صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3603

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

سويسرا... الطبيعة الشابة في القارة العجوز

فليمز ولاكس وفاليرا ولوسيرن... قرى تنبض بالرومانسية
أنهار وشلالات تتراكض مياهها لتغسل أقدام الجبال وتكسوها خضرة

إذا كان في الأرض رمز يقرب إليك مفهوم ما في الجنة من جمال، فهي أكثر الرموز دلالة، وإذا كانت هناك بقاع تجعلك تقف أمامها مشدوهاً دون أن تنبس بكلمة، فهي أبرز تلك البقاع التي تجبرك على الإقرار بأن «الصمت في حرم الجمال جمال»، إذا كانت هناك تجربة أشبه بالخيال... فهي السفر إلى هناك، إلى جارة الألب ونبض الرومانسية ومهد الجمال... إلى سويسرا، التي تتألق جمالاً وتزدان بريقاً في أحضان القارة العجوز، أوروبا العريقة. ما إن يداعب نسيمها جبينك، حتى تدرك أن ما يقال عنها أقل مما هي عليه، حيث يشدك ما فيها من سحر الطبيعة وروعتها وجمالها الخلاب، الذي ترسم قسماته أنهاراً وشلالات تصب في بحيرات تتراكض مياهها لتغسل أقدام الجبال وتكسوها خضرة، إلى جانب ما حولها من أشجار تلبس تيجاناً من الثلج... فضلاً عما تتميز به تلك البلاد من روعة الطرق وشدة النظافة والنظام وجودة الخدمات... بين هذا المنظر وذاك، يتوزع إعجابك بذلك البلد الصغير الساحر، لاسيما إذا كنت تزوره لأول مرة.

في رحلة إلى بلد كهذا، طالعنا الجمال وتأملنا تفاصيله، عبر زيارتنا أبرز الأماكن السياحية التي تزخر بها سويسرا الشابة الفتية، متألقة بين بلدان القارة الأوروبية.

على مساحة تقارب 7 في المئة من سويسرا، تقف جبال الألب شامخة شاهقة، لتكمل رسم اللوحة البديعة ، لذا لم يكن عجيبا أن يستقر بتلك المنطقة أناس من بقاع شتى، فترى من مواطنيها من يتحدث الألمانية في زيورخ وبازل، والإيطالية في لوغانو، وكذلك الفرنسية في مناطق أخرى بها، وكان طبيعياً كذلك أن يعطي التنوع البشري وثراء الطبيعة هذه الدولة مميزات سياحية نادرة.

في القرن التاسع عشر بدأت سويسرا تستقطب السياح من كل أنحاء العالم، ولاسيما من أوروبا، غير أنها كانت قبل ذلك بنحو قرنين مهوى أفئدة الكتاب والفنانين الذين كانوا يقصدونها للسياحة والإقامة.

من زيورخ، مدينة الرومانسية، ذات الموقع الفريد، بدأت رحلتنا، وهي على مقربة من جبال الألب، حيث طالعتنا تلك التلال والغابات الرائعة والأنهار الصافية والقرى الرائعة، ولذا فإنها تعتبر نقطة جذب كبيرة للسياح، والباحثين عن الراحة والمتعة والاستجمام.

ومن زيورخ واصلنا رحلتنا إلى عدد من القرى المحيطة بها، حيث يستهويك هناك كل ما تتوق إليه من طبيعة وهدوء واستقرار ومتعة وترفيه، ليس هذا فحسب، فإلى جانب ما تراه من سحر الطبيعة، فإنك لا تملك إلا الإعجاب بما يقدمه أهل هذه البلاد من خدمات فائقة ومرور منظم ونظافة غير عادية، وخاصة في جامعاتها الفندقية العريقة.

تسلق المرتفعات

ولأننا من محبي رياضة التزلج والمشي في الجبال وتسلق المرتفعات، كان من الضروري أن نقصد قرى “فليمز”، و”لاكس»، و”فاليرا»، إذ تشكل هذا القرى بالإضافة إلى عدة أماكن غيرها، مناطق مثالية لهواة وممارسي هذه الرياضة بما تتضمنه من المنحدرات ذات الثلوج الكثيفة (في فصل الشتاء) ، وهي بذلك واحدة من أضخم مناطق الرياضات الشتوية في سويسرا.

أما في فصل الصيف، فتصبح هذه القرى ملعباً كبيراً في الهواء الطلق، ملائماً للزوار المفعمين بالحيوية لممارسة رياضة المشي أو ركوب الدراجات الهوائية، والرحلات النهرية، وركوب الزوارق، والاستمتاع بمشاهد طبيعية من صنع الخالق.

أكاديمية محترفة

وتعد هذه القرى مكانا ملائما للراغبين في اصطحاب أطفالهم، إذ يمكنهم تسجيلهم في أكاديمية محترفة خاصة بألعاب اللياقة البدنية، والتدريب على رياضة التزلج، تحت إشراف مدربين محترفين، ويمكن أن يمكث هؤلاء الاطفال في تلك الأكاديمية نحو أسبوع يكسبون خلاله مهارات رياضية عديدة، إلى جانب التعرف على ثقاقات الشعوب الأخرى التي يأتي مواطنوها لممارسة هوايات مفضلة ورياضات متنوعة داخل القرى السويسرية.

والحديث عن هذه القرى لا يقتصر على راغبي التزلج والتسلق، بل يطول كثيرا لما تتضمنه من منتجعات سياحية في منطقة سيرسلفا الثقافية والمتعددة اللغات في مقاطعة غراوبوندن، وهي تستقر فوق هضبة ترتفع فوق مضيق الراين، إذ توفر “فليمز” شبكة واسعة من مسارات المشي لمسافات طويلة.

أما فاليرا، فقد حافظت على السحر الذي تتمتع به بلدة جبلية في غراوبوندن من خلال المنازل الارستقراطية العديدة التي مازالت موجودة فيها، إضافة إلى أن الموقع الهادئ والمشمس يساعد في أن يجعلها البلدة الملائمة للعطلات العائلية المريحة والتي تبعث على الاسترخاء والراحة. أما «لاكس» فهي تحديداً تجذب راكبي الألواح الثلجية من كل أصقاع العالم إلى أماكن التزلج المميزة الموجودة فيها، ولا يمكن زيارتها من دون تخصيص يوم مشمس لرؤية بحيرة كريستا الطبيعية التي تجذب السياح لرياضة المشي والاستمتاع برحلات الباربيكيو الخاصة، وهناك يلتقي ظل الاشجار والغابات الشامخة على سطح البحيرة الهادئ ليعكس لوحات جمالية طبيعية كثيرا ما حلم الرسامون برسمها هناك.

وكثيرا ما ارتبط اسم سويسرا بعلامات تجارية عريقة في عالم الشوكولاته والأجبان، فإذا قررت زيارة القرى الجبلية، فلا تفوت فرصة تذوق أكبر تشكيلة أجبان على الاطلاق من صنع أهالي الارياف السويسرية الذين يعتاشون على بيع حليب الابقار وصناعة الاجبان.

لوسيرن

كان من المفيد لنا بعد قضاء فترة استرخاء واستجمام في ربوع القرى السويسرية المذكورة، الانتقال إلى مدينة لوسيرن عبر القطار، تلك المدينة التي تحتوي على العديد من الأماكن التي يقصدها السياح، وأولها بحيرتها الشهيرة.

وتأخذك هذه المدينة إلى وسط الطبيعة الجبلية الخلابة، والتي تقبع بيوتهاعلى محيط بحيرة كبيرةيصل تدفقها للخارج إلى نهر الرويس، حيث تسحرك مناظرها الجميلة، والجبال المحيطة بها كجبال بيلاتوس وريكي وستانسر هورن، ويحيط ببحيرتها مجموعة من البيوت التاريخيّة التي تصطفّ وكأنّها لوحة فنية ملونة.

ولا يقل روعة وجمالا عما رأيناها نهر «الرويس»، و”جسر الكنيسة» الذي يعود بناؤه إلى القرن الرابع عشر، وهو أقدم جسر خشبي مغطّى في أوروبا، ويحوي في داخله عددا من الرسوم واللوحات الجميلة، أما المدينة القديمة فهي جانب آخر من الجوانب المشرقة والسياحية المهمة في لوسيرن، كما انها جهة مثالية للسياح الذين يرغبون في الاستمتاع بقضاء عطلة لا تنسى.

تمثال الأسد المحتضر دفاعاً عن المبدأ

خلال زيارتنا مدينة لوسيرن، انتقلنا لزيارة نصب الأسد الجريح، الذي يصوره وهو يحتضر، بعد سهم اخترق جسده، وهو من التصاميم المنحوتة الشهيرة جداً، وقد قيل عنه إنه "أكثر قطعة أثرية محزنة في العالم".

ويعد هذا التمثال المنحوت في قلب جبل الجليد والذي يطل على البحيرة في لوسيرن، قطعة أثرية تخلد ذكرى الجنود السويسريين الذين جاهدوا بشرف وقتلوا دفاعاً عن العائلة المالكة الفرنسية سنة 1792 ميلادية ، فتم نحته من عام 1801م حتى عام 1802 رمزاً لهؤلاء الجنود.