صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3598

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

ما قــل ودل: مبدأ الفصل بين السلطات والأخطاء القضائية (1)

  • 15-10-2017

لا شك أن من أوذي واهتيج ظلما وطغيانا وكان ينتظر أن يتجدد إيقاع هذا الأذى الفظيع به، لا شك أنه إذا اتجهت نفسه إلى قتل معذبه، فإنها تتجه إلى هذا الجرم موتورة مما كان، منزعجة واجمة مما سيكون.

تهنئة لشعب مصر بالمونديال

في غمار السعادة التي عمت أرجاء المعمورة مصر، والغبطة والفرحة بتأهل الفريق القومي لمصر لمونديال كأس العالم في روسيا عام 2018، لم أجد ما أهنئ به شعب مصر سوى قول الفرزدق معدلا على مقتضى الحال، تشدو به مصر من أقصاها إلى أقصاها قائلة:

أولئك أبنائي فجئني بمثلهم

إذا جمعتنا للفخار المجامع

ويبقى القضاء

ويبقى القضاء الحصن الحصين للحقوق والملاذ الأمين للحريات في قضية البداري، والبداري هي مركز من مراكز محافظة أسيوط وهي إحدى محافظات صعيد مصر، قتل فيه أحد الأشقياء مأمور المركز في عام 1932، بعد أن تربص له بين أعواد الذرة لبضعة أيام إلى أن رآه فأطلق عليه النار من بندقيته فأرداه قتيلا.

فأصدرت محكمة الجنايات حكمها ويقضي بإعدام المتهم شنقا، لما ثبت لها ودونته في أسباب حكمها من ارتكابه جريمته، مع سبق الإصرار والترصد، وقالت المحكمة في مدونات حكمها إن المأمور كان يقوم بواجبه في مطاردة هذا الشقي الذي عاث في الأرض فسادا، فأقدم هذا الآثم على قتله مما يدعو المحكمة إلى أخذه بالشدة بدون رحمة ولا شفقة وأن القصاص هو الجزاء الأرقى.

وإن ارتكاب الجريمة كان نتيجة ضغينة يحملها للمأمور الذي أنذره مشبوها ووضعه تحت مراقبة البوليس، وكان يأمره بالمبيت في المركز لإحكام المراقبة، وإن المتهم قد اعترف بذلك، وأنه تربص بالمأمور بين أعواد الذرة عدة أيام لقتله قبل ارتكابه جريمته.

خطأ قضائي لا حيلة فيه

ولم تجد محكمة النقض خطأ قانونيا في الحكم عندما مارست رقابتها القانونية عليه، ولكنها وجدت خطأ قضائيا في حكم محكمة الجنايات المطعون فيه أمامها، ذلك أن المحكمة في هذا الحكم- كما دونت ذلك في أسبابه- قد أخذت المتهم بالشدة بدون رحمة ولا شفقة.

فقد كان الخطأ القضائي الذي نبهت إليه محكمة النقض، هو ما أثبته حكم محكمة الجنايات في مدوناته لإثبات الضغينة التي كان يحملها المتهم للمأمور من أنه في أثناء وضع المتهم تحت مراقبة الشرطة التي أمر بها المأمور، ومبيته في المركز، فقد كان المأمور يسيء معاملته... يربطه من رجليه في محل الخيل ويضربه ويهينه ثم يحلق له شاربه ويربطه بلجام كأنه جحش ثم يصيح: شوف الجحش بيبرطع إزاي...؟"، ولم يكتف بهذا... بل كان يدخل العصا في...".

ولئن كان ما لاقاه المتهم من تعذيب وأهوال لا يبرر جريمة القتل، إلا أن محكمة النقض رأت أنه لم يكن مبررا في رأيها أخذ المتهم بالشدة وبدون رحمة أو شفقة، كما جاء في أسباب الحكم.

وأضافت محكمة النقض "أنه لو كان الأمر بيدها وكانت هي التي تقدر العقوبة لما وسعها أن تعاقب المتهم بمثل هذه الشدة، بل لعاقبته بالرأفة والتخفيف، فلا شك أن من أوذي واهتيج ظلما وطغيانا وكان ينتظر أن يتجدد إيقاع هذا الأذى الفظيع به... لا شك أنه إذا اتجهت نفسه إلى قتل معذبه، فإنها تتجه إلى هذا الجرم موتورة مما كان، منزعجة واجمة مما سيكون... والنفس الموتورة المنزعجة هي نفس هائجة أبدا لا يدع انزعاجها سبيلا لها إلى التبصر والسكون حتى يحكم العقل هادئا متزنا مترويا فيما تتجه إليه الإرادة من الأغراض الأجرامية التي تتخيلها قاطعة لشقائها".

ورفضت المحكمة نقض الحكم

بالرغم من هذا الخطأ القضائي في الحكم المطعون فيه قالت المحكمة "إنها ترفضه على مضض، لأنها لا تستطيع من الوجهة القانونية إلا احترام هذا الحكم، ولكنها من وجهة العدل والإنصاف تجد من الواجب عليها إراحة لضمائر أعضائها أن تلفت نظر أولي الأمر وجوب تلافي هذا الخطأ القضائي الذي لا حيلة قانونية لها فيه".

إنها رسالة قوية وجهتها محكمة النقض إلى أولي الأمر لإصلاح هذا الخطأ القضائي دون أن يجرها إلى خطأ تقع فيه المحكمة ذاتها، لأنها لا تستطيع أن تجاوز الرقابة القانونية للحكم إلى التدخل في استخلاص محكمة الموضوع للوقائع أو لتقدير العقوبة.

دلالات هذا الحكم

ولا أذكر في تاريخ القضاء المصري أن حكما قضائيا صدر بهذه القوة وبهذه البلاغة في اختيار كلماته الرائعة وبهذه الكياسة في الرسالة القوية التي وجهها إلى الحكومة، وأدت إلى صدور أمر ملكي بإلغاء عقوبة الإعدام التي قضى بها الحكم، واستبداله بها عقوبة الحبس المؤبد، وقد صدر الحكم في أولى سنوات قضائها في عام 1932، حيث كان يترأسها شيخ قضاة مصر وقتئذ المستشار عبدالعزيز "باشا" فهمي.

وقد ذاعت شهرة هذا الحكم بسبب هذه البلاغة في العبارات والكلمات التي صيغت بها أسبابه، حتى كان كل أساتذة القانون يدرسون هذا الحكم لطلبتهم في كل كليات الحقوق في وطننا العربي.

وأعود إلى قول الفرزدق الذي بدأنا به المقال في تهنئة شعب مصر في المونديال، فقوله يصدق كذلك على المستشار الراحل عبد العزيز باشا فهمي.

وللحديث بقية إن كان في العمر بقية.