صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3901

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

الثوار الإيرانيون يتبعون النموذج الصيني

  • 24-01-2016

لتوقيع الإتفاق النووي كان على إيران الاستجابة لما يلي: وقف 12 ألف جهاز طرد مركزي عن العمل، وشحن 98% من اليورانيوم الإيراني المخصب إلى خارج البلاد، وإزالة قلب مفاعل الماء الثقيل الإيراني في أراك وملئه بالأسمنت، والسماح لمفتشي الأمم المتحدة بالتحقق من كل المنشآت النووية الإيرانية طوال سنوات كثيرة مقبلة.

هل يُعتبر آية الله علي خامنئي، القائد الأعلى للجمهورية الإسلامية، ثورياً بالاسم فحسب؟ لا بد من أن هذا ما يتردد بصوت خافت في ثكنات حرس الثورة الإيرانية اليوم، صحيح أن الصقور الأميركيين يقولون إننا قدمنا الكثير لطهران، ولكن لنتأمل ما وافق عليه آية الله:

أعطى الأسبوع الماضي بركته لعودة عشرة بحارة أميركيين دخلوا المياه الإيرانية بعد ساعات من اعتقالهم، كذلك حرر أربعة أميركيين مدانين بتهمة التجسس، ووافق بشكل نهائي على صفقة نووية تشكل إذلالاً وطنياً.

بطلب من الولايات المتحدة ومجلس الأمن بغية التأكد من أن إيران ما كانت تكذب عندما قالت إنها لا تملك برنامجاً نووياً عسكرياً (تأكيد دعمه 16 جهاز استخبارات "بسرية عالية" عام 2007)، كان على آية الله الاستجابة للمطالب التالية:

وقف 12 ألف جهاز طرد مركزي عن العمل، بما فيها تلك الأجهزة المتطورة في فوردو، وشحن 98% من اليورانيوم الإيراني المخصب إلى خارج البلاد، وإزالة قلب مفاعل الماء الثقيل الإيراني في أراك وملئه بالأسمنت، والسماح لمفتشي الأمم المتحدة بالتحقق من كل المنشآت النووي الإيرانية طوال سنوات كثيرة مقبلة.

تعامل القوى العظمى إيران كما لو أنها مجرم سابق حصل على إطلاق سراح مشروط، ومن الضروري مراقبته ووضع سوار حول كاحله.

لمَ قبل آية الله بهذه المطالب؟

يأتي الرد: للحصول على 100 مليار دولار، لكن المال الذي تحصل عليه إيران يعود إليها في المقام الأول، ولا يشكل مساعدة خارجية، فقد جُمدت هذه الأموال إلى أن تقبل إيران بالشروط، وقد نجحت العقوبات في تحقيق الغاية منها.

ثمة سبب آخر دفع طهران إلى الرضوخ، وهو عندما أعلنت إيران أنها لا تملك برنامج قنبلة نووية، كانت صادقة، ونتيجة لذلك باتت مصداقية متهمي إيران، وكثيرون منهم ينتمون إلى المجموعة عينها التي ضللتنا وكذبت علينا حين أكدت أن العراق يملك أسلحة دمار شامل، معرضة اليوم للشك.

على متهمي إيران أن يقدموا أدلتهم، إن وجدت، على أن إيران امتلكت أو ما زالت تملك برنامج قنبلة نووية، وإلا فعليهم أن يسكتوا ويكفوا عن الكذب، ودفع الولايات المتحدة نحو حرب ستوقعنا تحت دين يبلغ تريليون دولار إضافية، تعرضنا للذل، وتكبدنا آلافاً إضافية من المحاربين القتلى والجرحى.

رغم ذلك، إن كانت إيران لا تملك برنامج قنبلة نووية، فعلينا أن نسأل: لمَ لا؟ ويفرض الجواب ذاته: لأن إيران استنتجت قبل سنوات أن قنبلة ذرية ستحد من أمنها عوض أن تعززه، فما إن تختبر إيران القنبلة حتى ينطلق سباق تسلح نووي في الشرق الأوسط مع دخول السعوديين، والأتراك، والمصريين هذه المنافسة.

بالإضافة إلى ذلك، ستعد إسرائيل ترسانتها النووية للانطلاق، والأكثر خطورة بالنسبة إلى إيران أنها ستجد نفسها في مواجهة مع الولايات المتحدة بحد ذاتها.

ولكن مهما بلغت الكراهية التي يكنها لنا آيات الله فهم ليسوا أغبياء، بل يدركون أن حرباً مع الولايات المتحدة ستترك بلدهم في حالة شبيهة بما نراه في العراق، وأفغانستان، وليبيا، أي محطماً ومسحوقاً، إذ بات العراق اليوم مقسماً بين السنّة، والشيعة، والعرب، وعلى نحو مماثل قد تتحول إيران بعد حرب مع الولايات المتحدة إلى أرض مجزأة بين الفرس، والعرب، والبلوش، والأكراد، والأذر المتحاربين.

صحيح أن الحرب مع الولايات المتحدة قد تشكل كارثة بالنسبة إلى إيران، لكن تحسن العلاقات مع واشنطن قد يساهم في إحلال فترة سلام تسمح لهذه الأمة الكبرى على الخليج العربي مع 80 مليون نسمة، بعد أن تحولت اليوم إلى حليف لخمصها القديم العراق، ببسط نفوذها في منطقة الخليج، مما يعيدنا إلى الخميني.

بالنظر إلى أعماله، يبدو أنه بارك سلوك إيران الدرب ذاته الذي سار عليه دينغ شياو بينغ قبل نحو أربعة عقود،

فبعد موت ماو لاحظ دينغ أن الصين تعاني تخلف اقتصادها في عالم مزدهر تقوده الولايات المتحدة برئاسة ريغان ودولة يابانية في تقدم مستمر، وبغية إنقاذ الشيوعية قرر دينغ اعتناق رأسمالية الدولة، وبما أنه لا جديد تحت الشمس اتبع الخميني دينغ نموذجاً.

في عام 1921، عقب هزيمة روسيا النكراء في الحرب العالمية وسفك الدم الناجم عن الحرب الأهلية بين "الحمر" و"البيض"، لاحظ لينين أن ثورة ناشئة ضد البلاشفة تهدد نظامه، فتخلى عن "شيوعية الحرب" وتبنى سياسة اقتصادية جديدة، ففتح روسيا أمام المستثمرين الغربيين، مطمئناً في الوقت عينه الرفاق إلى أن الرأسماليين "سيبيعوننا الحبل الذي سنشنقهم به".

على نحو مماثل، يبدو أن النظام الإيراني استنتج أن الدرب إلى القوة واستمرارية النظام لا يقوم على خوض صراع ضد الولايات المتحدة، بل تفادي الصراع واتباع الدرب ذاته كما الصين، فوصف الرئيس حسن روحاني، الذي يعتبر أيضاً أن مستقبل إيران يكون أكثر أماناً بحل المسألة النووية ومواصلة التعامل مع الغرب، انتصاره أمام المجلس الإيراني، قائلاً: "الجميع سعداء باستثناء الصهاينة، محبي الحرب، وزارعي الشقاق بين الأمم الإسلامية، والمتطرفين في الولايات المتحدة. أما الباقي فسعداء".

إن كانت الصفقة تخدم حقاً مصالح الولايات المتحدة وإيران، فمن مصلحة مَن تخريبها؟ ومَن يسعى إلى ذلك؟ ولمَ يريدون العودة إلى المواجهة وربما الحرب؟

* باتريك جي بوكانان