يحدث. لا تسألني أين كنت أو كيف قضيت نهارك ولا حتى ماذا أكلت منذ الصباح، فقط تحدق إلينا بوجوم واستياء من وجودنا أنا وإخوتي، الكائنات الصغيرة الضعيفة التي أصبحت موجودة بالفعل ولا سبيل لإعادتها أو التصرف بها بأي وسيلة كانت، لتنقذ هي نفسها من المستنقع الموحل الذي سقطت فيه وربما غرقت!

أبادر بدوري لإخبارها بأني جائع جداً فتحضر لي طبقاً من الطعام الذي طهته خلال اليوم وتمضي إلى غرفتها تغلق خلفها بابها ولا تلتفت إلينا، أحياناً أمضي بقية يومي جالساً منتظراً خروجها، لكن لسوء حظي لا أراها إلا في الصباح الباكر!

هكذا مرت أيام طفولتنا الغابرة، ننام ونستيقظ لنذهب إلى المدرسة ثم نلعب أنا وإخوتي وأبناء الجيران معاً، ونقضي نهاراتنا وتتعاقب أيامنا بلا جديد يذكر سوى اتساع هوة الخلافات والمشاحنات بين والدينا؛ وكنتيجة حتمية فإننا وإخوتي والمحيطين بعائلتنا كنا قد لمحنا شبح طلاقهما يلوح في الأفق.

***

19/ آذار 1992

ناصيف.. وحشٌ صغير

صامت في أغلب الأحيان ومنضبط في صفي، أجلس هادئاً بلا حراك كتمثال نحت في قلب الصخور، لكن إذا ما استفزني أحد الأطفال الآخرين فإنني أنفجر كبركانٍ ثائر لا يستطيع أيٌّ كان إيقاف سيل الحمم النارية أو إخمادها. كانت شخصيتي مثيرة للجدل بعض الشيء ومعرض حديث أساتذة مدرستنا في كثير من الأحيان.

فقد كان لا بد من استدعاء ولي أمر الطالب المفترس الذي عضّ أحد زملائه في الفصل الدراسي، لولا تدخل مدرّس الفصل وبقية التلاميذ وبعض المدرسين الآخرين لكانت قطعة من لحم الطالب الضحية أصبحت جزءًا من معدة ناصيف المتوحش.

والسبب؟ خلاف حول مكان الجلوس في المقعد الخشبي، إلى جانب النافذة أو بعيداً نصف متر فقط!

من سوء حظي ومن تعاستي، في غضون عشر دقائق كان بابا قد وصل بناء على طلب مدير مدرستنا. لم يكن يومها هناك هواتف محمولة ولا حتى أرضية، فقط أرسلوا حارس المدرسة العجوز إلى الورشة القريبة التي يعمل فيها بابا، فقريتنا صغيرة والجميع يعرفون بعضهم بعضاً.

دخل بابا غرفة مدير المدرسة وعيناه تقدحان شرراً وغضباً. لم ينتظر ليستمع إلى القصة الكاملة، اكتفى ببعض رؤوس الأقلام ووصلته المعلومة بأني مذنب ومعتدٍّ على أحد زملائي.

كان والد الطفل المتأذي هنا أيضاً، غاضباً يزمجر ويتوعدني بعذابٍ أليم، ممسكاً بيد ولده وقد ظهرت على ذراعه بقعة دائرية سوداء مخيفة.. ارتعدت فرائصي لدى رؤيتها، وشعرت بيني وبين نفسي بالحزن والندم، لكني لم أُبدِ ذلك مطلقاً.

بقيت أعاند كبغل صغير، أصغي لما يقولون وأسترق بضع نظرات من هنا وهناك.. حتى أيقنت أن بابا سينفجر الآن أو بعد دقائق على أبعد تقدير. هممت بأن أغافلهم وأركض لأهرب بعيداً عن مسرح الجريمة التي سترتكب بي، لكن فات الأوان!

كان بابا ينقضّ عليّ كوحشٍ ضارٍ يضرب ويركل ويدوس بقدميه جسدي الصغير، وأنا أكتفي بإطلاق همهمات خافتة وشتائم مخنوقة، بعض الصرخات خرجت رغماً عن كبريائي وعنادي.

آخر ما شعرت به كانت لكمات تتوجه إلى كل مكان، بلا استثناءات.. وأصوات المدرسين ووالد الطفل الضحية أيضاً كان معهم، جميعهم يدفعون بابا ويطالبونه بالتنحي بعيداً.. لقد توسلوه أن يرحمني بلا فائدة!

لم أستفق إلا ممدداً على أريكة قديمة في غرفة الإدارة معدّة لاستقبال ضيوف مدرستنا، ومعلم اللغة العربية يمسح وجهي ويمسد شعري بالماء.

مرام

تسلّلت يداها برفقٍ إلى علبة خشبيّة، وارتها منذ زمنٍ في قعر خزانتها، تحت كمٍّ من الثّياب السّود...

انتشلتها من صقيع ظلام كفّنها لسنواتٍ، وكاد يطفئ حرارة ما تحملهُ من ذكريات...

لا تدري ما الذي جعلها تفتكرُ سرّها الدّفين في هذه اللحظات الحرجة!

لا تدري ما الذي دفعها باتّجاه تلك العلبة وشجون أشيائها، وسط الغضب المتفجّر في البيت!

سألت نفسها مرات عدّة: ما الذي استجدّ الآن؟!

أهو عبق الماضي الذي لطالما كان واحتها وسط اليباب الذي تحياه، أم هو طيف أمّها الرّاقدة في الأبدية، هذا الطيف الذي يسكنها، ويقودها إلى رسم ملامحه المشوّشة، بعد أن عجزت ذاكرتها الطفوليّة عن الاحتفاظ به وقد مضى عمر من عمرها؟! أم هو الإحساس بأنّ طوق الإيمان المختلف الذي أحكمه عمّها، الشيخ أبو محمود، حول البيت وأفراده، قد تصدّع بخبر زواج ابنه الأصغر عماد في أميركا؟!

كلُّ ما تعرفه أنّ هذا الخبرَ الزّلزال الذي هدَّ جبروت عمِّها الشيخ ولوى عنقه، وجنّن زوجته، وأعمى بصيرة عمّتها، قد أنعش جرأتها المخنوقة، وأيقظ روحها السّاكنة، وحرّك جسدها المحنّط، فساقتها قدماها إلى غرفتها لتقرأ ذلك الشّعور الغريب الذي ضجّت به روحها فجأة.

نزعت بعفويّة المنديل الأبيض الفضفاض الذي يكمُّ فمها ويأسر كتفيها وهو ينسدل حتى أسفل ظهرها، وحرّرت جسدها من ثوب أسود ارتداهُ منذ ارتسمت معالم أنوثته، ثمّ أخرجت من العلبة الخشبيّة ثوب نوم أمّها الخمريّ، وأسقطته فوق جسدها الرّقيق.

كانت تلزمها خطوةٌ واحدةٌ وقدرٌ كبيرٌ من الجرأة لتواجه نفسها المحرّرة في المرآة؛ خطوة كانت تختزن كل الخوف من أن ترى نفسَها منتزعةً من الثوب الذي فرض عليها، ففرض على روحها وجسدها القهر والحرمان. خطوة ملأى بقلق جسدها الذي صحا للتّوّ من غيبوبته ليتعرّف إلى لونه، إلى شكله، إلى أبجديّته بعيداً عن العفّة بحسب قاموس عمّها...

تُرى، هل ستتعرّف إليها مرآتها التي ما اعتادت يوماً أن ترى منها سوى عينين لوزيّتين زرقاوين تتفلّتان من هذا النقّاب المشلوح أمامها؟!

شهقت كالأطفال غبطةً. ثمّ خطت بروح المشوق، وبجسد ينبض زافراً كلّ الخوف الذي يسكنه، محتفياً بأنفاسه الجديدة، لتعثر على صورتها الحقيقية في مرآتها؛ هذه العجوز التي عاصرت جدّتها، وبقيت بعد رحيلها صامدةً متمسّكة بعناد بباب خزانة أرهقتها السنون.

ثبّتت سارة قدميها بالأرض، ثم خطَت متشبثةً بالجرأة... وبخطوتين اثنتين، وقفت أمام نفسها بعينين تتسعان دهشةً وذهولاً، وبشفتين مكتنزتين تتمتمان بلا توقّف: «هذه أنا! هذه أنا! أجل، هذه أنا...».

وإذا بصورة أستاذ اللّغة العربيّة، الذي أغرم بعينيها، تففز من ذاكرتها وترتسم أمامها!

كان شاباً وسيماً تتسابق فتيات المدرسة للفوز بإعجابه، بينما هو كان غارقاً في ازرقاق عينيها، ويتخبّط في نظراتهما.

كان يختلق الأعذاز ليبقيها في الصّف الأمامي، على مقربة منه كي يبقى ملتصقاً بعينيها المسكونتين آنًا ببريق الأسى، وآونةً بنظراتٍ مفترسة ترغب في التهام العالم المحجوب عن جسدها.

كتب لها يوماً رسالةً دسّها في دفتر التعبير:

عيناك بحر ظالم، يجذبني بأسراره ويغرقني بأعماقه...

إنّهما نجمتان متلألئتان زادهما هذا الحصار بريقاً

وتوهّجًا، فأعميا بصري عن رؤية سواهما...

ماذا لو ارتديت يوماً ثوباً أزرق بلونِ هاتيْن

الرّائعتين؟... ستبدين حينها كمخلوقٍ سماويٍّ

منسوج من السّراب، يستحيلُ على رجلٍ أن يدركه.

في كل الحالات، يا صاحبة العينينِ المعذّبتين، أنت،

بلا شك، وجدت للقضاء عليّ، ولربّما على كلّ

الرجال...

ولا تدري كيف، بعد أن رأت وجهها بملامحه المثيرة، وبعد أن لامست جسدها ببشرته الرّخاميّة، عادت بها الذّاكرة إلى تلك الحادثة!

كان آخر يوم دراسيٍّ في السّنة، حين ترك، ذلك الأستاذ، مفاتيحه عمداً فوق طاولتها، وخرج من الصّف.

خبأت يومها تلك المفاتيح كي لا تأخذها إحدى رفيقاتها وتجعل منها حجّة لتنفرد بالأستاذ.

لم تكن سارة تغار عليه منهنّ. ولم تكن تكُنُّ لذلك الفاتن أي إحساس خاصٍّ. إنّما كان يعجبها تتيّمه بها. لذا، لم تصحب رفيقاتها إلى الملعب، مدّعية أنها ستصلح منديلها، في حين كانت تنوي أن تذهب بالمفاتيح إليه، لتغنم بوحدة معه، وتشبع غرورها الأنثويّ من نظراته الهائمة بها. إلا أنّه باغتها، فور خروج الجميع، بدخوله الصّفّ ومحاصرتها بمشاعره الجائعة.

ارتبكت... خافت... وراح الرّعب يدبّ في أوصالها مع كل خطوة يخطوها باتّجاهها. رمت المفاتيح على الطاولة وهي تقول بصوت مرتعش:

- هذه مفاتيحك أستاذ... لقد نسيتها... خذها...

لم يكن يسمع حرفاً ممّا قالته، بعد أن سخّرت تلك اللحظات مسامعه لنداء شغفه المجنون بها. فقال لها دون مقدّمات:

- اكشفي عن وجهك.

سكنها هلعٌ رهيبٌ لم تستشعره يوماً! فراحت تحكم اللّثام حول فمها وهي تتراجع إلى الخلف وتردّد باضطراب:

- لا أستاذ، لا أستطيع... ولا تقترب منّي أرجوك، أرجوك أستاذ...

توقّف وهو يقول ليسكّن خوفها:

- لا تجزعي. سأبتعد شرط أن تكشفي لي عن وجهك.

- مستحيل!... لن أفعل.

لقد أمطرني بذلك الكلام العذب ولم يرَ مني سوى عينيّ... ماذا سيقول لو رآني كما أرى نفسي الآن في مرآتي؟

وإذ بباب الغرفة ينفتح بسرعة... ودخلت عمّتها وهالها ما رأت! اوصدت العمّة باب الغرفة بسرعة وأقفلته بالمفتاح، ثم اتجهت إلى سارة والصدمة تكسو وجهها:

- أنت حقاً جننتِ!

عادت سارة بهدوء إلى مرآتها غير مكترثة بما أصاب عمّتها من ذهول ساخط، وهي تقول بلا مبالاة:

- اطمئني عمتي، أنا عاقلة ولم أجن.

ثم راحت تتمايل بغنج ودلال وهي تسأل عمّتها بكل ثقة:

- ألا يليق بي هذا الثوب الخمري عمّتي؟

- يا خجلي... من اين أتيتِ به؟! ومن أين لك هذه العلبة وأشياؤها؟

هذه العلبة كانت قبل الآن سرّي الدفين. لكن منذ هذه اللحظة لم يعد من داعٍ لإخفائها عن أحد. فلن يكون بعد اليوم من أسرارٍ في حياتي. سأجاهر بكل ما يدور في خاطري، وسأعلن دون خوف أو وجل عمّا أتوق إليه. أنا أحرّض نفسي على ذلك، أحرّض نفسي كل لحظة على ذلك. تنهدت العمة عميقاً وكأنها تحاول ان تستوعب هذا الموقف، وقالت لها بهدوء مصطنع:

- لم تجيبي حبيبتي عن سؤالي، من أين لك هذه العلبة وما فيها؟! من أين لك هذا الثوب، سارة؟!

همدت سارة كمن أصيب بهزيمة، وغار صوتها في شجن دفين وهي تجيب:

- هذا الثوب لأمي، وكل هذه الأشياء التي ترينها عاشت معها ولامست جسدها...

صمتت وقد خنقتها العبارات، ثم تابعت تقول وهي تتلعثم بأحزانها:

- صوتها لا يزال يتردّد في مسامعي وهي تقول لي، بعد أن تتبرّج وترتدي هذه الثياب الرقيقة: «صغيرتي، لا تخبري أحداً بما أفعله. هذا سرّنا نحن الإثنين».