صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3902

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

كيف تخلى الغرب عن أوكرانيا؟

  • 08-02-2014

قيام حلف شمال الأطلسي في الوقت ذاته في سنة 2004 بخطوة غير حكيمة بمحاولته التوسع في داخل أوكرانيا ثم التخلي عنها، لم يكن إيجابياً وخلف وراءه تأثيرات سياسية ساهمت في تحويل أي مبادرة أوروبية هناك وكأنها تهديد لروسيا.

يجب أن تكون أوكرانيا الدولة الأكثر أملاً في أوروبا، فلديها الموقع وروابط النقل والأرض الزراعية والمعامل والشعب التواق لأن يصبح قصة نجاح لما بعد الشيوعية على غرار جارتها المزدهرة بولندا.

ولكن على الرغم من ذلك فإن أوكرانيا، وكما يستطيع كل شخص أن يشهد الآن، غدت كارثة، وهي كارثة لأن الحكومات الغربية قبلت بالسماح لها بأن تصبح كذلك، ولا ينبع العنف الذي أهلك البلاد من عدم الرضا عن زعيم– تحمل الشعب الأوكراني العديد جداً من القادة المروعين، وهذه ليست احتجاجات تهدف إلى تحقيق الديمقراطية– بل من فشل البلاد في إنهاء عزلتها المعطلة عن أكبر اقتصاد في العالم (الاتحاد الأوروبي)، الكتلة التي تضم 28 دولة والواقعة عند حدودها الغربية ذات الدرجة العالية من الأمن.

لقد تجمدت إمكانات التحسن في أوكرانيا طوال عقد من الزمن، وشركاتها غير قادرة على التعامل التجاري بسهولة عبر الحدود، وشعبها غير قادر على السعي إلى الحصول على عمل بحرية في الخارج، وشركاتها محرومة من فرص نيل التمويل السهل، كما أن شركاتها الكبيرة تعتمد على الصادرات البترولية الروسية، ومؤسساتها عالقة في خضم الماضي مع قدر قليل من بواعث الإصلاح.

تلك العزلة وتأثيراتها المعطلة على الحياة هي مصدر الغضب الذي تفجر في شتى مدن أوكرانيا وأرغم رئيس الوزراء على تقديم استقالته وخلق أزمة تشبه على نحو متزايد الحرب الأهلية. على من يقع اللوم؟ من النظرة الأولى على الرئيس فيكتور يانكوفيتش بسبب إلغاء اتفاقية شراكة مع الاتحاد الأوروبي- وهي تحالف تجاري مثل ممر إلى عضوية الاتحاد الأوروبي- في شهر نوفمبر الماضي. وفي نظرة ثانية، يقع اللوم على نظيره الروسي فلاديمير بوتين لأنه طالب ياكونوفيتش بأن يختار بين حدود مفتوحة مع أوروبا من جانب والتجارة مع روسيا والدول التي كانت في فلكها في الماضي على الجانب الآخر، ولكن على نطاق أوسع، كان الغرب هو الذي تخلى عن أوكرانيا.

وبغية فهم الفرصة التي ضاعت علينا النظر الى الجنوب الغربي. كانت صربيا، قبل عقد من الزمن، على وشك الضياع من أوروبا، وقد أبعدتها حركاتها الاحتجاجية عن دهماوية سلوبودان ميلوسيفتش الاثنية- الوطنية، ولكن صربيا كانت عند حافة التطرف. ومال سكانها وقادتها بشدة نحو موسكو- ليس فقط بسبب الوحدة السلافية بل أيضاً لأن قصف حلف شمال الأطلسي في سنة 1999 والهزيمة المهينة كانت لا تزال حية في أذهان كل مواطن صربي، وقد اغتالت القوى المتطرفة في الجيش رئيس الوزراء وغاب الاقتصاد والتوظيف وحكم القانون.

كانت جزرة عضوية الاتحاد الأوروبي هي التي أعادت صربيا دولة عادية، وقد عرضت بصورة مستمرة خلال عقد من الزمن وغدت قضية سياسية رئيسية في كل انتخابات. بدأت العملية بعرض تأشيرات دخول وحدود أكثر انفتاحاً ثم علاقات مصرفية واقتصادية عادية، ثم في شهر يناير توقيع المسار التام نحو العضوية (التي حصلت عليها جارتها كرواتيا في السنة الماضية) وكان لهذا الارتباط المتنامي بازدياد تأثيرات دراماتيكية: قامت البلاد بإصلاح مؤسساتها ومحاكمها وقوات الشرطة والاقتصاد. القادة المتطرفون السابقون، بمن فيهم الرئيس الحالي وزعيم الحزب الحاكم تبنى فكرة أوروبا واعتذر عن أعمال القسوة التي جرت في الماضي، وطهر وحاكم أمراء الحرب الذين تمتعوا بالحماية منذ زمن بعيد، وتخلى عن مواجهة صربيا حول كوسوفو (إلى درجة توقيع معاهدة مدهشة تهدف إلى تطبيع الدولة المنفصلة في السنة الماضية)، وأضفى السمة الأوروبية على الاقتصاد والحكومة إلى حد دفع الصرب الذين عانوا طويلاً إلى الأمل بتحقيق مستويات معيشة من المستويات الغربية في الوقت الراهن.   

قبل عقد من الزمن، وفي الوقت ذاته، انطلقت ثورة الديمقراطية في أوكرانيا إلا أنها سرعان ما ذوت بعد وقت قصير، ولأن أوكرانيا لم تبدُ حينذاك مصدراً مهدداً للسلم مثلما كانت الحال مع صربيا، فإن أوروبا تباطأت في تصرفها وتدخلها آنذاك، كما أن قيام حلف شمال الأطلسي في الوقت ذاته في سنة 2004 بخطوة غير حكيمة بمحاولة التوسع في داخل أوكرانيا ثم التخلي عنها، لم يكن إيجابياً وخلف وراءه تأثيرات سياسية ساهمت في تحويل أي مبادرة أوروبية هناك وكأنها تهديد لروسيا.

حرصت أوروبا على توخي الحذر والتريث حيال أوكرانيا ويرجع ذلك الموقف في جزء منه إلى الخوف من مواجهة موسكو، وفي جزء آخر لأن أولوية العضوية توجهت إلى بلغاريا ورومانيا، كما أن القادة الأوروبيين فشلوا في إدراك مدى أهمية ما يحدث في تلك البقعة. كانت اتفاقية الشراكة مع أوكرانيا التي تم التفاوض حولها في سنة 2012، مصدرا رئيساً للأمل لدى الشعب الأوكراني إلى أن بادر الرئيس يانكوفيتش في شهر ديسمبر بالتخلي عن الاتفاقية التي كانت بمنزلة مشروع طموح دعا إليه وزيرا الخارجية السويدي كارل بيلدت والبولندي راديك سيكورسكي. وقد جاء موقف مستشارة ألمانيا فاتراً والتزمت فرنسا وبريطانيا الصمت في الغالب، ورغم أن الاتفاق كان جيداً فإنه جاء متأخراً جداً.

في اللحظة التي يشكك فيها الناس في المنظمات الدولية يتعين علينا أن نتذكر مدى أهميتها إزاء تحويل الدول الفاشلة الى أماكن طبيعية، ومن خلال ترك أوكرانيا لفترة طويلة جداً خارج النادي ربما أطلقت أوروبا شرارة الانفجار.

Doug Saunders