صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3569

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

الأغلبية الصامتة: فيالك من وطن مستباح

  • 25-09-2014

قصيدة خالدة كتبها شاعر كبير رحل عن هذه الدنيا، وترك لنا سيرة عطرة ومئات القصائد وذكريات لا تنسى في ديوانه، إنه المغفور له بإذن الله الأستاذ والمؤرخ والشاعر عبدالله زكريا الأنصاري (1922م– 2006م)، واليوم تذكرته وهو الذي لا ينسى، وأنا أتابع أخبار نفوق أسماك "الميد" وتذكرت قصيدته "ومات السمك".

الأنصاري ذو المزاج الهادئ شعر في أحد أيام عام 2001م بحنق شديد؛ لما أصاب بحر الكويت من مرض شديد قضى على جميع الأسماك، وطردها من أعماقه لتموت على شواطئه في لوحة حزينة مؤلمة كدرت الأنصاري وكل محبي البحر والصيد وتناول الأسماك، ليكتب قصيدته السمكية "ومات السمك" ويشحنها بكل علل الكويت في الإدارة والفساد، حتى إنه ليخيل لنا أنه كتب بياناً سياسياً ساخناً.

يقول الأنصاري مفتتحا قصيدته:

زمان تعدى وهذا زمن

وكلّ بأحداثه مرتهن

وعم الفساد وضج العباد

وزاد الدمار وفاح العفن

ونادى المنادي أين الصلاح

فإن التفسّخ سمّ البدن

فلا الميد ناجٍ ولا من علاج

فكيف التخلص من ذي المحن

فمات المزيزي مات البياح

ومات الزبيدي غالي الثمن

ومات السبيطي والمزلقان

وحتى الزمارير تحت السفن

وبعد أن نعى في أبيات لاحقة أسماكاً أخرى كالهامور والنويبي والصبور، أخذت القصيدة منحى جديداً تخلى فيه الأنصاري عن الظرف الجاذب إلى القصف المباشر لحالة تقاذف المسؤولية، وتضارب تقارير أسباب أزمة نفوق الأسماك بين الجهات المعنية.

فأين الرجال وأهل القرار

وأين التقارير راحت لمن؟

فكل تنحى وكل توارى

وكلّ تملص كل كمن

وكل تخفّى وكل تبرأ

كلّ تهاون ثم اطمأن؟!

وبعض تنكر ثم تغابى

أهذا جميل أهذا حسن؟

وبعض يدور وبعض يجور

وكل ينافق في ذا الزمن

وبعض يتمتم في قوله

وبعض تلكأ حتى حرن

ألا إنه سوء أفعالهم

وقبحٌ بأسرارهم والعلن

فما فيهم غير ليّ الكلام

وما فيهم غير نشر الفتن

ويختم الشاعر عبدالله زكريا الأنصاري قصيدته الخالدة "ومات السمك" بأبيات لم تكشف لي سوى عن أن شاعرنا المهموم بقضايا وطنه قد ادخرها ليوم اختاره هو، وعندما أتت المناسبة ختم بهذه الأبيات:

فيالك من وطن مستباح

ومن سمك مات بعد الوهن

فأين زمان طوته السنون

وراحت بآثاره والدمن

تولى بأصحابه الطيبين

وصرنا بحال تثير الشجن

لقد رحل شاعرنا الأنصاري عن دنيانا، وترك لنا هذه القصيدة المعبرة، وترك لي معها هذا السؤال: ما الذي كان سيكتبه لو كان معنا عن أزمة "الميد" الحالية؟ وما الأبيات التي ادخرها ليقولها في الوقت المناسب؟