صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3935

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

المقاطعة والمشاركة ما بين اللعبة السياسية والنضال المبدئي

  • 03-06-2016

انشغلت الساحة مؤخراً في الحديث عن قرار الحركة الدستورية الإسلامية "حدس" بالمشاركة في الانتخابات القادمة، ولذلك أود أن أتحدث بعض الشيء حول الموضوع، علما أن تناولي لموقف "حدس" سيكون مجرد نقطة ارتكاز لأقفز منها نحو بسط نقاط أخرى أراها أكثر جدارة بالنظر.

لابد أولا أن نضع الفكرة التالية على طاولة النقاش، هل المقاطعة وعدم المشاركة في الانتخابات قد جاءت بناء على أساس مبدئي؟ مثلا، "لأننا نرفض الحكم الفردي، ولأن أبناءنا في السجون ولأن الوطنيين في المحاكم عليهم قضايا، ولأنه تمت إهانتنا أكثر من مرة، ولأن السلطة لا تحترم خيار الأمة... ولأننا سنفرض خيارنا بإذن الله... وأنه لو أعيدت الانتخابات عشرين مرة فسنقاطع عشرين مرة"، وأنا هنا أستعير كلمات النائب السابق العزيز د. جمعان الحربش، أم أن المقاطعة كانت مجرد خطوة تكتيكية في ذلك الوقت، ظننا أنها ستؤدي الغرض فتجبر السلطة على النزول عندما نريد، وأثبتت التجربة فشل ذلك وقصر نظرتنا، وحان الوقت للقيام بخطوة تكتيكية أخرى غيرها لعلها تؤدي الغرض؟!

الإجابة عن هذا السؤال مهمة جدا لبناء موقف من مسألة المقاطعة والمشاركة. من يأخذ بالرأي الأول فليس له أن يشارك اليوم تحت أي ذريعة، فلا شيء مما قد حصل بالأمس تغير اليوم، بل صار الوضع أكثر سوءا وأشد استحقاقا للمقاطعة ورفض المشاركة في هذه المسرحية الديمقراطية الزائفة التي لا تزال مستمرة، وأما من يأخذ بالرأي الثاني، فله موضوعيا وبلا تردد، أن يغير تكتيكه ويجرب حظه بالطرق الأخرى، لعلها توصله لما يريد الوصول إليه.

بطبيعة الحال، أغلب من غيروا موقفهم وانتقلوا اليوم، أو سينتقلون- وهؤلاء بالمناسبة سيتقاطرون- من فصيل المقاطعة إلى فصيل المشاركة، يصعب عليهم مواجهة هذه الفكرة، أعني الإقرار بأن خيار المقاطعة كان خيارا تكتيكيا لا موقفا مبدئيا، لأن القول بهذا سيظهرهم في مظهر الضعيف الذي انكسر ونزل راغما عند خيار السلطة، أو المتقلب الذي لا يزال لا يعرف ماذا يريد، أيقاطع أم يشارك. وهذا غير صحيح تماما، فالأمر أبسط من ذلك، وكل ما يتطلبه الأمر ممن يريد المشاركة الآن أن يكون صريحا وشفافا في مكاشفة ناخبيه وجمهوره ويعترف بأن المسألة عنده في النهاية ليست سوى لعبة سياسية فيها مكسب وخسارة وتقدم وتراجع، وللاعبين استخدام كل الأدوات المتاحة للكسب والتقدم، وأن المشاركة هي أفضل أداة وفقا لحساباته اليوم.

لكن على العكس من هذا، فالتبرير الذي يستخدمه المتحولون اليوم من خانة المقاطعة إلى خانة المشاركة هو القول بأنهم سيسعون إلى الإصلاح من الداخل، والتحرك لتغيير الواقع السيئ من خلال الأدوات البرلمانية المتاحة على ضآلتها، وأن هذا الخيار أفضل من خيار المقاطعة، والاكتفاء بالجلوس في البيت كما يزعمون.

هذا الكلام، ليس سوى تبرير أجوف، ليس له حاجة في حقيقة الأمر؛ لأنه وكما ذكرت، لو كانت المقاطعة قد قامت على أساس مبدئي لاستلزم الأمر موضوعيا ألا يتبعها "جلوس في البيت"، وإنما مواجهة كل ما ذكره العزيز د. جمعان الحربش في خطبته النارية التي اقتطعت منها الكلمات الجزلة أعلاه- وهي موجودة كاملة في الإنترنت لمن يرغب في مشاهدتها- أقول مواجهة كل الفساد بعشرات الأدوات السلمية المتاحة، والتي كانت ستشكل ضغطا وقلقا وإزعاجا للسلطة طوال المدة الماضية، لعلها كانت ستغير من خريطة الواقع، لكن المقاطعين لم يفعلوا ذلك، بل انفرط عقد تضامنهم وغابت قيادتهم، فالتزموا في غالبهم الصمت واختاروا الانكفاء والانزواء. أضف إلى ذلك أن فكرة الإصلاح من الداخل قد ثبت فشلها على مذبح التجربة الحية لسنوات طويلة من عمر الواقع السياسي الكويتي.

من حق "حدس" أن تقرر المشاركة اليوم، فهي في نهاية المطاف حزب سياسي، له مصالحه ومكتسباته السياسية والاقتصادية والإدارية التي تمكن من جمعها وتكوينها وبنائها عبر سنوات طويلة من خلال بذل الكثير من الجهد والوقت والمال وعبر اتخاذ عشرات المواقف والمناورات السياسية، وخسر اليوم الكثير الكثير منها خلال فترة المقاطعة. كل حزب سياسي في موقع "حدس" لابد أن يحسبها على هذا الميزان التكتيكي، وأن يفكر جديا بخيار المشاركة في الانتخابات، إن كان يريد أن "يلعب سياسة" بشكل صحيح كما يقولون.

وأما اتخاذ الموقف المبدئي الرافض للمشاركة والمقاطع لكل عبث السلطة واستفرادها، فهو موقف نضالي بحت، لا تحتمل دفع ضريبته الأحزاب السياسية على شاكلة "حدس" الرازحة تحت وطأة تلك الحمولة الضخمة من المصالح والارتباطات المتداخلة في الواقع الاقتصادي والإداري الكويتي. الفكرة النضالية هي فكرة الأفراد والتيارات التي لا تخيفها فكرة بذل التضحيات والصبر على مشقة انتظار قطف الثمرة ولو بعد حين.

كلمة أخيرة، وهي ضرورة أن نفرق بين موقف د. جمعان الحربش كشخص، أعرفه عن كثب ولا أشكك في مصداقيته ونقاء مواقفه النضالية وإيمانه المبدئي، وموقف "حدس" كحزب سياسي. ما قاله د. الحربش في خطاباته من عبارات مبدئية كانت تمثله ولا تمثل "حدس"، في قناعتي، ما يمثل "حدس" هو بالضبط ما قاله أمينها العام المهندس محمد العليم، بأن قرارها بالمشاركة كان وبالأغلبية المريحة على حد تعبيره، فالمسألة عند "حدس" تكتيك سياسي تقتضيه المرحلة الحالية، وهذا ما تفعله الأحزاب السياسية في كل مكان.