صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3961

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

النمو العالمي لا يزال يُصنَع في الصين

  • 05-09-2016

تشتمل ديناميكية النمو العالمي المستمرة التي ترتكز على الصين على ثلاث عواقب رئيسة: تباطؤ النمو الصيني المستمر يخلف تأثيرا أكبر كثيرا على الاقتصاد العالمي الضعيف، و«الهبوط الاقتصادي الحاد» المخيف في الصين سيخلف تأثيرا عالميا مدمرا، ووجود تأثيرات عالمية تترتب على إعادة التوازن الناجحة للاقتصاد الصيني.

على الرغم من كل التوتر والقلق إزاء التباطؤ الذي تتباهى به الصين، يظل الاقتصاد الصيني المساهم الأكبر في نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وفي ظل اقتصاد عالمي متعثر يتقدم بسرعة تقرب من التوقف التام- وغير قادر في الأرجح على تحمل صدمة كبيرة من دون الانزلاق عائدا إلى الركود المتجدد- تصبح هذه المساهمة شديدة الأهمية.

وتدل بعض الأرقام على ذلك، فإذا بلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي في الصين 6.7% في عام 2016- بما يتماشى مع هدف الحكومة الصينية الرسمي، وأعلى قليلا من توقعات صندوق النقد الدولي الأخيرة (6.6%)- فستمثل الصين بهذا 1.2 نقطة مئوية من نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وبما أن صندوق النقد الدولي يتوقع حاليا نموا عالميا بنحو 3.1% فقط هذا العام، فإن هذا يعني أن الصين ستساهم في قرابة 39% من إجمالي النمو العالمي.

وتتضاءل أمام هذه الحصة مساهمات اقتصادات كبرى أخرى، فعلى سبيل المثال حين تحظى الولايات المتحدة بالإشادة على نطاق واسع نظرا لتعافيها القوي، فمن المتوقع أن ينمو ناتجها المحلي الإجمالي بنحو 2.2% فقط في عام 2016، بما يكفي للمساهمة بنحو 0.3 من النقطة المئوية فقط في إجمالي نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي، أو ما لا يتجاوز ربع مساهمة الصين.

أما الاقتصاد الأوروبي المتصلب فمن المتوقع أن يضيف 0.2 من النقطة المئوية فقط للنمو العالمي، في حين تضيف اليابان 0.1 من النقطة المئوية، والواقع أن مساهمة الصين في النمو العالمي أكبر بنحو 50% من مجموع المساهمات التي من المرجح أن تقدمها كل الاقتصادات المتقدمة المزعومة، والذي لا يتجاوز 0.8 من النقطة المئوية.

وعلاوة على ذلك لا يقترب أي اقتصاد نام من مساهمة الصين في النمو العالمي، فمن المتوقع أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي الهندي بنحو 7.4% هذا العام، أو ما يعادل 0.8 من النقطة المئوية أسرع من الصين، ولكن الاقتصاد الصيني يمثل 18% كاملة من الناتج العالمي (قياسا على أساس تعادل القوة الشرائية)، أكثر من ضعف حصة الهند التي تبلغ 7.6%. وهذا يعني أن مساهمة الهند في نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي من المرجح أن تكون 0.6 من النقطة المئوية فقط هذا العام، نصف الدَفعة المتوقعة من الصين (1.2 نقطة مئوية).

ومن المتوقع، على نطاق أوسع، أن تمثل الصين 73% كاملة من إجمالي نمو ما يسمى مجموعة البريكس التي تمثل تجمعا من الاقتصادات النامية الكبرى (البرازيل وروسيا والهند والصين وإفريقيا الجنوبية). ويعادل المكاسب في الهند (7.4%) وجنوب إفريقيا (0.1%) الركود الجاري في روسيا (1.2% بالسالب) والبرازيل (3.3% بالسالب). وباستبعاد الصين من المتوقع ألا يتجاوز نمو الناتج المحلي الإجمالي في مجموعة البريكس 3.2% في عام 2016،

وعلى هذا فأيا كانت طريقة تحليلك للوضع، فإن الصين تظل تشكل محرك النمو الرئيس في العالم. صحيح أن الاقتصاد الصيني تباطأ بشكل كبير مقارنة بمتوسط النمو السنوي (10%) الذي سجلته الصين خلال الفترة 1980-2011، ولكن حتى بعد الانتقال من «المعتاد القديم» إلى ما أطلق عليه قادة الصين وصف «المعتاد الجديد»، يظل نمو الاقتصاد العالمي معتمدا بشدة على الصين.

تشتمل ديناميكية النمو العالمي المستمرة التي ترتكز على الصين على ثلاث عواقب رئيسة:

أولا، وهو الأمر الأكثر وضوحا، يخلف تباطؤ النمو الصيني المستمر تأثيرا أكبر كثيرا على الاقتصاد العالمي الضعيف لولا ذلك مقارنة بالحال لو كان العالم ينمو بنسبة أقرب إلى الاتجاه الأطول أمدا عند مستوى 3.6%. فباستثناء الصين يصبح نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي نحو 1.9% في عام 2016، وهذا أقل كثيرا من عتبة 2.5% التي تصاحب عادة الركود العالمي.

العاقبة الثانية، والمرتبطة بالأولى، هي أن «الهبوط الاقتصادي الحاد» المخيف في الصين سيخلف تأثيرا عالميا مدمرا، فكل نقطة مئوية من انخفاض نمو الناتج المحلي الإجمالي الصيني تقتطع ما يقرب من 0.2 من النقطة المئوية من الناتج المحلي الإجمالي العالمي بشكل مباشر؛ وبإضافة الآثار الجانبية المترتبة على التجارة الخارجية، يصبح تأثر النمو العالمي في المجمل 0.3 من النقطة المئوية.

وبتعريف الهبوط الصيني الحاد باعتباره انخفاض معدل النمو الحالي (6.7%) بمقدار النصف، فإن التأثيرات المجمعة المباشرة وغير المباشرة المترتبة على مثل هذه النتيجة كفيلة باقتطاع نحو نقطة مئوية واحدة من إجمالي النمو العالمي، ولا سبيل في ظِل مثل هذا السيناريو لتجنب ركود عالمي كامل آخر.

أخيرا (وهو الأرجح في اعتقادي)، هناك التأثيرات العالمية المترتبة على إعادة التوازن الناجحة للاقتصاد الصيني، إذ إن العالم من المرجح أن يستفيد كثيرا إذا استمرت مكونات الناتج المحلي الإجمالي في الصين من الصادرات والاستثمارات القائمة على التصنيع في التحول إلى الخدمات والاستهلاك المنزلي.

في ظل هذه الظروف من الممكن أن يتحول الطلب المحلي الصيني إلى مصدر متزايد الأهمية للنمو القائم على الصادرات لشركاء الصين التجاريين الرئيسيين، شريطة تمكين الدول الأخرى من الوصول الحر والمفتوح إلى الأسواق الصينية السريعة التوسع بطبيعة الحال. والواقع أن سيناريو إعادة التوازن الناجح في الصين يحمل إمكانية إعطاء دَفعة قوية لعجلة الطلب العالمي في وجود مصدر جديد ومهم للطلب الكلي، وهو ترياق قوي لعالم متكاسل لولا ذلك، ولا ينبغي لنا أن نتجاهل هذا الاحتمال، في ظل الضغوط السياسية التي تفرض نفسها على المناقشة الدائرة حول التجارة العالمية.

في مجمل الأمر، وعلى الرغم من كل التركيز على الولايات المتحدة أو أوروبا أو اليابان، فإن الصين تواصل تفوقها في الاقتصاد العالمي الواهن اليوم، ورغم أن الهبوط الحاد الصيني قد يكون كارثيا فإن إعادة التوازن الناجحة ستكون نِعمة مطلقة غير محدودة، وهذا من شأنه أن يجعل مآل الصين العامل الحاسم لتوقعات الاقتصاد العالمي.

في حين تشير أحدث المؤشرات الشهرية إلى استقرار اقتصاد الصين عند مستوى نمو بمعدل 6.7% في النصف الأول من عام 2016، فليس هناك مجال للتغافل عن الرياح المعاكسة التي تلوح في أفق النصف الثاني من هذا العام. وبشكل خاص قد يؤدي احتمال المزيد من تراجع الاستثمار في الأصول الثابتة في القطاع الخاص إلى تفاقم الضغوط الجارية المرتبطة بتقليص الديون، واستمرار ضعف الطلب الخارجي، فضلا عن الدورة العقارية المتعثرة.

ولكن على عكس الاقتصادات الرئيسة في العالم المتقدم، حيث بات حيز السياسات مقيدا بشدة، تتمتع السلطات الصينية بمجال واسع للتحركات المتكيفة التي يمكنها دعم النشاط الاقتصادي، وخلافا للاقتصادات الرئيسة في العالم المتقدم، التي تتصارع على نحو مستمر مع مقايضة بين الضغوط الدورية القصيرة الأجل والإصلاحات البنيوية الأطول أمدا، فإن الصين قادرة تماما على معالجة كلا المجموعتين من التحديات في وقت واحد.

وبقدر ما تتمكن القيادة الصينية من الحفاظ على مثل هذه السياسة المتعددة الأبعاد والتركيز على الإصلاح، فلن يعود ذلك على الاقتصاد العالمي الضعيف الذي لا يزال عُرضة للخطر إلا بالخير، فالعالم في احتياج حقيقي إلى الصين الناجحة أكثر من أي وقت مضى.

* عضو هيئة التدريس في جامعة ييل، والرئيس السابق لبنك مورغان ستانلي في آسيا، ومؤلف كتاب «انعدام التوازن: الاعتماد المتبادل المَرَضي بين أميركا والصين».

«بروجيكت سنديكيت، 2016» بالاتفاق مع «الجريدة»