صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3935

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

Still Alice داخل صراع الزهايمر

بالنسبة إلى معظم الممثلين الذين يؤدون أدواراً خيالية، يتعين عليهم البحث لفهم أبعاد الشخصية. لكن جوليان مور، خلال استعدادها لدورها الأخير كامرأة في منتصف العمر يشخص الأطباء إصابتها بالمراحل الأولى من مرض ألزهايمر.

اتصلت جوليان مور برئيس مؤسسة الزهايمر الوطنية، خضعت لمجموعة من الفحوص، ورافقت مرضى يعانون هذه الحالة.

وذكرت جوليان مور ذات صباح قبل بضعة أيام: {لم أرد أن تبدو الحالة عامة أو أكتفي بتقديم أداء عابر عن شخصية تعاني المرض. يعتقد الناس أن شخصية المريض تزول مع إصابته بداء ألزهايمر. لكن لاحظت أنها تبقى واضحة المعالم}.

لا تُعتبر الأمراض العصبية طارئة على عالم الأفلام. فقد حظينا بكمّ من الأفلام المماثلة التي تتناول أمراضاً كثيرة. ولكن من النادر أن نحظى بفيلم يروي القصة من وجهة نظر مريض ألزهايمر: زحف النسيان والإدراك أن المهام اليومية والكلمات تتحول إلى عملية غريبة غير منظمة.

دور قاسٍ

يتتبع فيلم Still Alice، الذي استوحاه المخرجان واش ويستمورلاند وريتشارد غلاتزر من رواية ليزا جينوفا (2007)، قصة الشخصية الرئيسة: بروفسورة ناجحة متخصصة في علم النفس في جامعة كولومبيا وأم لثلاثة أولاد بالغين. فنراها تصارع لتتمسك بحياتها السابقة بينما يزداد ذهنها تشوشاً. تحاول كتابة خطاب فيما تضيع الكلمات منها. تنسى ابنتها الممثلة (كريستن ستيوارت) في الكواليس خلال مشاركة هذه الأخيرة في مسرحية. كذلك تدوّن توجيهات لنفسها حين تضعف مقدراتها في المستقبل. وهكذا تنجح مور في دورها في Still Alice، الذي جعلها إحدى أبرز الممثلات المرشحات لجائزة أوسكار أفضل ممثلة رئيسة، في تصوير مدى قساوة هذا المرض من الداخل.

ولكن تبين أن هذا الإنجاز لم يكن سهلاً. فبعد قبولها بهذا الدور، حاولت مور أن تلتقي بأكبر عدد ممكن من المرضى، زيارة منازل جماعية وأشخاص نصحها بهم ناشطون في محاربة مرض ألزهايمر. تخبر ستيوارت، التي تشارك مور في مشاهدها الأكثر تأثيراً: {لم أقابل مطلقاً شخصاً يتجاهل الوجه التقني لما نقوم به ويحافظ، في الوقت عينه، على هذه الروح المتحررة والمفاجئة بالكامل}.

فيما التقت مور المرضى (من المؤسف أن الأصغر بينهم كان في سن الـ 49)، لاحظت أن ذكريات حياتهم قبل تشخيص المرض لا تزال تحاول الظهور. تقول: {كان أحد المرضى يعمل نادلاً في حانة في شارع ساكند أفينيو. وما زال يدعو الزوار للجلوس ويحاورهم كما لو أنه في الحانة. كذلك قابلت امرأة كانت عارضة أزياء. فراحت تريني عينات من ملابس مع أنها ما كانت تستطيع تذكرها كلها}.

تعمقت مور في شخصيتهم ولاحظت تفاصيل معبرة مماثلة لما يحدد حياة الإنسان، مع أننا قلما نرى هذه التفاصيل على الشاشة: كيف يتحدث المريض بعبارات عادية عن حياته السابقة ولا يطرح الأسئلة، كيف يواجه صعوبة في النظر إلى وجه شخص غريب مباشرة، وكيف يتحول قلم تلوين أصفر عريض إلى أداة أساسية بالنسبة إلى مريض الألزهايمر تحول دون قراءته المقطع عينه مراراً.

نتيجة لذلك، أضافت أجزاء إلى الأداء تعلمتها خلال بحثها وحذفت أخرى لم تتلاءم مع ملاحظاتها. توضح مور: {لم أرد أن أقوم بأي أمر في الفيلم لم أره في الواقع}.

قصة مدوية

تقبل ويستمورلاند وغلاتزر اقتراحات مور برحابة صدر لأن علاقة وثيقة جمعت بينهم. ففي عام 2013، سافر هذان المخرجان من لوس أنجلس إلى نيويورك ليقنعاها بقبول الدور. واكتسب هذا المشروع أهمية أكبر لأن غلاتزر (تجمعه بويستمورلاند علاقة زوجية) أصيب بتصلب جانبي ضموري وعانى تراجعاً خلال السنة الماضية. صحيح أن مرضه جسدي في جانبه الأكبر ومرض آليس عقلي، إلا أن قصة عن الإنقلاب المفاجئ والمستمر للحياة تصبح  قوية ومدوية بالنسبة إلى  المخرجَين.

شعرت مور بهذا الإلحاح. فبعدما أكدت لهما أنها ترغب في المشاركة في الفيلم، شجعت زميلها السابق في بطولة 30 Rock أليك بولدوين، الذي طلب منها أن تختار له فيلماً، على أداء دور زوج آليس الداعم إنما المعقد. طلبت بعد ذلك فترة إجازة من تصويرها سلسلة Hunger Games: Mockingjay في أتلانتا، حيث كانت تصور دورها بصفتها القائدة الثورية ألما كوين، وحصلت عليها. هكذا سافرت في مارس إلى نيويورك حيث تسكن، وصورت كامل فيلم Still Alice (تظهر في كل المشاهد الرئيسة تقريباً) بسرعة كبيرة في غضون ثلاثة أسابيع.

عُرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان الأفلام الدولي في تورنتو من دون أن يحظى بموزع أو يعلم معدوه إلى أين سينتهي به المطاف. فعندما تشارك في كمّ من الإنتاجات المستقلة، على غرار مور، لا تشكل الضمانات الطويلة الأمد جزءاً من الصفقة.

لكن العرض الأول في تورنتو حوّل الحضور إلى حشود مصفقة باكية. وفي غضون أيام، اشترت شركة Sony Pictures Classics الفيلم ووافقت على عرضه خلال الموسم الحالي. وبعد مرور ثمانية أسابيع على عرضه للمرة الأولى، تلقت مور جائزة غوثام لأفضل ممثلة رئيسة.

وعندما تكشف لجان غولدن غلوب ونقابة ممثلي الشاشة عن ترشيحاتها لأفضل ممثلة رئيسة، من المتوقع أن يرد اسمها بين المرشحات. كذلك يذكر معظم النقاد أنها لن تُرشح لجائزة الأوسكار فحسب، بل ستفوز بها أيضاً. وسيشكل هذا الفوز الأول بعد أربع ترشيحات خلال خمس سنوات قدمت فيها أبرز أدوارها بين عامَي 1998 و2003. تتحدث مور عن موسم الجوائز قائلة: «لست مميزة إلى حد تجاهل جوائز مماثلة. أتمنى لو أستطيع أن أقول ‘لا آبه’، لأنني آبه حقاً. أود الفوز بالجائزة بقدر أي ممثلة أخرى».

أداء مختلف

تخبر مور أنها أدركت أنها قدّمت أداء مختلفاً مع آليس، عندما اصطحبت زوجها المخرج بارت فروندليخ إلى عرض للفيلم سبق مهرجان تورنتو. بصوت يرتفع إلى مستوى تصله عندما تعبر عن عدم تصديقها ومفاجأتها: «سمعت ضجة بجواري في مرحلة ما، فسألت زوجي: ‘هل تبكي؟’. لم أصدق ذلك، علماً أنه لا يبكي بسهولة».

تتمتع مور بطابع جدي متواضع يخلو من أنماط السلوك المبتذلة التي تميز الممثلين عموماً. وقد ساعدت هذه الميزة مور، التي بلغت الرابعة والخمسين أخيراً، أن تتحول إلى أم، إذا جاز التعبير، لجيل من الممثلات الأصغر سناً.

في الوقت عينه، تشتهر مور في هوليوود بطبعها المشاكس. لكنها بدت للحظات متفاجئة بهذه الصفة، إلا أنها سارعت إلى إطلاق دعابة عن شعرها الأحمر وتابعت: «أعتقد أنني أعلق أهمية على التفاصيل. أحب التعمق ملياً في المسائل كافة. أتوقف عند أدق التفاصيل. لست واحدة من تلك الممثلات اللواتي يعتمدن على الحظ. إذا طرحت سؤالاً عن فيلم ما على شخص معني، وأجابني أنه لا يعلم. أسأله: {لمَ لا تعلم؟».

صحيح أنها أقرت بسعيها للفوز بدورها في فيلم Mockingjay لأنها أحبت التلميحات السياسية عندما حمل أولادها المراهقون الكتاب إلى المنزل، غير أنها أكدت أنها ستستمرّ في تبديل الأدوار والمشاركة في أفلام مستقلة، مؤدية أحياناً شخصيات صعبة. كذلك أشار صديقها المخرج تود هاينز (عمل مع مور في Far from Heaven، Safe، وI’m Not There) في رسالة إلكترونية إلى أن هذه الممثلة {لا تكترث مطلقاً بأن تحظى شخصياتها بالإعجاب. رغم ذلك، تقدم أدواراً لا يسعك إلا أن تتعاطف معها}.

تشكل آليس واحداً من أدوار كثيرة عن أناس يواجهون المصاعب، أو يدعوهم البعض {معذبين عاطفياً}. تقول مور ضاحكةً، مقرة بأنها تقرأ مواد يكتبها الناس: {أعتقد أن هذه العبارة ترد في صفحتي في موقع ويكيبيديا}. وتضيف: {لا أعلم إن كان هذا صحيحاً. لكني أحب أن أؤدي أدوار نساء يواجهن ظروف حياتهن}.

تتوقف قليلاً عن الكلام ثم تتابع: {ثمة عبارة لزادي سميث أسيء دوماً فهمها عن الناس الذين يقللون من شأن أفلام العائلة، لأنهم يعتبرونها أقل أهمية. ولكن ‘كيف ذلك وهي الروايات الأهم عن حياتنا؟’. أشعر أنني أؤدي أدوار أناس عاديين لهم علاقات. أحب هذه القصص وأفضلها على ما يشبه ‘يا للهول! لقد اكتشفت القارة القطبية الجنوبية...’. فهذه القصص ترتبط بأهل أناس ما. لا أحد يعيش حياة مثالية. وحياة كل فرد تُعتبر قصة مهمة}.