صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3605

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

الخليج وثقافة الريع

  • 23-10-2017

يذهب الكاتب الكويتي عبداللطيف الدعيج في سلسلة مقالات بعنوان: حلول بني نفط، نشرتها "القبس" الكويتية، مؤخراً، إلى أن ترشيد الإنفاق أو مكافحة الفساد لم يعودا ممكنين ولا قابلين للتنفيذ، في مجتمع نشأت أجياله على الرفاهية، وعلى الإسراف، وعلى توافر الخدمات الضرورية بشكل يكاد يكون مجاناً، كما أن معالجة الفساد مستحيلة حين تكون الجذور، أي الناس، هي الفاسدة، والشفاء صعب حين يكون الطبيب هو المعلول.

ويضرب مثلاً برفع سعر البنزين، فعندما حاولت الحكومة رفع سعر البنزين انقلبت الدنيا، رغم أن كل المطلوب من المواطن الذي صفق للترشيد هو أن يرشد استهلاكه، أي يقلل من اللف والدوران بسيارته، وكذلك الحال مع مكافحة الفساد، فالأموال التي تهدر بلا حساب، هي ما يصرف على المواطنين، بشكل قانوني، أو تلك التي يتم التحصل عليها باللف والدوران، والمواطن هو المسؤول عنه بشكل أساسي.

يتساءل الدعيج: كيف يمكن أن يكون هناك ترشيد أو تنمية من دون أن يضحي المواطن؟! ويجيب: أنه بسبب تجذر المؤثرات الريعية النفطية التي سيطرت على جيلين أو ثلاثة (2015-1950) والموروث الاجتماعي، والعقلية الريعية، فإن أي بحث لتنويع مصادر الدخل، يتجه إلى البحث عنها، خارج نطاق المواطن أو طاقاته، أي البحث عن نفط جديد، يوفر الثروة والدخل وفرص استمرار رفاهية المجتمع الريعي من دون أن يشقى المواطن أو أن يجدّ ويجتهد، كما كانت حال آبائه وأجداده، حيث كانوا يعتمدون على البحر والتجارة والزراعة والرعي.

ما يصدق على المواطن الكويتي يصدق على المواطنين في الخليج، ولا شك أن المواطنين مسؤلون عن ترشيد الإنفاق، وضبط الاستهلاك، وتقليل أوجه الصرف، ولهم دورهم المهم في مكافحة الفساد، فالمولى تعالى لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، لكن تحميلهم المسؤولية، وحدهم، حكم قاس.

إنها ثقافة مجتمع بأفراده ونخبه وقياداته ونظامه الاقتصادي المعتمد على مصدر أحادي للدخل، هو الطاقة الأحفورية، وإذا كان لكل نظام اقتصادي قيمه الثقافية والاجتماعية المصاحبة فإن الطاقة الأحفورية التي شكلت (ريعاً) لا يتطلب جهداً إنتاجياً أو عمليات تصنيعية تحويلية، للدول الخليجية، على امتداد 8 عقود، أفرزت سلوكيات سلبية، وأنتجت نمطاً ثقافياً سمي بـ"ثقافة الريع" من أبرز سماتها: انتشار ظواهر التفاخر والتباهي بالماديات، والولع باقتناء أثمن الأشياء والماركات، والتلذذ بالاستعراض المظهري، إضافة إلى التبذير الترفي، والإنفاق البذخي، وافتقاد الرشد في ضبط السلوك الاستهلاكي، وهي ظواهر منتشرة في أوساط شبابية مختلفة من الجنسين، وبخاصة لدى الجنس اللطيف، وفِي قطاعات مجتمعية: غنية ومحدودة الدخل، تستدين لتنفق فوق طاقتها، مغبة المعايرة الاجتماعية! انظر كم المبالغ التي تصرف على حفلات الزواج في مجتمعاتنا! لطالما ندد خطباء المساجد بغلاء المهور وارتفاع تكاليف الزواج الخليجي، كونهما معوقين لزواج الشباب، ومسببين لظاهرة العنوسة، وظنوا أن الإكثار من الخطب والمواعظ الناهية عن الإسراف والتبذير، كفيلة بترشيد السلوكيات، وتغيير العادات الاستهلاكية، وغاب عنهم، أن الناس لا يتربون بالمواعظ، ولا يغيرون سلوكياتهم، في مجتمع محكوم بثقافة الريع الناتجة عن النظام الاقتصادي المهيمن، وهم في الحقيقة أسرى هذا النظام، وضحاياه، يشكل نمط الاقتصاد لأي مجتمع، مفتاحاً لفهم ظواهره الثقافية والسلوكية، غير نمط التوزيع الريعي يتغير الناس، لن يتغيروا بكثرة المواعظ، ولا ببلاغة الخطب، ولا بتكثيف حملات الترشيد الإعلامي.

لقد أصبحت ظواهر المباهاة والتفاخر (خصوصية خليجية) كما يقول الكاتب السعودي عبدالعزيز السويد، وقد تجاوزت الخليج إلى عواصم أوروبية، في مواسم السفر، لتشكل مشاهد استفزازية، تشوه صورة الخليجيين، وتعرض أصحابها لاعتداءات.

أخيراً: الخليجيون أكثر من نقدوا ظواهر سياسات الريع، لأنها تنتج أسلوب حياة اتكاليا على المكرمات، وطريقة تفكير آنية، وأداء حكوميا بيروقراطيا، وبيئة غير منتجة، وفساد إداري، وإصدارات (منتدى التنمية الخليجي) على مدى 37 عاماً، تشخيص دقيق لها، وكون "ثقافة الريع" خاصية خليجية، لا يعني أن المجتمعات العربية مبرأة منها، فالاقتصاد العربي، في معظمه، ريعي، وهناك تجليات من هذه الثقافة الريعية، رصدها الباحثون في هذه المجتمعات، وبخاصة مصر.

* كاتب قطري