صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3906

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

رأي: آثار خروج بريطانيا من أوروبا حتمية حتى لو كان التصويت بـ«لا»

  • 06-07-2016

أكتب هذا المقال من جنوب إفريقيا، التي هي أبعد ما يكون عن أوروبا وعن الجدل اللامتناهي حول خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. ومع ذلك، أجد صعوبة في تفادي التقلبات وحاجة المستثمرين والإعلام المستمرة لفهم ما هو آتٍ.

وأفضل تشبيه يمكنني تطبيقه هنا، هو تشبيه مستقى من أسفاري العديدة: عندما تصل إلى مطار ما وتبدأ إجراءات الدخول، عليك المرور عبر نقطة الأمن، وهناك خياران: إما الإجراءات السريعة أو الإجراءات الأكثر بطئاً (للدرجة السياحية). إذا ما استخدمت الإجراءات السريعة، فسوف تصل إلى البوابة بشكل أسرع، وستتمكن من الانتهاء من إجراءات الصعود إلى الطائرة قبل غيرك، لكن الأمر، الذي يجب أن يكون أهم من ذلك كله، هو أن الزمن الفعلي للرحلة وخط سيرها هو نفسه لجميع الركاب، سواء في درجة رجال الأعمال أو الدرجة السياحية. فكلانا يصل في الوقت نفسه بالضبط.

ما الذي أحاول الوصول إليه؟ إن الذي يحدث الآن من منظور اقتصادي هو أننا دخلنا منطقة الإجراءات السريعة بسبب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي؛ فعمليات البيع بالجنيه الإسترليني، وتراجع توقعات النمو، والحديث في بعض الأماكن عن الإصلاح والتغيير، كان كله سيحدث سواء تم التصويت بالخروج أم لا.

ما زالت مشكلة المملكة المتحدة هي العجز المزدوج، الذي تعانيه، ألا وهو العجز المزمن في الميزانية، والعجز في الحسابات الجارية.

وكانت آخر مرة ملكت في المملكة المتحدة فائضاً في حساباتها الجارية هي في السنة، التي فازت بها إيطاليا بكأس العالم في إسبانيا، وكان الهداف الأول فيها هو باولو روسّي: أجل، لقد كان ذلك عام 1982.

كما تشكو المملكة المتحدة من أقل مستويات الإنتاج من بين الدول السبع العظمى إلى جانب اليابان. نعم، إن المملكة المتحدة بحاجة ماسة إلى جنيه إسترليني ذي قيمة أقل.

وإذا كان ثمة دلالة يمكن استقاؤها من أزمة آلية سعر الصرف الأوروبية التي وقعت عام 1992، فإن ما يمكن توقعه للمملكة المتحدة، هو المزيد من الوظائفن وجنيه إسترليني أقوىن كما هو واضح في الشكل أدناه المأخوذ من بحث ممتاز صادر عن بنك سوسيتيه جنرال.

ومن السذاجة أن نتوقع بأن هذه التقلبات السياسية المتصاعدة ستؤدي فقط إلى تغييرات إيجابية، لكننا لا ننسى أيضاً أن التباطؤ الاقتصادي كان قد بدأ في المملكة المتحدة وأوروبا قبل مفاجأة التصويت لمصلحة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

إن هذا التغيير المطلوب، الذي أشارت إليه أصوات الناخبين سوف يأتي لا محالة، لكن صانعي السياسات والبنوك المركزية سيحاولون إقناعنا وللمرة الأخيرة بنموذج اقتصادي قائم على تدخل أكثر والتزام أقل بمعاهدة الاتحاد الأوروبي والقوانين الاقتصادية:

وللذين نسوا ما درسوه في الجامعة من علوم الاقتصاد: أقدم لكم فيما يلي خلاصة ما درستموه:

إن المحركات الحقيقية للنمو هي الإنتاجية والعوامل الديمغرافية والأبحاث والتعليم الأساسي، وأقل قدر ممكن من الرقابة والتدخل (بدون السياسات الكلية، لو سمحتم).

ولا بد أن يكون كل هذا مدعوماً بنموذج سوق يتم فيه تخصيص رأس المال لأعلى هوامش ربحية (هذه القاعدة ومعها مبدأ المراكمة هو كل ما تحتاجون فهمه في علم الاقتصاد).

وأخيراً، أن يتم تعزيز كل هذا بدستور يجعل النظام القانوني مستقلاً عن الحكومة، ومبنياً على احترام حقوق الملكية وحقوق الإنسان وحرية التعبير.

والأسهل من هذا كله، دعوني أسألكم، كم دولة من دول العالم اليوم تحمل هذه الصفات؟ هناك عدد قليل يمكنني أن أحصيه.

إن صانعي السياسات الكلية اليوم هم أشبه بوزير الإعلام العراقي، الذي أعلن على البث المباشر أثناء اجتياح العراق عام 2003 بأن العراق وصدام حسين انتصرا على قوات الناتو، بينما كنا نشاهد تقدم القوات الأميركية على الشاشة خلفه.

وكان رد الفعل الأولي، الذي صدر عن الاتحاد الأوروبي هو "الحزن" مع أسلوب الحديث المطابق لأسلوب نشر الذعر المتبع ما قبل التصويت.

ثقوا بي عندما أقول لكم أن الجميع سيبحث عن سياسات أكثر مرونة وسياسات مفتوحة في الحديث مع المملكة المتحدة بحلول نهاية الأسبوع المقبل.

لقد لاحظت أن الأب الروحي للاتحاد الأوروبي المستشار السابق هيلموت كول خرج في الإعلام الألماني صباح اليوم "أمس" ينادي بما قلت تماماً: كول يطالب بمنح أوروبا مساحة للتنفس.

ستكون المملكة المتحدة الدولة الأوروبية الأكثر تعداداً سكانياً بحلول عام 2030، ولديها أكبر قوة عسكرية، وأعلى تركيز من الأسواق المالية والموهبة خارج الولايات المتحدة – كما أن المملكة المتحدة تدير عجزاً هائلاً مع أوروبا، وبالتالي، إذا كان القادة الأوروبيون يطمحون إلى وجود أوروبا/حلف الناتو/الاتحاد الأوروبي بدون مشاركة فعالة من الجيش والأسواق المالية والطلب الاستهلاكي والعجز البريطاني، فأنا أقول لهم استمروا بالبكاء كما الأطفال.

الرد القادم لصانعي السياسات الكلية سيكون من ثلاثة مسارات:

1. العودة إلى السياسات الكلية لعام 2009.

2. سيحاول الاتحاد الأوروبي إقناع العالم بالمضي قدماً، لكن الاختلاف العميق ما بين ألمانيا وفرنسا حول مستقبل الاتحاد الأوروبي سيجعل ذلك مستحيلاً.

3. ألمانيا تريد عمل إصلاحات في ألمانيا لإفساح المجال أمام المزيد من التوحد، بينما ترغب فرنسا بتجاوز جميع الإصلاحات وتأسيس دولة أوروبية عظمى ثم العودة إلى الإصلاحات من هناك.

وشتّان ما بين الموقفين... فقد أدى ذلك إلى ترك المجال مفتوحاً أمام مجموعة متنوعة من الصفقات والمضاربة، حيث الأرجح أن يتمكن رئيس الوزراء الإيطالي ماتيو رينزي من تنفيذ إجراءات دعم الدولة للبنوك "لأنه إن لم يفعل، فسوف تتعرض أوروبا للهجوم"، بينما ستفلت اليونان من مسؤولياتها مجدداً، وستتمكن فرنسا وكلوب ميد من توسعة العجز مرة أخرى ليس فقط بما يزيد على 3 في المئة، لكن إلى ما لا نهاية تقريباً.

أجل، سوف تتم إعادة ما حدث بعد الانهيار في مارس 2009 تماماً.

المشكلة... نحن متخمون بمعدلات الفائدة المنخفضة والتسهيلات الكمية، فما نسبته 75 في المئة من كافة التسهيلات الكمية يذهب للحفاظ على معدل الديون الحالي كما هو، ولأن هذه هي الأولوية الأولى، فلا مجال أو فرصة لعودة النفقات الرأسمالية والنمو، لقد قمنا ببساطة بإقصاء الاستثمار والإنتاجية بمحاولاتنا لشراء المزيد من الوقت.

سوف يتجه الاحتياطي الفدرالي المتشدد وغيره من البنوك المركزية بشكل أعمق نحو العوائد السلبية.

فقد استهل الاحتياطي الفدرالي العام بأن وعدنا، دون ضمانات، أنه سوف يرفع معدلات الفائدة ما بين 3 إلى 5 أضعاف خلال عام 2016.

ويعتقد السوق الآن أن فرصة حدوث تخفيض هي في الحقيقة أعلى من فرصة الزيادة في المرة المقبلة، التي يتحرك فيها الاحتياطي الفدرالي. وفي خضم ذلك، فقد أصبح بالإمكان التنبؤ بتحركات الاحتياطي الفدرالي (لا تستمعوا إلى ما سيقول إنه سيفعله، بل تصرفوا على أساس ما يقوم به فعلاً وهو في الغالب لا شيء) وفقد ما تبقى له من مصداقية.

لن يقوم الاحتياطي الفدرالي برفع معدلات الفائدة خلال عام 2016، وقد أصبحت احتمالات الركود أرجح بنسبة 60 في المئة، حيث يستمر مؤشر سوق العمل التابع للاحتياطي الفدرالي بالهبوط جاراً وراءه المؤشر الرئيسي لمجلس المؤتمرات.

كما أشار زميلي بيتر جارنري هذا الأسبوع، فإن عوائد الشركات الأميركية وصلت أقل معدل لها منذ عام 2005. بمعنى أن الولايات المتحدة ستكون محظوظة إذا ما تمكنت من تحقيق نمو بنسبة 1.5 في المئة هذا العام، ونحن سنشهد على الأرجح المزيد من السلبيات، إذا ما فشلت محاولات السياسات الكلية المذكورة أعلاه أو تأخرت أو تم تخفيفها بسبب المساومات المعتادة.

ستين جاكوبسن | Steen Jakobsen

* كبير الاقتصاديين ورئيس شؤون المعلومات لدى "ساكسوبنك"