صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3906

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

إيران والقوة... دلالات وعبر

  • 15-08-2015

«ستلقى من عدوك كل كيد

إذا كاد العدو ولم تكده»

(أبو العتاهية)

بتوقيع الجنرال الأميركي دوغلاس ماك آرثر، نيابة عن الحلفاء والياباني يوشي جيرو أوميزا، وثيقةَ استسلام اليابان في 2/ 9/ 1945 يكون الستار قد أسدل على أحدث حرب استمرت 6 سنوات، وارتفع الستار في الآن ذاته عن بروز الولايات المتحدة كأقوى قوة عسكرية واقتصادية وسياسية لعالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، فمضت هذه الدولة الأقوى والأغنى في عالم محطم وفقير تدلي بقوتها وتفرض هيمنتها عليه بترتيب أركانه ونواحيه، فأرست دعائم الدولة الصهيونية على أرض فلسطين في 15/ 5/ 1948، ثم عرجت على منطقة الشرق الأقصى لتقسم شبه الجزيرة الكورية عقاباً لها على وقوفها إلى جانب دول المحور خلال سني هذه الحرب، ولم يشفع لكوريا في منع تقسيمها أنها كانت وحدة سياسية وجغرافية واحدة، وأنها إنما انضمت إلى دول المحور اضطراراً منها لأنها كانت مستعمرة يابانية قبل الحرب.

 ثم أجبرت الولايات المتحدة كل شطر على إجراء الانتخابات الديمقراطية لتقوم الحكومتان المنتخبتان بإجراء المفاوضات فيما بينهما تمهيداً لإعادة توحدهما في دولة واحدة، إلا أن الذي حدث هو تمسك كل حكومة بسكانها ورقعتها الجغرافية؛ مما دفع بوزير الخارجية الأميركي الأسبق جون فوستر دالاس إلى تحريض الرئيس الكوري الجنوبي (لي سين مان) ضد الرئيس الشمالي (كيم إل سونغ) ونظامه الشيوعي الذي احتلت قواته احتلالا شبه كامل الشطر الجنوبي في 25/ 6/ 1950م لتتدخل الولايات المتحدة ضد قوات الشمال في صراع استمر حتى عام 1953م، ثم توقفت عند الخط الفاصل بينهما قبل الحرب، وليتضح لسكان العالم أن سيدهم الجديد لا يزال رهين منطق القوة وأنه يسومهم خسفاً وإذلالا.

انتشى الأميركيون بقوتهم التي حسمت نتائج حرب هم أوقدوا نارها، ثم أخذوا ينظرون باستهزاء إلى القوات الفرنسية في فيتنام، وهي تنهار تحت ضربات قوات الرئيس الشمالي (هو شي منه) في معارك (ديان بيان فو) وقرارهم النهائي بالانسحاب منها في عام 1945م لاعنين أحلامهم التي عاودتهم بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية للعودة إلى منطقة الهند الصينية الفرنسية (لاوس- فيتنام- كمبوديا) التي كانت مستعمرات سابقة لهم طيلة القرن التاسع عشر حتى قبل نشوب الحرب الثانية.

وغرق الأميركيون في وحول المستنقعات الفيتنامية ابتداء من عام 1965م لرغبتهم في إيقاف ثوار الفيتكونغ ضد الرئيس الجنوبي (نجوين فان ثيو) وتدفقت قواتهم ليبلغ تعدادها 550.000 ألف جندي بقيادة الجنرال (وليام وستمورلاند)، وبعد أن اكتشفوا أن شكيمة الفيتناميين لا تتسق وضآلة أجسامهم، وبعد أن فقدوا 58.000 ألف جندي قرروا الانسحاب (الهروب) في عام 1975م، وسبقهم في عملية الهروب هذه نائب القائد العام جنرال (كريتون أبرامز) وسفيرهم لدى سايجون (عاصمة الجنوب الفيتنامية) هنري كابوت لودج، وقد خلفت هذه الحرب جروحا غائرة في ضمير الأمة الأميركية لأنها الحرب الخارجية الأولى التي تهزم فيها جيوشها منذ عقود طويلة خلت.

بتاريخ 7/ 10/ 2001م غزا الأميركيون بصورة شبه منفردة أفغانستان للقضاء على 8000 عنصر من «طالبان» ولتدمير تنظيم القاعدة هناك، وحتى تثبت الولايات المتحدة (المهووسة بمنطق القوة) قدرتها على خوض حربين في وقت واحد فإنها وبتاريخ 20/ 3/ 2003م هاجمت العراق بدعوى امتلاكه أسلحة نووية، ولعلاقته بتنظيم القاعدة، إلا أنها وبعد أن فقدت في هاتين الحربين عشرة آلاف جندي، وبعد أن أدركت أنها تلهث وراء نصر لم تجده، قررت الانسحاب من العراق في عام 2011م، ومن أفغانستان في عام 2014م، وقد خلفت حربا أفغانستان والعراق مآسي عصفت بالمجتمع الأميركي لسنا بصدد التطرق إلى تفاصيلها.

يخطئ الإيرانيون إذا ما اعتقدوا أن قوتهم العسكرية والأشرطة السوداء على جباه حرس الباسيج هي التي أرعبت الولايات المتحدة وردعتها عن استخدام الخيار العسكري ضد منشآتهم النووية؛ لأن الحقيقة هي أن الولايات المتحدة أنهكتها حروبها الخارجية، فلم تعد راغبة في خوض حرب جديدة حتى لو كان خصمها جيشا من النمل، ولذلك فقد آثرت التقاط الأنفاس وهي (القوة العظمى في هذا العالم) ومالت إلى تغليب العقل مع دولة عديمة الندية لم تتعظ ولم تتعلم الدروس والعبر من حربها مع العراق في عقد الثمانينيات، عندما حولتها إلى ما يشبه جثة قذفت بها أمواج البحار تحت أقدام الصخور.

 إن الثروة التي ستعود على إيران من جراء الإفراج عن أرصدتها المجمدة إثر نجاحها في مفاوضاتها مع الدول الخمس الدائمة العضوية بالإضافة إلى ألمانيا إنما هي نعمة يجب أن تنعم بها الشعوب الإيرانية التي كابدت الحرمان والعوز طيلة السنوات الثلاثين المنصرمة، وألا تستخدمها للإضرار بالآخرين، وأعني بهم جيرانها العرب، وهي تعلم جيدا ما لجيرانها من ثروات تمكنهم من الإضرار بها، وإذا راهنت إيران على جزء من الأقليات التي تعيش في الدول العربية الخليجية فإن للخليجيين من العرب على أرض إيران ما يمكنهم من الكيل بالمكيال نفسه، فهم يستطيعون إذا ما عقدوا العزم تفكيك فسيفساء الدولة الإيرانية كما هي فسيفساء شعوبها، حتى من غير حرب مسلحة، وإلا فكيف تفكك الاتحاد السوفياتي بدون حرب جرت على أرضه عام 1991، فهم مثلا يستطيعون إعادة سلخ إقليم الأحواز ولا يهم السنوات الثمانون التي كان خلالها في كنف الدولة الإيرانية، ألم يتمكن الإسبان من استعادة الأندلس ثانية بعد أن حكمها المسلمون العرب زهاء سبعة قرون؟

على إيران أن تعي جيداً أن الولايات المتحدة هي الدولة الاستعمارية الكبرى التي تعتمد أسلوب الوقيعة بين الآخرين لتبلغ أهدافها، فعندما رغبت في تهميش روسيا الاتحادية حركت ضدها جورجيا المجاورة لها، والتي فقدت أوستيا الجنوبية نتيجة لهذا التحرش، ثم فعلت الفعل ذاته مع أوكرانيا المجاورة لروسيا الاتحادية، فكان أن فقدت أوكرانيا شبه جزيرة القرم، وما لم تحققه أميركا في الشرق الأوروبي حققته في الشرق الأوسط عندما أغرت عراق صدام حسين بغزو الكويت فكان تدخله مدخلاً لتحطيم جيشه وتقسيم العراق.

لعل الولايات المتحدة اقتنعت ببلوغ الخليجيين العرب الطرق المسدودة إزاء تدخل إيران في شؤونهم بالرغم مما أبدوه من سياسات الود تجاهها، فآمنت بأن توكل إليهم مهمة تفكيك إيران، وذلك بالإفراج عن أرصدتها المالية المجمدة، ورفع الحظر الاقتصادي والتجاري، فتتدفق الأموال على الدولة الإيرانية، ولأن إيران لا تملك خططا تنموية جاهزة لاستيعاب هذه الأموال التي انهالت عليها وبشيء من التحريض (الذي تخصصت به الولايات المتحدة) لإيران ضد جوارها العربي فإن الجياد الجامحة في القيادة الإيرانية ستوجه هذه الثروة إلى المزيد من التآمر، قاذفة للخليجيين بقفاز التحدي، ولما لم يبق للعرب من مناص سوى المقاومة والمعاملة بالمثل، ولما حدث الشرخ في جدار خوفهم من الجار الإيراني بنجاح تخطيطهم في ضرب عملاء إيران على الساحة اليمنية، ولما اتضح مدى عجز إيران وارتباكها بفعل المفاجأة فإنه قد يحدث غير المتوقع وغير المألوف، كأن يلتقط الخليجيون العرب قفاز التحدي ويبادلون إيران ضرباً بضرب وكيداً بكيد.