صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3956

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

يا تركي احترس

  • 26-03-2016

ما لم تحصل عليه روسيا القيصرية عام 1918 تحاول روسيا الاتحادية الحصول عليه عام 2016، وذلك أن الثورة الشيوعية عام 1917 وعملية الكشف عن تواطؤ الحكومة القيصرية مع بريطانيا وفرنسا حول اتفاقية "سايكس بيكو" حالتا دون مواصلة روسيا حربها ضد ألمانيا وتركيا؛ مما شكل مبررا لحرمانها حصتها في تركة الخلافة العثمانية، فلم تستولِ على إسطنبول ومضيقي البوسفور والدردنيل بعد هزيمة تركيا في الحرب العالمية الأولى.

روسيا فلاديمير بوتين ليست روسيا نيكيتا خرتشوف في خمسينيات القرن الماضي، إنها (باستثناء ضمها لشبه جزيرة القرم وعملياتها العسكرية في منطقة بحر أزوف) روسيا التوسع والاحتلال التي تسعى إلى اللحاق بنظيراتها الغربيات (أميركا، بريطانيا، فرنسا) في بسط هيمنتها العسكرية خدمة لأغراضها الاقتصادية، فقد خلصت إلى أن المبادئ والقيم لا تصلح الاعوجاج، فالاقتصاد الروسي يواجه الضعف والانحدار، مما يحتم استخدام القوة العسكرية لإنعاشه، وهو الذي اعتمد في معظمه على الحروب، فلا مناص من الاحتلال وخوض المعارك لاستعراض السلاح وترويج بيعه.

إن اقتحام روسيا للميدان السوري لا يهدف إلى تخفيف الضغوط عليها من جراء عملياتها العسكرية في جنوب شرق أوروبا كما اعتقد البعض، ذلك أن لديها ما يثني الغرب عن مضايقتها هناك، فهي تنتج الغاز وتتحكم في تصديره لأوروبا وتشتري من بعض دولها ما يحملها على التضحية بأوكرانيا، ففرنسا رفضت مقاطعتها بسبب بيعها فرقاطتيها المتطورتين قبل قرار الغرب بمقاطعتها اقتصادياً.

 إن رغبة روسيا في الإطلالة على المياه الدافئة للبحر الأبيض المتوسط هو الهدف الثاني وراء الولوج المفاجئ في الساحة السورية، وهذا العمل هو الذي يسم أعمالها بالعدوانية والاحتلال، فقد اختارت أن تقيم قواعدها الجوية والبحرية على السواحل السورية، وزجت بثقلها العسكري إلى جانب قوات النظام السوري حماية له، غير عابئة بما يحدثه تدخلها من دمار للوطن السوري من قتل وتشريد لشعب هذا الوطن العربي، وهي في هذا العمل تحاكي ما تفعله نظيراتها الغربيات، ولا شيء يهم ما دامت أهداف هذا التدخل واحدة، وهي ضرب وتصفية العمل الإرهابي على الأرض السورية ظاهرياً، ولكنها في الخفاء تتناغم وطروحات الولايات المتحدة في تقسيم سورية، وإن كانت تختلف معها في النهج والتوجه، ففي حين ترغب واشنطن في تقسيم يتم على أساس قومي فينشأ وطن لأكراد سورية، وثان لعربها، وثالث لتركمانها، نجد أن موسكو تهدف إلى التقسيم على أساس طائفي، فيخلق وطنا للعلويين، وثانيا للسنّة، وثالثا للدروز.

أما الهدف الثالث الذي تجاهد روسيا لإخفائه، والذي يكشف عنه نوعية التقسيم الذي تطرحه، فهو ما عاودها من رغبة في أن تنال حصتها التي حرمتها منها ثورتها الشيوعية، وإن تأخرت مئة عام، ذلك أنها تقترب من جسد الضحية المستهدفة اقتراب المتوجس الحذر، فتقيم قواعدها العسكرية في مناطق متاخمة للواء الإسكندرونة (سنجق آتاي) ذي الأغلبية العلوية، وهنا تتضح النوايا، فمثلما يحق لأكراد سورية وتركيا والعراق الانصهار في بوتقة الوطن الكردي الواحد فإنه يحق للعلويين في سورية وتركيا الانصهار في بوتقة الوطن ذي الصبغة العلوية، والذي أقيمت على أرضه القواعد العسكرية الروسية، فتنقلب الأوضاع.

 وبما أن تركيا شكلت الطوق الجنوبي لحلف الناتو حول الدولة الروسية فإن هذا الطوق يمكن أن يحيط بتركيا، حيث تحدها روسيا شمالا وقواعدها على أرض الدولة العلوية جنوبا، وفي زمن تحولت فيه روسيا عن النظام الشيوعي الذي استوجب مواجهتها، ولم يعد الاتحاد السوفياتي قائما فتتم الاستعانة بتركيا لتطويقه، ولأن واشنطن لا تحفظ عهدا لخليل قضت منه أوطارها (أين حلف بغداد؟ وماذا حل بحاضنته العراق على يد أميركا؟) ولأن الأكراد أصبحوا في خانة الحلفاء الذين يقاتلون تنظيم الدولة الإسلامية المتشدد سنياً، ولأن قواعد اللعبة تقتضي التغيير، فمن كان لدوداً في عداوته أصبح حميماً في صداقته، ولأن تركيا تمتد بإسلامها السني إلى داخل أوروبا المسيحية (إسطنبول) التي ندمت على إنشاء دولة لمسلمي البوسنة على حساب يوغسلافيا المسيحية، ولأن بريطانيا وفرنسا عندما حاكتا مؤامرة "سايكس بيكو" ضد تركيا كانتا اللاعبين الرئيسين في عالم سياسة الأمس المنصرم، ولأن أميركا وروسيا اللاعبان الرئيسان في عالم سياسة الزمن الراهن، فيا تركي احترس!!