صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3901

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

روسيا في سورية... «شي بروس شي بلا روس!»

  • 01-10-2015

تلتقي في الشرق الأوسط مصالح مشتركة بين كل الدول، لكن التدخل الروسي الأخير في سورية غير المعادلة المفروضة وهي أن تُترك المنطقة تمر بمرحلة التآكل الذاتي لعقد من الزمن، فأخذت كل دولة تتعامل مع هذا التدخل بما يحقق مصلحتها سواء بإيقاف الهجرة أو ضمان أمن إسرائيل أو توريط روسيا ببؤرة صراع عميقة وخطيرة.

لا شك أن المقولة الشعبية المتداولة في بلاد الشام "شي بروس شي بلا روس!" هي أبلغ توصيف للوضع السوري الراهن في المحنة المتفاقمة التي يمر بها هذا البلد العربي الجريح، بما يوافق ذلك من فوضى "غير خلاقة" وغير أخلاقية.

لقد شكلت التأكيدات بوجود تدخل عسكري روسي مباشر على الأراضي السورية "ضريبة مضافة" على البلبلة الجهنمية التي تعانيها الجمهورية العربية السورية ومعها الشرق الأوسط نتيجة لعبة المصالح الإقليمية والدولية على أرضها وحصيلة أخطاء بعض مواطنيها من مناصري النظام ومناهضيه.

وهكذا من خلال استخدام الجناس اللفظي والدلالات المعنوية المؤلمة، يمكننا ملاحظة انقسام المتقاتلين في سورية إلى قسمين: قسم مع "روس" وقسم "بلا روس"، وكذلك انقسام ضحايا حرب الاستنزاف هذه إلى قسمين آخرين: ضحايا استأصل الفكر التكفيري رؤوسهم ليصبحوا "بلا روس" وضحايا كانوا محظوظين بالاحتفاظ برؤوسهم فوق أجسادهم ليستشهدوا "بروس" محروقة أو مخنوقة!

الغريب في الأمر أن الغرب الذي يجاهر بعدائه لنظام بشار الأسد لم يتفاعل بحدّة مع وجود مستشارين عسكريين إيرانيين وروس يقدمون الدعم والخبرة لجيس النظام السوري منذ أكثر من ثلاثة أعوام، لكن الغرب نفسه وعلى رأسه الولايات المتحدة أعربت عن قلقها الجدي من وجود تدخل عسكري روسي مباشر في سورية!

هذا "القلق" المرتبك والمريب هو بلا شك إعلان واضح عن حقيقة بدهية في حلبة الصراع الدولي والجيوسياسي، وهي أن أي تدخل لا يشكل خطراً فعلياً على أي من أطراف الصراع هو تدخل "محمود" في نظر المصالح الدولية الكبرى طالما بقي في خانة التدخل الذي لا يحسم المعركة بل يؤجج نيرانها، وأن أي تدخل مباشر- غير متفق عليه- ومن شأنه ترجيح كفة أحد الأطراف المتقاتلة هو رجس من عمل الشيطان!

فرغم "القلق" الصوري للدولة الكبرى ورغم الجهود المبعثرة للتحالف العربي- الدولي ضد "داعش" وأخواته، يسطر الواقع أنه من المقبول لدى ما يسمى "المجتمع الدولي" أن تسقط طائرات "الناتو"- بالخطأ!- أطناناً من الأسلحة على عناصر تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام"، ومن المقبول لديه أن يتدخل "حزب الله" اللبناني في الصراع السوري بشكل مباشر، ومن أحب الأشياء إلى قلبه هذه الانفلات التكفيري الذي جمع على أرض الشام كل شذاذ الآفاق من كل أنحاء الأرض، ومن المقبول جداً التدخل الإيراني المباشر لمناصرة نظام "الأسد" الذي اشتد عوده على شعبه ومعارضيه، ولا مانع لديه من تدخل تركيا لحماية مصالحها في الشمال السوري، أما التدخل الروسي المباشر- إن كان جديا وغير متفق عليه- فهو تدخل يثير القلق! لأن من غير المسموح أن تغلق سريعا أبواب الفتنة والاقتتال في الشرق الأوسط حين تفتح أو حين يقرر تشريعها طويلاً.

لقد أكدت تقارير المخابرات الأميركية وجود نشاط روسي ملحوظ في نقل كميات هائلة من الأسلحة والذخائر تترافق مع حدث جدي عن بناء وحدات إسكانية للعسكريين في منطقة اللاذقية معقل "الأسد" ومناصريه، مما يؤشر إلى نية روسية بحسم الصراع لمصلحة النظام السوري، أو على الأقل بمنع سقوطه غير المشروط.

كل ذلك يترافق مع تصاريح صريحة ومتزامنة للزعماء الأوروبيين، قابلها صمت وارتباك أميركيان، مفادها التخلي عن أي نية في مناهضة "الأسد" عسكرياً، فقد أعلنت المستشارة الألمانية ميركل أن بشار الأسد يجب أن يشارك في أي مفاوضات ترمي إلى إنهاء النزاع المستمر في بلاده منذ أربع سنوات، وأن العملية ينبغي أن تشمل كذلك الولايات المتحدة وروسيا، بالإضافة إلى اللاعبين الرئيسيين في الشرق الأوسط بما في ذلك إيران والسعودية. من جهته قال رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون إن الرئيس السوري بشار الأسد يمكن أن يبقى جزءا من حكومة انتقالية في بلاده لكن ليس جزءا من "مستقبل سورية"، وكذلك تخلى الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند عن شرط تنحي الأسد رئيس النظام السوري قبل بدء أي عملية سياسية انتقالية تنتهي بوجود سورية مستقرة من غير "الأسد".

وهنا نتساءل: لماذا هذا التغير في الموقف الأوروبي؟ وهل أن تعزيز التدخل الروسي الذي بدأ منذ بداية الصراع متفق عليه أوروبياً وأميركياً أم أنه تدخل بفعل الأمر الواقع يغطيه التغاضي الغربي؟

لاشك أن صورة الطفل السوري إيلان التي هزت مشاعر العالم من المؤثرات الواضحة في تبدل الموقف الأوروبي، ولكن ليس من زاوية التفاعل الإنساني بل من زاوية إقفال أبواب الهجرة السورية إلى أوروبا. لقد فتحت هذه الصورة أبصار الشعوب الأوروبية الحية على واقع مرير في الشرق الأوسط وجارته أوروبا، فبدأت هذه الشعوب تمارس ضغوطا جدية على حكوماتها بضرورة التدخل لإنهاء الصراع السوري أو التخفيف من تداعياته، وقد انقسمت هذه الشعوب إلى قسمين: واحد ينادي بحسم الصراع من خلفيات ولأسباب إنسانية، وقسم آخر يرتكز في مناشداته على المصحلة الأوروبية الخالصة التي تفرض عملياً منع تدفق موجات الهجرة إلى أوروبا بكل ما تحمله من متاعب وهموم اقتصادية ومسؤوليات إنسانية وتغيرات ديمغرافية.

وهكذا التقت البراغماتيكية الأوروبية مع المصالح الروسية لتعطي الروس الضوء الأخضر لحسم الصراع لمصلحة الأسد، أو على الأقل للتقليل من خطر التمدد التكفيري بما يشكله من خطر مشترك على أوروبا ودول الجوار والعالم بأسره بما فيه الولايات المتحدة الأميركية، وهنا نفهم الصمت الأميركي عن هذا التدخل الروسي والاكتفاء بالتعبير عن "القلق" والقبول على مضض بتمكين الدب الروسي من التحكم في أبرز مفاصل المنطقة.

إن السياسة الأميركية ليست بهذه السذاجة، فالمراقب لتاريخ الصراع الدولي يعرف أن الولايات المتحدة الأميركية قد تقبل بخسارة تكتيكية بسيطة لتحقيق أهداف استراتيجية أهم وأكثر استدامة، فالتهافت الأميركي على ما سمي "بالمفاوضات النووية" مع الجانب الإيراني، وكذلك غض الطرف عن التدخل الروسي المباشر مع ما يرافق ذلك من تقوية لشوكة ما سمي بخط "الممانعة والمقاومة"، ناهيك عن محاربتها اللفظية غير الجادة للتمدد التكفيري في الشرق الأوسط، هو توريط للشرق بما فيه روسيا ببؤرة صراع عميقة وخطيرة تذكرنا بما حصل زمن الاحتلال الروسي لأفغانستان وتداعياته المؤلمة على الشرق والعالم.

تشكل هذه اللحظة التاريخية في عمر الشرق الأوسط التقاء مصالح بين مستلزمات الجيرة الأوروبية والاستراتيجية الأميركية التي تحاول بشكل واضح تكريس ما سمي بـ"الهلال الشيعي" الذي بشر به موالو الغرب وأميركا كمؤشر لدخول المنطقة بمرحلة التآكل الذاتي لعقد من الزمن، وهذا ما أشرت إليه في مقال سابق نشرته في مطلع الربيع العربي باسم "2020... إني أخشاك"، وإني أخشى ما أخشاه أن يكتب هذا الصراع الداخلي بين البحر العربي السني والمد الإيراني الشيعي نهاية الاستقرار في الشرق الأوسط، وانهيار اقتصاده الهش إلى غير رجعة، واحتراق بتروله الذي يفقد قيمته يوماً بعد يوم، إضافة إلى إنهاك أي مقاومة لإسرائيل أو إرادة للتنمية لدى الشعوب والقادة.