صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3451

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

شركة «إيكيا»... كيف غزت العالم وتركت بصمتها في أماكن غير متوقعة

  • 11-02-2017

احتاجت شركة «إيكيا» إلى ست سنوات تقريباً كي تكشف النقاب عن متجرها في كوريا الجنوبية، بدءاً من أول رحلة استكشافية وصولاً إلى موعد الافتتاح في ديسمبر 2014. زادت التعقيدات مع توسّع الشركة عالمياً وكان يجب أن تُنجَز المشاريع على أكمل وجه ليأخذها الجميع على محمل الجدّ. لكن رغم هذا التخطيط الدقيق كله، ارتكبت الشركة بعض الأخطاء، فقد أخطأت مثلاً في احتساب عدد مواقف السيارات اللازمة، واستاء بعض العملاء من تسمية مجرى الماء الواقع في شرق كوريا «بحر اليابان» بدل «البحر الشرقي» كما يسمّيه سكان كوريا الجنوبية. لكن يبدو أن الكوريين سامحوا السويديين على هذا الخطأ. فقد أصبح المتجر الجديد في منطقة «غوانغميونغ» أحد أنجح فروع الشركة خلال فترة قصيرة. تبرع شركة «إيكيا» في بيع منتجاتها، بعد تغليفها ونقلها وإعادة جمعها بأسلوب سويدي غريب، في جميع أنحاء العالم. تشمل مجموعة «إيكيا» اليوم 328 متجراً في 28 بلداً وتعمل على رفع ذلك العدد إلى 500 متجر بحلول عام 2020.

حضور لافت

تُعتبر الصين التي تشمل ثمانية من أكبر متاجر «إيكيا» أسرع سوق نامية وتسجّل الشركة حضوراً لافتاً في سنغافورة وماليزيا أيضاً. تمّ افتتاح فرع في المغرب في شهر مارس من السنة الماضية وتشير أحدث المعطيات إلى الاستعداد لفتح فرع في البرازيل قريباً. في الهند، تخطط الشركة لاستثمار مليارَي دولار خلال 15 أو 20 سنة تمهيداً لافتتاح 25 متجراً. لا شك في أنّ تحقيق النجاح في أسواق ناشئة مثل الصين والهند عامل أساسي لبلوغ هدف الشركة بتسجيل مبيعات بقيمة 50 مليار يورو بحلول عام 2020، علماً أن الأرباح بلغت 31.9 مليار يورو في عام 2015.

يرتكز نموذج «إيكيا» على الكمية، ما يعني إنتاج كميات كبيرة من المنتجات نفسها بشكل متكرر لتخفيض السعر الذي يطلبه الموردون وبالتالي تخفيض السعر الذي يدفعه المستهلكون. يعني تعدّد المتاجر أن تزيد الكميات وتتراجع الأسعار بدرجة إضافية.

بالنسبة إلى الشركة، لا يقتصر الهدف الأساسي على تطبيق نموذج مهني معيّن بل تنفّذ «مهمّة» محددة ترمي إلى مساعدة أعداد هائلة من أصحاب الميزانية المحدودة. تريد شركة «إيكيا» تحسين حياتهم اليومية! إنه الحافز الذي يحرّك العاملين فيها، لذا يشعرون بضرورة متابعة النمو.

يرتكز عمل شركة «إيكيا» في الأساس على الأبحاث المكثفة التي تستكشف مختلف الثقافات وتسعى إلى فهمها والتكيّف معها. بدل الانشغال بالاختلافات الثقافية، يصبّ التركيز على النقاط المشتركة. قامت الشركة ببحث شمل 8292 شخصاً في ثماني مدن وحللت عاداتهم الصباحية. بعد جمع هذا النوع من البيانات، ابتكرت الشركة مرآة لها مسند في الجهة الخلفية لتعليق الملابس والجواهر. تهدف هذه القطعة إلى مساعدة المستهلكين على جمع ملابسهم وأكسسواراتهم في الليلة السابقة كي يخفّفوا حالات الهلع الصباحية التي يمكن أن تصيبهم بسبب ضيق الوقت.

لكن قد يكذب الناس في الاستطلاعات أو لا يدركون نمط تصرفاتهم، لذا يمكن أن يتكلموا عن سلوكيات غير حقيقية أو ربما يريدون بكل بساطة أن يظهروا بصورة إيجابية. يعالج الباحثون في شركة «إيكيا» هذه المشكلة عبر مراقبة الناس مباشرةً. ركّبت الشركة حديثاً كاميرات في منازل الناس في ستوكهولم وميلانو ونيويورك ومدينة «شنتشن» الصينية لفهم طريقة استعمال هؤلاء لكنباتهم. اكتشف المراقبون أن الناس يقومون بجميع أنواع النشاطات إلا الجلوس ومشاهدة التلفزيون! في الصين مثلاً، يجلس معظم الناس على الأرض ويستعملون الكنبة كمسند لظهرهم! لا يهدف جمع هذه المعلومات الثقافية كلها إلى تعديل المنتجات كي تناسب كل سوق فردية، فقد أثبتت شركة «إيكيا» أنّ المنتج نفسه يمكن أن يتماشى مع مختلف البيئات. لكن في الوقت نفسه، تعكس كتيّبات الشركة الصادرة في 32 لغة أذواق المستهلكين المحليين وعاداتهم. يُخصَّص موظف لكل غرفة في المنزل ويتولى رصد أي عنصر يحتاج إلى التعديل، فيحرص مثلاً على عدم ظهور المنتجات الزجاجية المصنوعة في الصين ضمن كتيّب تايوان ويحذف السجادات الفارسية من الكتيّبات التي تُرسَل إلى الإسرائيليين!

لكن لم تنجح شركة «إيكيا» دوماً في فهم هذه الجوانب المحلية الحساسة ويعترف المسؤولون فيها بارتكاب الأخطاء في هذا المجال لكنهم يجيدون اليوم تحسين استراتيجيتهم ونشر قيمهم بالشكل المناسب. في هذا القطاع، يمكن أن تحمل المفروشات قيمة رمزية خاصة، فقد تتناقلها مختلف الأجيال أو تكون مكلفة لدرجة يظنّ معها الناس بأنهم سيحتفظون بها إلى الأبد! لكن جاءت شركة «إيكيا» لتغيّر هذه الأفكار فصدمت قطاع المفروشات عبر البيع بالتجزئة.

أسعار مخفضة

حافظت الشركة على أسعار منخفضة وركّزت بشكلٍ هوسي على تخفيض تكاليفها. يمكن أن تمتنع مثلاً عن دهن طبقة إضافية من الطلاء في الجهة السفلية من الطاولات لأن الناس لا يرون هذه المنطقة ولا يستعملونها. كذلك، تعمد الشركة إلى تخفيض اليد العاملة قدر الإمكان عبر تكليف العملاء بالمهام التي كان يتولاها تجار التجزئة تقليدياً. سمحت المفروشات الموضّبة بطريقة مسطّحة للعملاء بحمل مشترياتهم بنفسهم، ما أدى إلى تراجع كلفة التخزين والتسليم.

تشتق منتجات شركة «إيكيا» من 1350 مورداً في 50 بلداً، ويُصنَع 64 % من السلع في أوروبا و33 % في آسيا و3 % في أميركا الشمالية. لتوضيب المنتجات كلها، تستعمل الشركة 800 مليون متر مربّع من صناديق الكرتون كل سنة. يعترف المسؤولون في الشركة بأنهم ليسوا فخورين بهذا الوضع لكنهم يحاولون تخفيف استعمال الكرتون.

يسمح توضيب المنتجات بطريقة مسطّحة بضغطها وتجميعها في حاويات الشحن من دون هدر أي مساحة. يكون هدر المساحات مرادفاً لهدر الأموال كما أنه ينعكس سلباً على البيئة. مع ذلك، تبالغ الشركة أحياناً في ممارساتها وتزيد الأعباء على العملاء. منعاً لهدر الوقت من أجل توضيب منتج قليل الكلفة، تتم الاستعانة أحياناً بالفريق المسؤول عن كتيّبات التعليمات لتقديم المساعدة ويخضع الموظفون الجدد لاختبارات تجميع المنتجات قبل بدء العمل.

عالم المستقبل

في السنوات الأخيرة، نجحت شركة «إيكيا» في تقليص مدة جمع المنتجات من خلال تحسين تصاميمها. يبتكر فريق التصميم ألفَي منتج جديد سنوياً وتمرّ المنتجات التي تكون قيد التطوير بمرحلة قصيرة من النمذجة لأخذ فكرة عن شكل المنتج النهائي أو إنتاج عيّنة بلاستيكية منه على الأقل.

تُستعمَل طابعات ثلاثية الأبعاد لإنتاج سلع كثيرة مثل فرشاة المرحاض! لكن يبقى هذا النوع من المنتجات عادياً على ما يبدو مقارنةً ببعض الابتكارات الغريبة التي تنتجها الشركة، منها مصباح مصنوع من مواد علب البيض!

قد يكون الهواء عدوّ الشحن الفاعل، لكنه حليف المصمّمين! تتحسن المنتجات كلما زادت كمية الهواء فيها. يتطلّع المصممون في شركة «إيكيا» إلى ما وراء قطاع المفروشات لاكتساب خبرة على مستوى تقليص تكاليف الإنتاج، فقد طلبوا مثلاً تصنيع عربة تسوّق لإنتاج كميات هائلة من الطاولات الكبيرة. لكن تُستوحى التصاميم أيضاً من كل مكان! فقد شاهد المصممون طاولة قابلة للطي في حانات ومطاعم الصين واعتبروها أذكى طاولة على الإطلاق لأن بنيتها شبيهة بطاولة الكيّ وتكون كلفتها شبه معدومة.

تستعمل الشركة أيضاً خشب السنط المستورد من جنوب شرق آسيا لتصنيع المفروشات الخارجية، ويتمتع هذا النوع بمزايا خشب الساج لكنّ كلفته قريبة من خشب الصنوبر. يكون التجوّل في مركز التصميم داخل الشركة أشبه بالنظر إلى عالم المستقبل! يعمل بعض المصممين منذ الآن على تصنيع منتجات لعام 2019، منها دراجة كهربائية تستهدف بعض الأسواق المحددة ومنتجات تشجّع على التواصل الاجتماعي والتسلية في آن، لأن التواصل عبر أجهزة مثل الهواتف الذكية بدأ ينسف التقارب الملموس بين الناس ويُعتبر هذا التقارب أساسياً بالنسبة إلى الحياة العائلية وعمل شركة «إيكيا».

لكن لن تخوض الشركة مجال التكنولوجيا الإلكترونية لأنها لا تبرع فيه، فقد خاضت في السابق تجربة فاشلة حين دخلت قطاع أجهزة التلفزيون. يعترف المسؤولون بأنهم يرتكبون أخطاءً كثيرة لكنهم يجيدون تصحيحها دوماً!

في الهند تخطط الشركة لاستثمار مليارَي دولار خلال 15 أو 20 سنة تمهيداً لافتتاح 25 متجراً