صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3478

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

الخطوة التالية...

  • 18-07-2017

لم تكن الكويت وأبناؤها العاملون في السلك الدبلوماسي بعيدين عما شهدته أثينا عامي 1983 و1984 من أحداث أفقدتها الأمن والاستقرار، وبناء عليه طلبت منا «الخارجية» إعادة عائلاتنا إلى البلاد، وتغيير لوحات السيارات وتغيير الطرق والشوارع التي نستخدمها، كما قامت بتزويدنا بسترات واقية من الرصاص وأسلحة شخصية، وسيارة مصفحة لاستخدام رئيس البعثة.

استكمالاً للمقال السابق، وبعد قضاء ما يقارب سبع سنوات في المملكة العربية السعودية قضيتها ما بين مدينتي جدة والرياض، صدر قرار كريم بنقلي للعمل في سفارة دولة الكويت لدى اليونان بدرجة مستشار، وكان يرأس البعثة الدبلوماسية سعادة الأخ العزيز محمد سالم البلهان، وبعد انتقاله للعمل في الديوان العام تولى مسؤولية رئاسة البعثة سعادة السفير صالح المحمد، رحمه الله.

ما بين عامي 1983 و1984 تحولت الأوضاع في مدينة أثينا، حتى غدت من المدن الخطيرة في العالم نتيجة لفقدان الأمن والاستقرار في تلك الفترة التي عُرِفت بـ"حرب المخابرات العربية" والتي راح ضحيتها عدد من الشباب الدبلوماسيين العرب، وتحولت أثينا إلى ساحة لتصفية الحسابات ما بين اغتيالات وتفجيرات، ولم تكن الكويت وأبناؤها العاملون في السلك الدبلوماسي بعيدين عن هذه الأحداث، وبناء عليه فقد طلبت منا وزارة الخارجية إعادة عائلاتنا إلى البلاد، وتغيير لوحات السيارات وتغيير الطرق والشوارع التي نستخدمها، كما قامت الوزارة بتزويدنا بسترات واقية من الرصاص وأسلحة شخصية من نوع المسدس "كولت"، وسيارة مصفحة لاستخدام رئيس البعثة، كما طلبت منا عدم الالتزام بمواعيد العمل، لاسيما أن مقر البعثة كان يقع في شقة في إحدى العمارات المزدحمة، وتشمل مواقف للسيارات في الأدوار السفلى، إضافة إلى محطة للتزود بالوقود.

في ظل تلك الأوضاع الأمنية البالغة غاية السوء تلقينا مكالمة من الوزارة تفيد بضرورة مغادرة سعادة السفير مدينة أثينا فوراً، وكانت الساعة قد تجاوزت الواحدة بعد منتصف الليل، وبناء على هذا الأمر قمت بالمرور على سعادة السفير صالح المحمد، رحمه الله، ثم توجهنا إلى مطار أثينا من خلال بعض الطرق الخلفية، وقد تصادف أن هناك رحلة للخطوط الجوية اليونانية متوجهة إلى لندن، وعليه فقد غادر سعادته على متنها، وعدت للسكن المؤقت في أحد الفنادق خارج مدينة أثينا التي كانت تعيش أوقاتاً في غاية السوء والخطورة، لاسيما عندما تنقل إلينا الأخبار حوادث الاغتيالات لزملاء وأصدقاء في العديد من الأماكن والمدن، ولكن رعاية الله كانت دائماً خير حافظ.

في صيف عام 1984 وأثناء عملي في اليونان، تلقيت كتاباً، من معالي الأستاذ راشد عبدالعزيز الراشد، وكان يتولى وقتئذ منصب وكيل وزارة الخارجية، بتكليفي بفتح قنصلية لدولة الكويت في مدينة "ليماسول" في جمهورية قبرص الصديقة تحت مسمى "مكتب دولة الكويت"، وذلك نظراً للزيادة المطردة في أعداد المصطافين الكويتيين الذين تحولوا من لبنان نظراً لما كان يعانيه ذلك البلد الشقيق من حرب أهلية، بعد وصولي إلى مدينة ليماسول قمت باستئجار سيارة مع سائق "نيكولاس" الذي كان يعمل في نفس الوقت مسؤولاً عن العلاقات العامة، كما قمت باستئجار شقة ليست بعيدة عن تواجد المواطنين، وقد حولت الصالة الكبيرة إلى ديوانية كانت ملتقى لعدد من رجالات الكويت ممن نفخر ونعتز بصحبتهم، وكانوا يبدأون بالتوافد من الصباح حتى موعد صلاة الظهر.

كان من ضمن رجالات الكويت الذين تشرفنا بوجودهم معنا في قبرص معالي الشيخ جابر العبدالله الجابر الصباح، حفظه الله، وكم كنت أسعد بمرافقته في زياراته الكريمة لبعض دواوين أهل الكويت، مثل ديوانية السريع والمهنا والمرشد والشايع وغيرهم من رجالات الكويت الكرام.

ولعل أسوأ حادث مر علينا في تلك الفترة كان حادث الاغتيال الأليم الذي تعرض له العم الفاضل محمد جاسم محمد المضف، رحمه الله، وأسبغ عليه واسع رحمته ورضوانه، وذلك عن عمر يناهز السبعين عاماً قضاها في خدمة هذا الوطن الغالي، فبتاريخ الخامس والعشرين من شهر سبتمبر عام 1984 تعرض العم الفاضل لإطلاق نار وهو يهم بدخول العمارة التي كان يقيم فيها بمدينة ليماسول، هز هذا الحادث الكويت وأهلها، وكان محل اهتمام ومتابعة من القيادة السياسية العليا في البلاد، وحرصها على نقل الجثمان بأسرع وقت ممكن، وبناء عليه فقد قمت بالاتصال بالجنرال "دود" قائد القوات الدولية التابعة للأمم المتحدة العاملة في قبرص في ذلك الوقت، والذي كنت قد تعرفت إليه في وقت سابق، فطلبت منه المساعدة في نقل الجثمان من مدينة ليماسول إلى مطار لارنكا عبر المنطقة العازلة التي تفصل الجانب التركي عن الجانب اليوناني، وقد تفضل بالموافقة، كما قام بتكليف سيارتين عسكريتين بمرافقتنا إلى مطار لارنكا، حيث كانت تنتظرنا طائرة تابعة للخطوط الجوية الكويتية أمر بإرسالها سمو الأمير الوالد الشيخ سعد العبدالله السالم الصباح، طيب الله ثراه، وأسكنه فسيح جناته. إنها محطة من محطات العمل الدبلوماسي، وإلى محطات أخرى قادمة، حفظ الله الكويت وقيادتها وأهلها من كل سوء ومكروه.