صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3955

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

سورية النكبة والجراح

  • 09-04-2016

وبي مما رمتكِ به الليالي

جراحاتٌ لها في القلب عمق.

(أحمد شوقي)

هل يجرؤ أحد من قادة المعارضة السورية على اقتحام المنطقة التي سيطر عليها الأكراد في شمال شرق سورية وينهر أحداً من قادتهم هناك بالقول "شو عم تعمل هون ولاه؟"، ذلك أن عشرات الآلاف من السوريين قتلوا وشرد منهم الملايين إلى خارج سورية ثمناً لاستئثار الأكراد بمناطق تل أبيض وعين العرب وقامشلي والحسكة من سورية، وطرد السكان العرب والتركمان من منازلهم، ثم هدمها بعد ذلك في عملية تطهير عرقي متعمدة تمهيدا لإعلانها وطنا كرديا منفصلا عن بقية أجزاء الوطن السوري كإحدى بشائر النصر الذي أحرزته المعارضة السورية بعد خمس سنوات من الثورة ضد النظام الحاكم.

هذه المحصلة الأولية التي تمخضت عنها المعارضة المسلحة تجعلنا نتساءل عما إذا كانت مصادفة أم سبق تحضير وترتيب أن تتعسكر المعارضة السورية، وتتقلد أسلحة ليست بذات فتك، فتستفز النظام الحاكم ليواجهها بما لديه من أسلحة تفوق ما لديها فتكا وتدميرا؟ هل يعقل أن تحدث الأحداث بهذه الوتيرة التي شاهدناها بمجرد مصادفة حملت بعض الصبية على التظاهر برغبة الشعب في إسقاط النظام؟ وهل ثار السوريون حقا لتمكين قومية ما كانت لتجرؤ على الهمس قولاً من تنفيذ ما تطبقه فعلاً على الأرض وبما يمزق وحدة الوطن؟

هل يراد لنا أن نصدق أن السيد ديميستورا ومن هم في مستواه في الأمم المتحدة لم تتم تهيئتهم لتأدية دور الوساطة قبل اندلاع الأحداث في سورية؟ وهل يعقل أن يكون قادة المعارضة على هذه الدرجة من السذاجة والجهل بحقائق الأمور حتى يقدموا على منازلة الجيش السوري المحترف بما لديهم من سلاح خفيف، وهم الأساتذة والوزراء المتعلمون تعليما راقيا والسفراء والقادة العسكريون الخبراء؟

إنها لمسرحية لا تنطلي أحداث فصولها على المتفرج، وبخاصة الذي استعرض أحداث التاريخ، وما كان يتبع من حيل وألاعيب لا تتضح حقيقتها إلا بعد مضي حقب من الدهر، حيث لا ينفع ساعتها الندم.

سورية والعراق وتركيا، دولتان عربيتان وثالثة إسلامية، من أكثر الدول تقدما علميا وحضاريا، ومن أكثر دول المنطقة غنى واكتفاء بذاتها، تعرضت اثنتان منها وتتعرض الثالثة لعمليات تحطيم ممنهجة، تآزر الغرب والشرق على عدم التفريق بين ما هو عربي منها وما هو مسلم، فدعاة التحطيم يعتبرون الإسلام والعروبة صنوين لا يفترقان، ولأن هذه الدول امتلكت أسباب العلم والمعرفة ولأنها تلمست طريقها إلى العالمية فقد وجب إيقاف مسيرتها حتى لو تطلب ذلك تدميرها.

إننا ننفي عن أركان المعارضة السورية صفة الجهل والتسطح، وإننا إذ نفعل ذلك فإننا نقترب من وصمهم بما سبق أن وصمنا به أركان المعارضة العراقية لحزب البعث الذين امتطوا صهوة القوة الغاشمة لأميركا لتحقيق رغبتهم في اعتلاء سدة الحكم، التي كانت راغبة في تحطيم العراق، فزادوها خبالاً وتصميما على التحطيم، ولم تعدم الوسيلة لانتحال الأسباب التي أوجبت مهاجمته، وهي أسباب وعيها العالم ولكن بعد فوات الأوان، ولأنها جلبت معها الذين لا همّ لهم إلا امتلاك القرار في العراق، فقد فوجئت بالخراب الذي أحدثه هؤلاء بعد توليهم زمام الأمور فيه، ولعل ما يحدث في سورية، من تجزئة كمقدمة، مشابه لما حدث في العراق، فقد رأينا كيف بسط المكون الكردي سيطرته على الأرض في حين انهمك أكبر مكونين من الشعب السوري (العربي السني والعربي العلوي) في صراع مشابه للصراع الذي انهمك فيه أكبر مكونين من الشعب العراقي (العربي السني والعربي الشيعي) في صراع لا يكاد يسفر عن نهاية قريبة، في حين التهم المكون الكردي ولا يزال يلتهم الأرض العراقية.

لقد صدقت أميركا ولكن مع الأكراد فأمدتهم بسلاح بخلت بمثله على العرب؛ مما رجح كفتهم كفصيل يسعى إلى الانفصال عن سورية، وإمعانا منها في صدقها غضت النظر عن تسريبهم لسلاحها إلى أكراد تركيا، فهي وإن كانت حليفتها في "الناتو" إلا أنها تضمر قتلها وإجهاض نهضتها.

وصدقت موسكو ولكن مع النظام السوري فأمدته بما يشد من أزره ضد جيوش المعارضة السنية، وقبضت هي الثمن، الذي تمثل في ضمان استمرار قواعدها في بانياس واللاذقية وطرطوس موطن العلويين المحاذي للأرض التركية ذات الأغلبية العلوية، ولأغراض في نفسها ستبديها قوادم الأيام. لقد توقف القتال في معظمه على الأرض السورية، إلا ضد جبهة النصرة وتنظيم الدولة، وهذان الفصيلان ليسا في منطقة سيطرة الأكراد؛ مما يتيح لهم التحرك والعمل بحرية مطلقة، وسلم تنظيم الدولة مدينتي تدمر والقريتين إلى النظام السوري في مشهد تمثيلي سيئ الإخراج، فأعطى النظام دفقاً مهماً لأي جولة مفاوضات في وقت تأهبت فيه المعارضة العربية السنية للتسليم بما يقرره الأكراد والنظام السوري اللذان حسمت قواتهما الأوضاع العسكرية، ذلك أن المفاوضات بين الفرقاء المتخاصمين غالباً ما تخط سطورها ويملي بنودها الدبابة والمدفع.