صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3902

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

غريزة القطيع!

  • 20-01-2015

أنت في طريقك إلى احتفال ما، في الخارج، أمام القاعة، رأيت عشرات الناس تنظر إلى الأعلى، غالبا وبدون تفكير، ستنظر إلى الأعلى أيضا. لماذا؟ إنه شيء يسميه علماء النفس "الدليل المجتمعي"، تدخل إلى الحفل، وأثناء خطاب أحد المتحدثين، يشرع الحضور بالتصفيق، غالبا وبدون تفكير أيضا، ستصفق كذلك. لماذا؟ الدليل المجتمعي مجدداً.

يطلق على الدليل المجتمعي تسمية دارجة، قاسية بعض الشيء، هي عقلية أو سلوك أو غريزة "القطيع". هذا المصطلح يطلق على سلوك الأفراد عند قيامهم باتباع سلوك الجماعة التي ينتمون إليها دون كثير من التفكير أو التخطيط، ويعزى السبب في ذلك إلى أن الفرد يشعر أنه يتصرف بشكل صحيح طالما أن الجماعة، أو أكبر عدد ممكن من الأفراد، يتصرفون كذلك.

أجرى عالم النفس الأميركي الشهير "سولومون آش"، في الخمسينيات من القرن الماضي، تجربة مثيرة لدراسة نظرية الدليل المجتمعي، أو ما يسمى أحيانا، بالإضافة إلى المصطلحات المرتبطة بالقطيع، "ضغط الأقران"، عُرِضت ورقة مرسوم فيها خط عمودي على شخص، وبجانب الخط العمودي ثلاثة خطوط أخرى، حيث كان الخط رقم واحد أطول من الخط الأساسي، ورقم اثنين أقصر ورقم ثلاثة بنفس الطول، وجرى سؤال الشخص عن أي الخطوط يماثل طول الخط الأساسي. أظهرت التجربة أن كل الأشخاص الذين تم اختبارهم أجابوا عن السؤال بشكل صحيح لوضوح الإجابة.

تم تغيير التجربة قليلا، فصار الشخص محل الاختبار لا يجلس وحيداً، إنما في غرفة فيها خمسة أشخاص آخرين، كلهم من الممثلين المتفق معهم، ويتم السؤال علنا، فيجيب الممثلون الخمسة قبله تباعا، بإجابة خاطئة متفق عليها مسبقا، بالرغم من وضوح الإجابة الصحيحة. وجدت الدراسة أن ثلث الأشخاص ممن جرت عليهم التجربة بالطريقة الجديدة تبعوا إجابة الأشخاص الخمسة الذين سبقوهم، على الرغم من وضوح خطئها!

السؤال هنا هو لماذا يتصرف الناس هكذا؟ أعني بغريزة القطيع، تقول بعض التحليلات النفسية إن الأمر مغروس "جينيا" في الصبغة الوراثية للبشر، تخيلوا قبل عشرة آلاف سنة مثلا، شخص يرتحل في جماعة من قبيلته في الأدغال، وفجأة، وبلا سابق إنذار يفر جميع من حوله أمام ناظريه، ما تراه كان سيفعل؟ بلا شك، وفي تسعة وتسعين وتسعة من عشرة في المئة من الحالات سيفر صاحبنا أيضا، لأنه لن يتوقف ليتأمل ويفكر في سبب فرار الجميع، وهل ما خافوا منه "أسد" أم مجرد "كلب". تقول التحليلات النفسية إن "غريزة القطيع" هذه ارتحلت نزولا من خلال جينات أجدادنا عبر آلاف السنوات، حتى وصلت إلينا بشكلها الحالي، الاحتماء بالدليل المجتمعي!

البرامج المتلفزة التي تقوم على وجود جمهور حول "النجوم" مقدمي هذه البرامج، تعتمد أيضا، وبقوة، على تحريك غريزة القطيع، حيث يتم توزيع أشخاص "مأجورين" في أرجاء القاعة، لينفجروا في الضحك عند تعليقات أولئك النجوم، حتى الباردة والسخيفة منها، بغية أن يحفزوا بقية الجمهور للتفاعل والضحك بدورهم. صناعة الإعلان، وشركات التسويق، تعتمد أيضا على ذلك، فإعلانات السيارة الأكثر انتشارا، والمنتجات الأكثر رواجا، والكتب الأكثر مبيعا، تنجح في تحريك "غريزة" الناس للاقتناء واتباع ما فعلته الجماعة، حتى لو كان سيئا. يقول الروائي البريطاني الشهير، ويليام سوميرست موغام (1874-1965)، "لو أن خمسين مليون شخص قالوا شيئا غبيا، فإن ذلك لن يغير من حقيقة أنه غبي".

رسالتي هنا هي، كن يقظا على الدوام، وكن متسائلا في حقيقة ما تراه وتسمعه، وفكر بعمق، وبعيدا عن تأثير ما فعله الآخرون، قبل أن تتخذ قرارك!

***

ملاحظة، بنيت هذا المقال من واقع الكتاب الفلسفي المدهش "فن التفكير بوضوح" للكاتب السويسري د. رولف دوبيللي.