صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3955

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

طبت حياً وميتاً يا «بومبارك»

  • 29-08-2015

رجعت النفس المطمئنة إلى بارئها، فبعد عمر يود الكيّس الفطن أن يلقى الله بما في صحيفته من عمل، ففاضت روحك الطاهرة على أذان الظهر يوم الاثنين، وعلى ختمة القرآن والقارئ يقرأ قوله سبحانه «يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ* ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً* فَادْخُلِي فِي عِبَادِي* وَادْخُلِي جَنَّتِي».

٩٣ عاماً في طاعة الله يا جداه، حفظت القرآن في صغرك فحفظك الله به، وتخلقت بأخلاقه فكنت قرآنا يمشي على الأرض، رحل والدك شهيداً وأنت ابن السادسة، فعشت يتيماً وربتك والدتك على الدين والفلاح، فبررت بهما براً لا مثيل له، ولا بره ولد لوالده، تعتمر لهما، وتتصدق عنهما، وتدعو لهما لدرجة أنك وصلت إلى التسعين من عمرك وما تدعو لنفسك بدعاء إلا قرنت اسميهما فيه، حتى في أذكارك عقب كل صلاة كنت تقول: سبحان الله وبحمده ولوالدي، أستغفر الله لي ولوالدي، ضعفت ذاكرتك لكن ذكرك لربك لم يضعف.

فدعاؤك هو نفسه لم يتغير، والأذكار، وآيات القرآن، والتحيات «سبحان الله العظيم، سبحان الله وبحمده» الثقيلتان في الميزان والحبيبتان للرحمن، اللتان لم يفتأ لسانك عن ترديدهما، كانت «لا إله إلا الله» في قلبك، في أيام مرضك وكلما أحسست بألم لهج لسانك بـ»لا إله إلا الله».

وفي آخر أيامك كنت تردد الشهادة كلما لقنتك إياها، وتصلي على محمد- صلى الله عليه وسلم- كلما ذكرتك، فرزقك الله صحبته في الفردوس الأعلى، فقرة عينك كانت في الصلاة، تسألني دائما وأنت على فراش المرض عن الصلاة، هل دخل موعدها؟ هل المسجد قريب؟ لدرجة أنك تجهد نفسك لتنزل من السرير لتصلي، كيف لا وأنت ما فاتتك تكبيرة الإحرام قط؟ كيف لا وأنت إذا ما أذن المؤذن للصلاة تركت كل شيء وسارعت إلى مغفرة من ربك لتصل للمسجد قبل أن ينهي أذانه؟

كرسيك خلف الإمام، مسجدك، مصحفك، المصلون سيفتقدونك كلهم  كثيرا، وإليك يا جداه سيشتاقون، سيفتقدون نصائحك وأذكر منها نصيحتك لهم بعدم الإسبال، فكنت تذكرهم دائما: «ما أسفل الكعبين  في النار»، جمعت مكارم الأخلاق ومكارم أخلاقك لا تحصى والله يحب مكارم الأخلاق، وكرست حياتك لخدمة المسلمين وقضاء حوائجهم، وخدمت وطنك كعضو في مجلس الأمة ربع قرن.

 فيا جداه، من لصاحب الحاجة إذا انقطعت به السبل؟

يا جداه، من للثكالى واليتامى والأرامل؟

من للملهوف والضعيف؟

من للفقير والمسكين؟

ونحن من لنا؟ سنشتاق والله العظيم سنشتاق.

فراقك صعب بل أصعب من أن يتصوره عقل، لكن عزاءنا في قوله سبحانه: «وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ». ذريتك، أبناؤك، أبناء أبنائك، أنت من علمنا حفظ كتاب الله، وأنت من علمنا حسن الخلق، وأنت من علمنا الإحسان، وأنت من علمنا البر وصلة الرحم، وأنت من علمنا أن نعطي ولا ننتظر الرد، وأنت من علمنا، كل شيء طيب وكل علم غانم.

كنت حريصا على طلبنا للعلم، فكنت دائما تقول لي وأنا أودعك للدراسة في الغربة «الله الله بالعلم، الله الله بالعلم الغانم».

وكنت تردد قول أحمد شوقي:

العلم يبني بيوتاً لا عماد لها

والجهل يهدم بيت العزِّ والكرم

فأنت من ربانا وأدبنا وعلمنا، فكنا جميعا ممن تشرف بالتخرج من مدرسة فلاح مبارك الحجرف، فجزاك الله خير ما جزى والداً عن ولده، وجمعنا الله بك في الفردوس الأعلى في مقعد صدق عند مليك مقتدر، فاسمك يا جدي للمجد، وأفعالك للتاريخ، وذكراك ستبقى في القلوب ما دامت تنبض.

 حفيدك وسميّك

فلاح حجرف فلاح الحجرف