صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3961

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

سامحيني يا أمي

  • 14-03-2015

أرجو أن أكون، وأنا اكتب هذه الكلمات، فتحت باباً ما كنتِ تعتقدين أنه سيُفتَح، إنه اعتراف مني لكِ يا أقوى مخلوقة عرفتها....

«أمي»... عندما تلفظت بهذه الكلمة في صغري، لم أكن أعرف ماذا تعني، إنها لقب يطلق على المرأة التي أنجبتني فقط، وأناديها «أمي»، لكني ما كنت أعرف ماذا تعني، غير أن أمسك بطرف ثوبك، ولا أدعك تتحركين مثلما يفعل طفلي الآن، لم أكن أعرف أنني أعوقك، وأنتِ رغم تعبك تحبين حركتي هذه بأن أمسك بك وأتعلق بثوبك الجميل.

أمي سامحيني، لأني كرهت الطريقة التي كنت تحدثينني بها، كرهت القسوة التي عاملتني بها، كرهت مراقبتك لي، كرهت كرهت كثيراً انتقاداتك لي، لم أكن إلا طفلة عنيدة ومراهقة تريد فرض شخصيتها التي بدأت تكبر، وبدأت تريد أن يكون لها وجود... سامحيني لأني تمردت يوماً عليك، سامحيني لأنني كنت أصرخ عندما تؤلمني صفعاتك على جسدي كم كنت أكرهها.

نعم كبرت وعرفت وفهمت أن صرخاتك وعصبيتك لم تكن إلا خوفاً ورعباً عليّ، علمت أن مراقبتك لي بعلمي ودون علمي هي حرص فقط، عرفت أن العقاب عندك، وهذا ما تعلمته من مجتمع يتبع المثل السائد «الخوف يعدل الشوف»، وكنت تقدسين هذا المثل كثيراً، اعترف أنني كنت أخاف منك وأنا صغيرة، لكنني عرفت عندما كبرت كم كنت رقيقة وخائفة في داخلك كأي امرأة وهبها الله البنات والبنين، والبنات بصفة خاصة في مجتمع شرقي متخلف ينظر إلى البنات نظرة المترقب للخطأ منها في أي لحظة، لم أكن أدري إلا بعد أن كبرت أن الرعب الذي كنت تبثينه فينا ما هو إلا نظام صارم كان يجب أن يفرض ليسير البيت كالجيش دون أخطاء، لكننا كنا نخطئ وكنتِ تغفرين.

 لم نكن نعرف كيف تربين ستة أبناء بينما عجز الرجال عن ذلك، كيف تنهضين في الفجر تعدين كل شيء لهم وهم نيام، وتركضين في الفجر لتلحقي بعملك وتعودي لتعيشي مع ستة أطفال بهمومهم وفوضاهم ودروسهم، لم أكن أعلم كيف كنت تفعلين ذلك، ثم كبرت وعلمت أنك لم تكوني سوى (أم) وهي ليست سوى صورة مقدسة لامرأة وقفت وصمدت لتربي أبناءها الستة في زمن الحرب والموت والدمار، كنت تطلقين على نفسك أم القطط، الأم التي تمسك أطفالها بأسنانها وتجري بهم، وكنت كذلك ممسكة بنا بأسنانك ولم تفلتينا يوماً.

أمي بعد أن أصبحت أماً عرفت أن كياني وسعادتي هي أطفالي، عرفت أني لا أستطيع أن أغفو أياماً أراقب درجات الحرارة لطفلي وهي تنخفض وأضحك لأنها أصبحت 37.5 عرفت جميع أنواع الأدوية، ولم أعرف حتى الآن كيف صمدتِ معنا، ولم أعرف كيف لم تنهاري، لم أعرف حتى الآن ما سر قوتك.

سامحيني يا أمي إن كنت قد أغضبتك يوماً أو لم أفهمك يوماً، فأنت لي دوماً عون وسند أسند ظهري عليه، أحبك يا أمي كل يوم أكثر من قبل، وشكرا لله الذي جعل في الأرض رحمة اسمها أمي.