صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3958

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

خالتي اللتاتة مرة أخرى

  • 04-02-2014

نشرت في هذا المكان مقالاً بعنوان خالتي اللتاتة، تكلمت فيه عن موضة التسريبات التي عصفت بقنواتنا الإعلامية، وركزت في هذا المقال على برنامج معين يذيع تسريبات الصحافيين والنشطاء.

بدأت هذا المقال بالجملة التالية:

"لست في حاجة لأن أكتب مقالة طويلة عريضة لأثبت بالقانون والمنطق والأدب والأخلاق أن ما حدث في موضوع التسريبات جريمة لابد أن يعاقب عليها المذيع الأمنجي برتبة طبال أو الضابط الذي قام بالتسريب أو الجهاز بأكمله الذي يقوم بالتسجيل".

بدأت المقالة بهذه الجملة لأنني كنت أظن أن عدم التجسس على الناس وعدم نشر مكالمات شخصية على الملأ هو شيء بديهي، وأن هذا الأسلوب ممجوج وغير مقبول فلم أكن أظن أنني كنت بحاجة لأن أناقش أبجديات مسلم بها في كل العالم المحترم، ولكنني بعد أن شاهدت من يدافعون عن هذا الأسلوب الخسيس يبدو أنني سأضطر لأن أنزل بمستوى هذا المقال إلى مستوى عقلي متدن للغاية، وقد اكتشفت أن معظم من يساند هذه التسريبات ويّنظر لها هم من المتعلمين والمثقفين مرتادي النوادي الاستقراطية الذين يضربون الأمثلة من الدول المحترمة ليقنعوك أن ما يحدث شيء مقبول بل وقانوني.

لذلك فاسمحوا لي أن أناقش بعض النقاط التي تبدو بديهية ومنطقية و"كلام مدارس"، فعذرا لو اتخذ هذا المقال شكلا تعليميا.

 الحجة الأولى: "يعني ماحدش منكم اتكلم عن تسريبات السيسي اللي في قناة الجزيرة والا أنتم بس مش بتتكلموا إلا لما التسريبات تبقى لشوية نشطاء؟".

لم تكن هذه حجة بعض الناس على مواقع تويتر وفيس بوك وحسب، ولكنها أيضا كانت حجة الإعلامي الكبير في القناة الكبيرة وهو يناقش التسريبات، وبصرف النظر أن الإعلامي الكبير لا يجب أن يتكلم بمنطق "اشمعنى" لكن لا بأس، لنناقش هذا المنطق.

مبدئيا السيسي هو وزير الدفاع وفعليا أقوى رجل بمصر الآن، فمقارنته بمواطنين لا حول لهم ولا قوة لا يصب في صالح الحجة.

 ثانيا: أن تتخذ من قناة بائسة مثل "الجزيرة مباشر مصر" مثالا لما يجب أن يكون عليه الإعلام فهو عار عليك كإعلامي وليس سببا مقنعا لقبول موضوع التسريبات.

 ثالثا: ما يطلق عليه "تسريبات" السيسي معظمها من حوارات مسجلة مع رؤساء تحرير صحف، والتسجيل تم بعلم من كانوا متواجدين في وقت الحوار، لذلك فمعظم هذه التسريبات غير ذات قيمة لأنها نشرت أساسا، وإذا تم تسريب أية حوارات بدون اتفاق مسبق فالذنب يقع على الصحافي الذي تم تسريب التسجيل (المتفق عليه)، فالموضوع هنا مهنية صحافية بحتة أي أنه لم يتم تسجيل مكالمة شخصية بدون علمه وهو واخد راحته في الكلام مثل التسريبات الأخرى.

الحجة الثانية:

"متكلمنيش على الخصوصية، دول خونة وبيخربوا مصر والتسريبات دي بتفضحهم".

مبدئيا لو هما خونة وبيفضحوا مصر فمكان هذه التسريبات مكتب النائب العام وليس التليفزيون، بمعنى أنه لو كان في هذه التسريبات ما يثبت تواطؤهم على البلد وخيانتهم فلابد أن تتعامل مع هذه التسجيلات كل الأجهزة السيادية للدولة ويتم توجيه اتهامات فورية لهم، ولكن هذه التسريبات عمرها أكثر من سنتين ومعلومة للدولة. لذلك فظهور هذه التسريبات الآن هي إدانة لأجهزة الدولة التي سكتت على هؤلاء الخونة طوال هذه الفترة وتركت المصير الأمني والمخابراتي في يد مذيع على قناة تجارية، فإذا كان رجال المخابرات وأمن الدولة غير قادرين على كشف هؤلاء العملاء فلتأتوا بهذا المذيع في منصب وزير الداخلية ورئيس المخابرات اتنين في واحد.

الحجة الثالثة:

"ماهي أميركا كمان بتتجسس على الناس، ده أوباما طلع بيتجسس على ميركل بتاعة ألمانيا".

نعم هذه حقيقة، ولكن ما حدث في أميركا صنف على كل المستويات أنه "فضيحة"، فعرف الأمر "بفضيحة أوباما" و"فضيحة وكالة الأمن القومي الأميركي"، و"سنودن" المواطن الأميركي الذي كشف هذا الموضوع وهرب إلى روسيا هو بطل شعبي في أميركا لأنه أخبر الشعب الأميركي أن حكومته تتجسس عليه، أيضا أميركا التي تواجه تهديدات إرهابية ومؤامرات خارجية لم ترسل هذه التسجيلات إلى قناة" فوكس نيوز" ولا "إن بي سي" ليشاهدها الأميركان وقت العشاء كنوع من التسلية، فمجرد وجود تسجيلات حتى بتصريح من وكالة الأمن القومي كان في حد ذاته كافيا لأن يفتح الإعلام النار على الحكومة لا أن يساند الإعلام هذا الأسلوب الخسيس كما يحدث هنا.

أيضا لا أعرف أين دليل العمالة في مكالمة وائل غنيم ومصطفى النجار وهما يقولان لبعضهما البعض "فيه صفقة بتتعمل وأميركا بتلعب لعب تقيل والبلد بتضيع"، إذا كان هذا هو آخركم في التسريبات وده آخر دليل خيانتكم فإن دل على شيء فهم ملائكة وليسوا عملاء.

نقطة أخرى في موضوع أميركا، يخرج البعض على الشاشات ليعلمنا ويوجهنا ويقول لنا ماذا تفعل أميركا وأننا لسنا ببعيدين عنها وذلك قبل أن يلعنها في آخر حديثه، مثال لذلك فنان كبير كان يضرب مثلا بحالة الاستنفار الذي حدث في أميركا بعد ١١ سبتمبر وكيف أن "أميركا قفلت على نفسها" وقامت باضطهاد المسلمين فيها، قال ذلك مبررا لأية إجراءات استثنائية يقوم بها النظام الحالي والمبرر "أميركا عملت كده".

ماشي: واحدة واحدة، معظم الاضطهاد الذي حدث كان على مستوى الناس والمواطنين، ولكن كان الموقف الرسمي الأميركي حذرا جدا في توجيه اتهاماته، نعم كانت هناك تجاوزات من المباحث الفدرالية وتمت مضايقة الكثير من المواطنين ولكن لأن هناك نظاما قانونيا لا ينظر إلى ديانتك أو أصلك فكان هناك متسعا قانونيا لأن تذهب إلى القضاء وتطالب بحقك، نعم هناك معتقل جوانتانامو ولكنه يعتبر سبة في جبين الولايات المتحدة وقلما تجد من يدافع عنه من الإعلام ويعتبر ذلك من النقاط التي يستخدمونها للهجوم على أوباما ومن قبله بوش.

وإذا أردت أن تقارن فعلا فتخيل لو فجر مواطن أميركي نفسه في وسط القاهرة أو قام مواطن مسيحي بعمل إرهابي، هل تظن أنه سيبقى مواطن مسيحي واحد على قيد الحياة في مصر؟ لا أظن.

وبرضه في النهاية حين تحب أن نقارن نفسنا بالدول المتقدمة فلنضرب أمثلة العدالة وحقوق الإنسان والتسامح الديني وليست أسوأ ممارساتها لأن ده بصراحة "مش أملة قوي".

فالحجة المحفوظة بتاعة "شوف أميركا عملت إيه في أفغانستان والعراق وبعدين اتكلم عن حقوق الإنسان" هي حجة خايبة لأن جرائم أميركا في أفغانستان والعراق هي جرائم منحطة فعلا، ولكن تم ارتكابها ضد مواطنين يحملون جنسيات أخرى وتعتبرهم أميركا عدوا، فكونك تبرر لانحطاط جرائمك ضد بني وطنك على أساس انحطاط أميركا أمام مواطنين آخرين فهو العبث بعينه.

لذلك ففي ختام هذا المقال الممل والبديهي، أحب أن ألخص بعض النقاط.

لم يحدث في تاريخ العالم سواء المتقدم أو المتخلف أن تم إذاعة مكالمات تليفونية شخصية بدون إذن محكمة على وسائل الإعلام المفتوحة، وإن كنت تحن لفترة التجسس على خلق الله أيام عبد الناصر وما بعده فعلى الأقل لم تتم إذاعة هذه المكالمات على الملأ وتم التعامل معها كوسيلة ضغط عن طريق الجهات الأمنية وليست عن طريق برامج التليفزيون.

استخدامك لحجة قناة الجزيرة لتبرير الأداء الإعلامي المنحط لا يخدم قضيتك، واستخدامك لحجة أميركا وانتهاكها لحقوق الإنسان في غوانتنامو وأفغانستان والعراق ليس مبررا لانتهاك حقوق الإنسان هنا.

فذلك يذكرني بالمثل الشعبي العظيم "ما لقتش لا مؤاخذة إلا "مؤخرة" القرد وجيت تشمها".

وأحب أنهي مقالي بحوار حدث فعلا مع رجل له باع طويل في مجال القضاء والقانون في أحد النوادي الارستقراطية.

فبعد حوار طويل عن حقوق المواطن وإذن النيابة وأن مصير هذه المكالمات هي السلطات وليس الإعلام ، سألته سؤالا واحدا:

"أنت كرجل قانون، هل تظن أن هذا إجراء قانوني تقبله المحكمة".

قال لي: "لا طبعا، لكن أدينا بنتسلى".

فعلا، خلينا نتسلى، ولما تلاقي تليفوناتك الشخصية على الهوا ابقى اتسلى أنت كمان، وبالمرة طالب بنسبتك من الإعلانات.

ينشر باتفاق خاص مع «الشروق» المصرية