صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3963

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

ابن قزمان الزجال القرطبي

  • 22-08-2015

يبدأ الفتح الإسلامي في شبه الجزيرة الأيبيرية سنة 711م، بعصر يدعى الولاة، على يد طارق بن زياد وموسى بن نصير، تليه حقبة مهمة لبداية النهضة الإسلامية بالأندلس، وهي عصر الدولة الأموية بدخول عبد الرحمن الداخل حاكما، وما إن سقطت الدولة الأموية حتى تبدأ حقبة ملوك الطوائف التي تنقسم الأندلس فيها إلى 22 دويلة، يولد ابن قزمان تحديدا سنة 1068م في قرطبة مدينة العلماء والشعراء وعاصمة المسلمين في الأندلس.

في القرن التاسع الميلادي كانت اللغة العربية هي لغة الوثائق الرسمية بالأندلس، حيث قام قسيس من أهل إشبيلية بترجمة التوراة إلى اللغة العربية مما أغضب بشدة قساوسة الكنيسة، فبرر قائلا إنها الوسيلة الوحيدة لتعلم تلاميذه! وفيما بعد تمت ترجمة قوانين الكنيسة الإسبانية والإنجيل للعربية ليسهل على المسيحيين فهمها! ومع هذه الحركة الترجمية المهمة تصبح اللغة العربية هي اللغة الرسمية، لكنها كانت ذات طابع مميز، حيث كانت أكثر صعوبة بسبب تداخل الكثير من اللهجات الأندلسية المحلية، فهي لا تشبه العربية الفصحى.

 يذكر لنا المقدسي أنه التقى في موسم الحج ببعض الأندلسيين فوجدهم يتكلمون لغة عربية عسيرة الفهم، ولغة أخرى أعجمية بالوقت ذاته! وهذا ما سنراه في أزجال ابن قزمان الذي لم يكن أول من بدأ بالموشحة الزجلية، حيث سبقه الرمادي شاعر المنصور، وأبو بكر بن لبانة شاعر المعتمد، والقزاز، والحضرمي، وابن زهر وعبادة بن ماء السماء وغيرهم من الشعراء، لكن أزجالهم لم تصل إلينا بشكل كلي كما هي الحال مع أزجال ابن قزمان، التي تحمل طابعا عاميا، حيث تتميز أزجاله بإدخال اللهجة الأندلسية التي من أهدافها الوصول إلى المجتمع الأندلسي بكل فئاته.

ديوان ابن قزمان وصلنا بشكل شبه كامل مما يجعل دراسته ميسورة، حاملا في طياته 149 زجلا تحشر به المفردات العامية الأندلسية، فتأثر به ابن باجة، والجزري، وابن زمرك، وأبو الصلت الداني، بل حتى نزهون الغرناطية التي لم يسلم منها في نادرة تاريخية، وتحديدا في مجلس الوزير أبي بكر بن سعيد بغرناطة، حيث كان ابن قزمان مرتديا غفارة صفراء، وهي زي الفقهاء في تلك الحقبة الزمنية، فما كان منها إلا أن علقت على ملابسه ساخرة: أحسنت يا بقرة بني إسرائيل إلا أنك لا تسرّ الناظرين! فضحك كل من كان بالمجلس، مما أحرج ابن قزمان، والذي يذكره التاريخ بالأشقر، والأزرق، وكبير البطن وقبيح المنظر!

فرد عليها بغضب شديد: إن لم أسر الناظرين فأنا أسر السامعين، وإنما يطلب سرور الناظرين منك يا فاعلة يا صانعة! وهمَّ أن يضرب نزهون وهو في حالة سكر ممزوجة بالغضب، لكن الحاضرين دفعوه عنها ورموه بالبركة، فشرب منها واتجه للوزير منشداً أبياتا ثلاثة يطول بها عِرض نزهون ببذيء الألفاظ، فأمر الوزير بخلع ثيابه وإعطائه ثياباً تليق بمقامه، وطلب منه أن يكف عن نزهون وشرفها.

ولكي تتضح صورة اللهجة الأندلسية العسيرة إذا ما قارناها بالعربية الفصحى، نسرد مثالاً حياً لزجل ابن قزمان:

 يا مطر بن شلباط

تن حزين تن يناط

ترى اليوم وشطاط

لم تذق فيه غير لقية

ترجمة الزجل ذو اللهجة الأندلسية لابن قزمان إلى العربية:  

يا أمي تعالي وأنجديني

فأنا حزين جداً ومتألم جداً

في كل اليوم وطوله

لم أذق فيه غير لقيمة.

ودمتم بتميز لغوي ثقافي أندلسي.