صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3958

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

هل تجر تركيا الولايات المتحدة إلى مستنقع؟

  • 03-08-2015 | 00:01

تشكل المشاركة في ضربات الائتلاف الجوية ضد «داعش» واعتقال الداعمين المحتملين بالنسبة إلى تركيا فائدة جانبية لهدفها الحقيقي: إفشال خطط الأكراد في سورية وضرب حزب العمال الكردستاني.

اتخذت الولايات المتحدة وتركيا قبل أيام خطوات نحو تعزيز تدخلهما في المستنقع السوري:

 أولاً، وافقت تركيا بعد سنة من المفاوضات المطولة على السماح للولايات المتحدة باستخدام قاعدة إنجرليك الجوية للقيام بعمليات ضد ما يُدعى الدولة الإسلامية (داعش)، في المقابل وافقت إدارة أوباما على إقامة «منطقة آمنة» في شمال غرب سورية ستحميها «قوات المعارضة السورية المعتدلة»، فضلاً عن القوات الجوية الأميركية والتركية.

 ثانياً، نفذت تركيا ضربات جوية ضد مواقع «داعش» في سورية وقوات حزب العمال الكردستاني في شمال العراق.

ركّز رد الفعل الأولي حصرياً تقريباً على اهتمام أنقرة المفاجئ بمحاربة «داعش» وإقامة مناطق آمنة لتكون «عوامل تغيير أساسية محتملة في لعبة» الحرب ضد زعيم «داعش» أبو بكر البغدادي ونظام الأسد، لكن هذا الجهد سيحقق أهدافاً أقل بكثير مما هو متوقع. صحيح أن الأتراك صاروا يتعاملون بجدية أكبر مع خطر «داعش»، وخصوصاً منذ تفجير سوروك في 20 يوليو، غير أن أنقرة، التي ازدادت استياء مع تحقيق الأكراد المكاسب ضد قوات «داعش» في سورية، تصب كل اهتمامها في المقام الأول في قمع القومية الكردية، لكن هذا يضع واشنطن في موقف غريب، بما أنها أعطت من حيث المبدأ الضوء الأخضر لأكثر حلفائها تردداً في القتال ضد «داعش» لمحاربة أكثر المقاتلين فاعلية في ذلك الصراع: الأكراد، سواء كانوا من أكراد تركيا المنتمين إلى حزب العمال الكردستاني أو قوات أقاربهم السوريين، ووحدات حماية الشعب، وكل ذلك بذريعة محاربة العدو ذاته، ولا شك أن هذا ثمن باهظ جداً يُدفع لقاء استعمال قاعدة إنجرليك، ويُهدد بجر الولايات المتحدة إلى حرب لا نهاية لها.

لمَ الآن؟ تختلف الولايات المتحدة مع تركيا حتى اليوم حول كيفية التعاطي مع «داعش»، فقد أصر الأتراك على أن إسقاط نظام الأسد في سورية سيحقق تقدماً كبيراً نحو إنزال الهزيمة بـ«داعش»، لكن هذا الموقف يخدم أيضاً مصالح شخصية سياسية، بما أن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان ورئيس الوزراء أحمد داود أوغلو اعتبرا «سقوط الأسد» مسألة مبدأ.

 في المقابل، تبنت إدارة أوباما فكرة أن أنقرة تتغاضى عن احتمال أن يعود سقوط الأسد بالفائدة على البغدادي، الذي ستستغل قواته الفوضى الإضافية وإراقة الدماء اللتين ستنشآن لا محالة، بالإضافة إلى ذلك يركز البيت الأبيض اهتمامه على العراق لا سورية، مما يُشعر الأتراك بالأسى، ولكن كما أفادت كارن دي يونغ وليز سلاي من صحيفة «واشنطن بوست» أخيراً، بدّل عدد من التطورات الأخيرة الحسابات التركية والأميركية، بما فيها تهديد «داعش» معبر «أعزاز» على طول الحدود الشمالية الغربية التركية-السورية، وسيطرة الأكراد على معبر تل أبيض الحدودي قرب كوباني، أضف إلى ذلك تفجير «داعش» الانتحاري الأخير، على ما يبدو، الذي أودى بحياة 32 شخصاً في سوروك، وأثبت قدرة «داعش» على إحداث الضرر داخل تركيا، وهكذا اجتمعت كل هذه التطورات الثلاثة لتنقع الأتراك أن وقت العمل قد حان، إلا أن هذا العمل لا يقتصر على «داعش» بالنسبة إلى أنقرة.

إلامَ يرمي الأتراك؟ من الواضح أن أنقرة تواجه مشكلة مع «داعش»، إلا أنها تواجه أيضاً مشكلة مع القومية الكردية: الأولى جديدة، أما الثانية فقد شكلت نقطة محورية في سياسات الجمهورية التركية منذ تأسيسها عام 1923.  نتيجة لذلك، يعتبر الأتراك مقاتلة الأكراد أولوية، فمنذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في تركيا قبل 13 عاماً، سعى إلى حل هذا التحدي التاريخي من خلال مجموعة من المبادرات التي قد تحدّ من جاذبية القومية الكردية بالنسبة إلى أكراد تركيا، وشملت هذه المبادرات استثمار 12 مليار دولار (يصر حزب العدالة والتنمية على أنه كان 25 ملياراً) في الجنوب الغربي ذات الغالبية الكردية بين عامي 2005 و2006، «انفتاحاً كردياً» لم يحدَّد بدقة عام 2009، وعملية سلام مع حزب العمال الكردستاني طوال السنوات الثلاث الأخيرة. ورغم ذلك تفاقم الضغط السياسي كثيراً، بما أن أكراد سورية سعوا إلى إنشاء إقليم مستقل على طول الحدود التركية-السورية، وأصبحوا شركاء الولايات المتحدة في القتال ضد «داعش».

في خلفية كل ذلك نرى تقدّم سعي دولة كرستان العراق لنيل استقلالها، وإخفاق عملية السلام مع حزب العمال الكردستاني، والانتصار الكبير الأخير الذي حققه حزب الشعب الديمقراطي الموالي للأكراد في الانتخابات البرلمانية في تركيا، ونتيجة لذلك يخشى الأتراك بكل وضوح أن تشجع كل هذه التطورات 14 مليون مواطن كردي في تركيا على المطالبة بتغييرات تهدد الجمهورية، ويشكل هذا أحد الأسباب التي جعلت تركيا تقف على الهامش وتراقب، حين حاصر مقاتلو «داعش» بلدة كوباني الكردية السورية السنة الماضية.

فبالنسبة إلى تركيا تشكل المشاركة في ضربات الائتلاف الجوية ضد «داعش» واعتقال الداعمين المحتملين فائدة جانبية لهدفها الحقيقي: إفشال خطط الأكراد في سورية وضرب حزب العمال الكردستاني، وإن كانت تساور البعض الشكوك حيال أهداف تركيا، فقد أعلن إردوغان في أواخر شهر يونيو: «لن نسمح مطلقاً بإقامة دولة في شمال سورية وجنوبنا».

* ستيفن كوك