صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3956

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

اعتداءات الطائرات بدون طيار قد تنعكس سلباً على الولايات المتحدة

  • 26-10-2013

ذكر أوباما أن الهدف لا يكون مشروعاً، إلا إذا شكل خطراً وشيكاً على أميركا، وبدا إلقاء القبض عليه مستحيلاً، وأمكن القضاء عليه من دون تعريض المدنيين للخطر، إلا أن هذه مجرد سخافات فقد انتُهكت هذه «القواعد» مراراً... ولم يتعرض المدنيون للخطر فحسب، بل قُتلوا أيضاً.

   يقفل عنصر من القوات المسلحة جهازه الكمبيوتر في مكان ما من الولايات المتحدة، ربما أريزونا أو نيومكسيكو. لقد أنهى عمله بنجاح، فقد وجه طائرة بدون طيار إلى هدفها وقضى على شخص يُعتبر إرهابياً، ولربما ينال هذا الرجل شريطاً إضافيا على زيه العسكري، فقد أخبرني مراسل أميركي متميز يُغطي الأخبار الدولية أن الحكومة الأميركية تقدم الأوسمة لمن ينجزون هذا العمل، مع أن الرجل الجالس وراء الكمبيوتر لا يعرض حياته للخطر، وعندما يعود إلى المنزل، قد يخبر زوجته أنه قضى على أحد أعداء الولايات المتحدة. وقد تسأله بخجل عمّا إذا أوقع "أضراراً جانبية"، وهي بسؤالها هذا تستعلم عما إذا قتل ضحايا أبرياء، فضلاً عن الهدف المحدد، فيجيبها بكل احترام: "كلا على ما آمل".

لكن المؤسف أن اعتداءات الطائرات بدون طيار توقع غالباً أضراراً جانبية. نتيجة لذلك، تشير منظمة العفو الدولية ومنظمة مراقبة حقوق الإنسان إلى أن مشغلي هذه الطائرات ومَن يصدرون الأوامر بتنفيذ هذه العملية قد يكونون مذنبين بارتكاب جرائم حرب. يبدو الموقف القانوني مبهماً في هذا المجال، ويعتمد إلى حد كبير على ما إذا كانت الاعتداءات قد حدثت في ما يمكن اعتباره شرعياً منطقة حرب. يدرك الجميع أن الحروب تودي بحياة الكثير من المدنيين، فضلاً عن المقاتلين الأعداء، ولا يمكن تفادي ذلك مع استخدام الأسلحة الحديثة، رغم أنها توجه إلى هدفها بدقة، فلا ينكر أحد أن هجمات الطائرات بدون طيار قتلت مدنيين في شمال-غرب باكستان واليمن. ويعتبر الأميركيون عمليات القتل هذه حوادث مؤسفة، ويبدو أسفهم هذا صادقاً إلى حد ما، لكن قتل المدنيين يؤدي إلى "نتائج عكسية".

ثمة وجه بغيض للقتل عن بعد، فعمليات القتل هذه التي تُنفذ من داخل قاعدة عسكرية آمنة تقع في الجانب الآخر من العالم. قد يبدو النفور الذي نشعر به غير مبرر، حتى إن البعض قد يعتبرونه مصطنعاً، لا أخلاقياً، فهل من اختلاف بين غارة تنفذها طائرة يقودها طيار وغارة تشنها طائرة بدون طيار يجري التحكم فيها عن بعد؟ تموت الضحية في كلتا الحالتين.

وقد يكون الادعاء أن الطائرات بدون طيار تُعتبر أكثر دقة وأكثر قدرة على ضرب هدفها بالتحديد صحيحاً. رغم ذلك، يأبى هذا الشعور أن يختفي، فهو يعود على الأرجح إلى فكرة أن القتل يصبح مبرراً، إذا كان القاتل نفسه معرضاً للخطر أيضاً. على سبيل المثال، تدين على الأرجح قصف المدن الألمانية خلال حرب هتلر، إلا أنك لا تستطيع أن تنكر أن سلاح الجو الملكي البريطاني تعرض أيضاً لخسائر فادحة، وأن الرجال الذين قادوا الطائرات فوق ألمانيا عرضوا حياتهم للخطر مع كل طلعة، لكن الرجل الذي يوجه طائرة بدون طيار لا يتعرض لأي خطر، إلا ربما وخز الضمير.

صحيح أن الرئيس الأميركي باراك أوباما ما عاد يستعمل عبارة سلفه "الحرب العالمية ضد الإرهاب"، إلا أن الحرب ما زالت متواصلة، فيُصَنف الإرهابيون ومَن يُشتبه في أنهم إرهابيون أهدافا مشروعة، ويُعتبر التخلص منهم مبرراً بسبب الخطر الذي يشكلونه على الولايات المتحدة ومصالحها، ويؤكد لنا المسؤولون أن هذه الأهداف تُحدد بعناية بالغة، ولا شك في ذلك، لكن الأخطاء تحدث. وقد يُعتبر شخص ما هدفا خطأ.

ذكر أوباما في شهر مايو الماضي أن الهدف لا يكون مشروعاً، إلا إذا شكل خطراً وشيكاً على الولايات المتحدة، وبدا إلقاء القبض عليه مستحيلاً، وأمكن القضاء عليه من دون تعريض المدنيين للخطر. إلا أن هذه مجرد سخافات، فقد انتُهكت هذه "القواعد" مراراً أو تجاهلها المسؤولون، ولم يتعرض المدنيون للخطر فحسب، بل قُتلوا أيضاً، وحدث ذلك في دول لا تخوض فيها الولايات المتحدة حرباً، وبانتهاك توجيهات الرئيس الخاصة، يبدو ممكناً أن يكون الأميركيون قد ارتكبوا جرائم حرب.

لا يستطيع أحد، حتى مَن يندد بعمليات الاغتيال المستهدف هذه، أن ينكر أن الإرهاب الإسلامي حقيقي، وأن الحكومات ليست مخولة فحسب، بل مرغمة أيضا أن تتخذ التدابير اللازمة لتمنع الاعتداءات الإرهابية. وفي بريطانيا، نعتمد على الأجهزة الأمنية والشرطة لنحقق هذه الغاية، ونسارع إلى تحميلها مسؤولية أي فشل، لكننا نتقبل أيضا واقع أن لهذه الأجهزة حدوداً فيما يمكن أن تحققه في الدفاع عنا. فاغتيال المشتبه فيه يتخطى حدودنا، وينطبق الأمر عينه في الولايات المتحدة، خصوصاً إذا كان المشتبه فيه مواطناً أميركياً.

ولكن في الخارج، خصوصاً في باكستان واليمن، صارت حدود ما يُعتبر مقبولاً أوسع بكثير، فقد عينت الإدارة الأميركية والأجهزة الأمنية نفسها القاضي والجلاد، وعندما يصدر الحكم، لا يحق للمحكوم عليه بالاستئناف، ويُنفذ الحكم بالإعدام. هذا مقلق جداً، ويبقى كذلك حتى مع غياب أي "أضرار جانبية"، ولكن عندما تقع أضرار مماثلة، كقتل المدنيين، فقد يكون من الملائم تصنيف ذلك جريمة حرب، خصوصاً أنه ما من حرب قد أُعلنت.

هذا عمل خاطئ ومتهور، إذ يواجَه كل هجوم لطائرات بدون طيار بالكره، ويعزز كل اعتداء من هذا النوع الشعور المعادي للولايات المتحدة، الذي يتحول إلى جمر يعتمل تحت الرماد، ولا شك أن كل غارة تُنفذها طائرات بدون طيار تصعب عمل قادة سياسيين أمثال رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف، الذي يريد الحفاظ على تحالفه مع الأميركيين. علاوة على ذلك، قد تشكل كل غارة من هذا النوع أداة تجنيد يستغلها الإسلاميون. تذكر منظمة مراقبة حقوق الإنسان أن "القاعدة في شبه الجزيرة العربية أصدرت بيانات اتهمت فيها الولايات المتحدة بشن حرب ضد المسلمين كافة، لا تنظيم القاعدة فحسب"، من المؤكد أن هذه الادعاءات كاذبة، بيد أن كثيرين يصدقونها.

وثمة نقطة مهمة أخرى يجب أخذها في الاعتبار، لا تحتكر الولايات المتحدة الطائرات بدون طيار، أو على الأقل لن تعود كذلك في المستقبل القريب. فستنجح دول أخرى، بعضها معادٍ للولايات المتحدة، في تطوير ما يُدعى "القدرة على توجيه ضربات من آليات جوية بدون طيار"، هذا إذا لم تكن قد اكتسبتها، وقد تستخدم هذه الدول ذات يوم قدرات مماثلة ضد الأميركيين، علاوة على ذلك، إذا اعتبرت الولايات المتحدة (وإسرائيل أيضاً) عمليات الاغتيال المستهدف (بواسطة طائرات بدون طيار أو أي وسيلة أخرى) مشروعة، فكيف يمكنها إدانتها وتصنيفها كعمليات غير مشروعة عندما تنفذها دول أو مجموعات أخرى؟

قد تعتبر الإدارة الأميركية أعمال القتل هذه دفاعاً مشروعاً عن النفس لأن أهدافها أناس يريدون إيذاءها، ولكن ما تصنفه الولايات المتحدة دفاعاً عن النفس يعتبره آخرون اعتداءً. وقد يردون عليها بالمثل، هذا هو الدرب الخطير الذي تسير فيه الولايات المتحدة. فعندما تقتل مَن تعتبرهم "رجالاً سيئين"، تستفز أعداءها وتعرض نفسها للرد، وسرعان ما ستجد نفسها في حلقة مفرغة.