صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3902

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

هل تستطيع كوريا الجنوبية إنقاذ الليبرالية الاقتصادية؟

  • 30-09-2017

في تقرير أصدره خلال يناير الماضي، حذر صندوق النقد الدولي من أن كوريا الجنوبية ستواجه أزمة ديموغرافية تضاهي ما تواجهه اليابان في الوقت الراهن، وتهدد النمو الاقتصادي في المستقبل.

بدأ الرئيس الكوري الجنوبي الجديد مون جاي إن يرسم مساراً في السياسة الاقتصادية يتناقض مع معظم الدول المتقدمة في العالم، واذا نجحت جهوده فإنها سوف تغير طريقة معالجة الحكومات لمعظم المشاكل التي نواجهها في عالم اليوم.

وتشير الأنباء الى أن الرئيس الكوري الجنوبي شرع في برنامج اقتصادي ليبرالي تماماً يعتمد بشدة على العزوف عن فرض الضرائب والانفاق كما يهدف الى تحسين دخل العائلات في بلاده ورعاية العمال والاهتمام بالشركات الصغيرة، وكما أوضحت وزارة الاستراتيجية والمالية في بيان صدر في شهر يوليو الماضي فإن الرئيس مون جاي إن ينوي زيادة الأجور وبناء مزيد من المساكن العامة اضافة الى زيادة تأمين البطالة وغير ذلك من الفوائد التي تسهم في توسيع شبكة الأمان الاجتماعي في البلاد.

وسوف يتم تحسين الانفاق على التعليم وبرامج التدريب على العمل، ومن أجل تحقيق كل هذه الأهداف يخطط الرئيس لزيادة الضرائب على الأثرياء، وقد حقق بشكل فعلي الكثير في جهوده منذ فوزه في انتخابات الرئاسة قبل حوالي أربعة أشهر. وقد طرح بسرعة حزمة حوافز مالية من أجل زيادة عدد عمال القطاع العام وتوسيع نظام الضمان الاجتماعي وتمويل الشركات الناشئة وتقديم مساعدات مالية الى مشاريع التوظيف والبرامج الصغيرة الحجم.

وقد اقترح أيضاً ميزانية قياسية للعام المقبل وأعلنت ادارته في شهر يوليو الماضي ارتفاعاً بنسبة 16 في المئة في الحد الأدنى من الأجور وهي أعلى قفزة منذ سنة 2001.

وتمضي هذه الأجندة في مسار معاكس للفكرة الاقتصادية الراهنة كما أن رجال السياسة في شتى أنحاء العالم المتقدم يجادلون في أن الطريقة الوحيدة من أجل تحسين النمو الاقتصادي وخلق وظائف تكمن في ابعاد الدولة عن ميادين الاقتصاد، وخفض الضرائب والانفاق والاجراءات التنظيمية. وحتى في فرنسا – على سبيل المثال – اقترح الرئيس ايمانويل ماكرون عملية تخفيف لقوانين العمل في جهد اصلاحي واضح كما أن التجارب التقدمية في أماكن مثل سياتل كانت تلك العمليات بصورة عامة محدودة ومحلية.

ولهذا السبب على وجه التحديد يتعين متابعة تجربة الرئيس الكوري الجنوبي لأن نتائجها يمكن أن تساعد على تحديد الجانب الصحيح في هذا الجهد، وتجدر الاشارة الى أن كوريا الجنوبية تواجه العديد من المتاعب التي ابتليت بها الدول الغنية الاخرى، وفجوة الدخل، وفيما هي ليست حادة كما هو الحال في الولايات المتحدة، قد اتسعت بشدة منذ سنة مطلع حقبة التسعينيات من القرن الماضي، واتسمت زيادة الأجور بالضعف وتراجعت مكاسب الانتاجية في ذلك البلد. وثمة جانب آخر يتمثل في التقدم السريع في أعمار سكان كوريا الجنوبية وقد حذر صندوق النقد الدولي في تقرير أصدره في شهر يناير الماضي من أن كوريا الجنوبية تواجه أزمة ديموغرافية تضاهي ما تواجهه اليابان في الوقت الراهن وتهدد النمو الاقتصادي في المستقبل.

قوة الاقتصاد الكوري

وفي الوقت ذاته يفاخر اقتصاد كوريا الجنوبية بجوانب قوة قد تجعل مهمة الرئيس أكثر سهولة، وتتسم تمويلات الحكومة بوضعها الجيد الذي يمكن مون جاي إن من تحمل مزيد من الانفاق وذلك بخلاف العديد من نظرائه الغربيين، ويضاف الى ذلك أن الديون الاجمالية في كوريا الجنوبية لم تصل حتى الى 39 في المئة من الانتاج الوطني مقارنة مع 107 في المئة في الولايات المتحدة وتحتل كوريا المركز القريب من القاع في الانفاق الاجتماعي العام بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وهكذا فإن تقوية شبكة الأمان فيها يمكن أن يحرر العمال من الحاجة الى العناية بالآباء المسنين وبالتالي فهي توسع قوة العمل أيضاً.

من جهة أخرى، يوجد تقبل في أوساط الكوريين الجنوبيين لبرنامج الرئيس الجديد وهم أكثر حساسية من الأميركيين ازاء فكرة تعرض رفاقهم للاهمال كما أن معدلات البطالة العالية لا تزال تعتبر غير مقبولة.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل ستنجح سياسته الجديدة؟ الكثير من جوانب تلك السياسة تبدو معقولة وهو يأمل أن يوسع جهود رعاية الأطفال وزيادة فرص العمل للشباب العاطلين عن العمل، وفي الوقت نفسه يعتبر مون جاي إن شخصية راديكالية مناوئة للرأسمالية وهو يجهد لتحقيق توازن بين دعم العمال والشركات، كما أنه يفضل اتفاقات التجارة الحرة، وعرف عنه دعمه لاتفاق بلاده مع الولايات المتحدة الذي تعرض لحملة قاسية من جانب الرئيس دونالد ترامب.

وأخيراً، تعهد الرئيس الكوري الجنوبي بإغلاق الشركات الزائفة التي تمكنت من البقاء بسبب مساعدات الدولة والبنوك، وفرض منافسة أكثر حرية عن طريق قمع الممارسات التجارية غير العادلة، وهي كلها عوامل جيدة من أجل زيادة الانتاجية في البلاد.