صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3603

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

هنغاريا تبتعد عن الكرملين

  • 14-09-2017

تعتبر روسيا أن لتعزيز العلاقات مع هنغاريا أهدافاً مالية واستراتيجية، وتريد أن تبقي الطريق إلى الأسواق الأوروبية مفتوحة لتُظهر للروس أن بلدهم ليس معزولاً رغم العقوبات الأخيرة التي فرضتها الولايات المتحدة، لكن الاعتماد المفرط على روسيا خطر بالنسبة إلى هنغاريا، وقد يؤدي إلى تهديد روابط بودابست مع واشنطن.

مع تنامي التوتر بين الولايات المتحدة وروسيا يكتسب مفهوم تشكيل ائتلاف "إنترماريوم" بين دول أوروبا الشرقية بغية التصدي للتوسع الروسي غرباً زخماً إضافياً، لطالما كانت رومانيا وبولندا، اللتان تملكان روابط عسكرية قوية مع الولايات المتحدة التي تُعتبر من أهم داعمي "الإنترماريوم"، عماد هذا الائتلاف الناشئ، في حين شكّلت هنغاريا أحد أبرز المتمنعين.

تُعتبر هنغاريا أحياناً دولة مارقة في أوروبا بسبب روابطها القوية مع روسيا، فضلاً عن معارضتها بروكسل، لكن الاستقبال البارد نسبياً الذي حظي به الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال زيارته الأخيرة إلى بودابست يشير إلى أن هنغاريا بدأت تبتعد عن تعزيز روابطها مع الكرملين، فمن الجلي أن الحكومة الهنغارية قللت من أهمية هذه الزيارة، في حين قرر قائدَا البلدين عدم عقد مؤتمر صحافي، مع أن هذه الخطوة تشكّل عادةً جزءاً من روتين زيارات دبلوماسية مماثلة.

لا يود أحد في أوروبا العودة إلى سياسات الحرب الباردة، ولا تشكّل هنغاريا استثناء، يعتقد الأوروبيون أنهم يستطيعون التكيّف مع مصالح روسيا من دون الحاجة إلى إنشاء خط احتواء جديد، ولكن مع التطورات التي شهدناها في أوكرانيا وغيرها من دول أوروبا الشرقية، أدركت الولايات المتحدة ضرورة إقامة خط احتواء، وهذا هو الهدف الأول لائتلاف "الإنترماريوم".

صحيح أن هنغاريا قاومت هذا الائتلاف سابقاً، إلا أن أمن هذا البلد يعتمد على حلف شمال الأطلسي وبالتالي على الولايات المتحدة، لذلك اتخذت هنغاريا خطوات صغيرة إنما واضحة للاصطفاف مع واشنطن والانضمام إلى "الإنترماريوم".

أدت الانتخابات المقبلة دوراً أيضاً في مقاربة هنغاريا من روسيا، وتُعتبر هذه الأخيرة بديلاً للاتحاد الأوروبي، وفي بلد يضم أعداداً كبيرة ممن ينظرون بعين الريبة إلى الوحدة الأوروبية يعجز أوربان عن الظهور بمظهر مَن يتعامل بتشدد مع الكرملين، كذلك عليه أن يضمن حصول هنغاريا على الطاقة البخسة الثمن، التي تستطيع روسيا تأمينها، فيعود الفضل في إعادة انتخاب أوربان عام 2014 إلى قدرته على خفض كلفة الطاقة للهنغاريين، ومن الضروري أن يحرص على استمرار سياسته هذه في عام 2018.

استعملت روسيا إمداداتها من الطاقة كأداة سياسية قوية، ولا ترغب في قطع هذه الإمدادات، وتشمل السبل التي تتيح لها تفادي ذلك زيادة مقدار الغاز الروسي المحفوظ في منشآت التخزين الهنغارية، التي تنطلق منها عملية توزيع الغاز الروسي على الأمد القصير إلى المستهلكين الأوروبيين من دون اللجوء إلى خط الغاز الأوكراني، وبهذه الطريقة، تحول روسيا دون بحث المستهلكين عن مصادر وقود بديلة. في شهر يوليو ناقش كلا البلدين زيادة تخزين الغاز الروسي في المنشآت الهنغارية، وتشكّل هذه بالنسبة إلى هنغاريا خطوة تكتيكية، إذ تدرك بودابست مدى أهمية خطوط الإمداد عبر أوروبا الوسطى والشرقية بالنسبة إلى روسيا، ولا شك أنها ستستغل هذه المسألة للتفاوض بغية حصولها على غاز طبيعي بكلفة متدنية.

لكن الاعتماد على الطاقة الروسية يشكّل أيضاً نقطة ضعف بالنسبة إلى هنغاريا، لذلك تريد بودابست زيادة إمدادها من الطاقة النووية المنتجَة محلياً، ومن هنا جاءت خطتها لتحديث محطة "باكس" النووية، ولكن حتى هذه الخطة تعتمد على المساعدة الروسية، فستقدّم روسيا لهذا المشروع تمويلاً يصل إلى 10 مليارات يورو، أي ما يعادل 10% من كلفة المشروع الإجمالية، ومن المتوقع أن تسدد هنغاريا هذا القرض على مدى 21 سنة. أعطت المفوضية الأوروبية موافقتها على هذا المشروع، الذي يُفترض أن تنجز شركات محلية نحو 40% من أعمال بنائه، ونادت حكومة أوربان بأهمية هذا المشروع في ضمان أمن هنغاريا في مجال الطاقة وتأمين وظائف للهنغاريين.

أما روسيا فتعتبر أن لتعزيز العلاقات مع هنغاريا أهدافاً مالية واستراتيجية، وتريد أن تبقي الطريق إلى الأسواق الأوروبية مفتوحة لتُظهر للروس أن بلدهم ليس معزولاً رغم العقوبات الأخيرة التي فرضتها الولايات المتحدة، لكن الاعتماد المفرط على روسيا خطر بالنسبة إلى هنغاريا، وقد يؤدي إلى تهديد روابط بودابست مع واشنطن، التي تشكّل عنصراً أساسياً في استراتيجية البلد الأمنية، صحيح أن أوربان لن يقطع علاقاته مع الكرملين، ولكن يبدو أنه بدأ يتفلت من قبضته.

* أنتونيا كوليباسانو | Antonia Colibasanu