صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3600

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

بوتين لم يخطط لغزو أوكرانيا... لكنه قد يفعل الآن!

  • 14-05-2014

شكّلت انتفاضة ميدان الاستقلال المناهضة للرئيس الموالي لروسيا فيكتور بانوكوفيتش في جزء كبير منها ثورة ضد رأسمالية المحاسيب وحكم اللصوص، لكن بوتين لا يستطيع تحمّل كلفة نجاح ثورة شعبية مناهضة للفساد يقودها الشعب.

إذاً... ماذا يريد بوتين فعلاً؟ "بدء حرب عالمية ثالثة"، حسبما أشار رئيس الوزراء الأوكراني المحاصر أرسيني ياتسينيوك، أو "الحكم كرئيس مدى الحياة، متمتعاً بسلطة تضاهي ما نعم به القياصرة"، وفق ما ذكره ألكسي نافالني، زعيم المعارضة الروسية الصغيرة، أو "فرض تغيير كبير في الحدود في أوروبا... وكسر توافق ما بعد الحرب الباردة"، وفق وزير الخارجية البولندي راديك سيكورسكي.

لكن بوتين نفسه عبّر دوماً بوضوح عن طموحاته، فقد أخبر مجلس الدوما خلال خطابه الأول كرئيس وزراء في أغسطس عام 1999: "كانت روسيا قوة عظمى لقرون ولا تزال كذلك، فلطالما امتلكت مناطق مصالح شرعية واسعة في أراضي الاتحاد السوفياتي السابق وغيرها ولا تزال، ويجب ألا نتخلى عن حذرنا في هذا الصدد، كما ينبغي ألا نسمح لأحد بتجاهل رأينا".

لم تسهم السنوات الخمس عشرة التي أمضاها بوتين في الحكم في التخفيف من شعوره بالظلم التاريخي تجاه الغرب، فقد أعلن أمام حشد من أبرز الشخصيات الروسية في قصر الكرملين بعيد ضم القرم في شهر مارس: "يحاولون باستمرار دفعنا إلى الزاوية لأننا نملك موقفاً مستقلاً، ولكن إذا ضغطتم "زنبركاً" إلى أقصى مدى له فسيرتد بقوة. من الضروري ألا تنسوا ذلك".

ثورة شعبية

إذاً، لم يمر سوى عشرة أسابيع على انتهاء الألعاب الأولمبية في سوتشي، وها نحن نشهد اليوم انزلاق أوكرانيا إلى شفير الحرب الأهلية، مع تمركز 40 ألف جندي روسي على الحدود وقتال عدد غير معروف من القوات الروسية الخاصة بشراسة ضد قوات كييف داخل شرق أوكرانيا، ولكن هل كان هذا حقاً ما كان بوتين يفكر فيه، بينما كان يترأس الألعاب الأولمبية الأكثر كلفة في العالم والتي هدفت إلى إبراز عودة روسيا كقوة عالمية من الطراز الأول؟ هل رمت خطة بوتين الكبرى من البداية إلى استعادة الإمبراطورية السوفياتية بالقوة، البلدة تلو الأخرى والشارع تلو الآخر؟

أشك في ذلك. لطالما كان بوتين صريحاً في التعبير عن المبادئ الكامنة وراء سلوكه (أو ما يعتبره البعض تفاعلاته النفسية الخاصة)، لكن مغامرته في أوكرانيا لم ترتبط منذ البداية باستراتيجية متماسكة رسمها الكرملين، بل بحوادث خارجة عن سيطرة الكرملين تطورت وفق قانون العواقب غير المتعمدة.

يُعتبر هدف بوتين الأول والأبرز تشويه صورة النظام الجديد في كييف وتحويل أوكرانيا إلى بلد لا يمكن حكمه. شكّلت انتفاضة ميدان الاستقلال المناهضة للرئيس الموالي لروسيا فيكتور بانوكوفيتش في جزء كبير منها ثورة ضد رأسمالية المحاسيب وحكم اللصوص، لكن بوتين لا يستطيع تحمّل كلفة نجاح ثورة شعبية مناهضة للفساد يقودها الشعب، علاوة على ذلك، من الأهمية بمكان بالنسبة إلى بوتين في الداخل أن يشدد على أن غياب قائد قوي يقود إلى الفوضى والاضطرابات، لا الاستقرار والازدهار.

حروب سرية

تكمن مشكلة بوتين الاستراتيجية الكبرى في أنه خسر أوكرانيا، مع أنه كسب القرم، فمن دون المجتمع الروسي الكبير في القرم، تصبح الأقلية الروسية عموماً في أوكرانيا أقل من 30%، ما يعني أن كييف لن تشهد مجدداً حكومة موالية لموسكو، نتيجة لذلك، يشكّل تأجيج روسيا الاضطرابات في شرق أوكرانيا ومطالبتها بالفدرالية محاولةً لقلب هذا الوضع السلبي ولو جزئياً، كذلك تسعى موسكو إلى تأخير الانتخابات الرئاسية الأوكرانية المقرَّر عقدها خلال الشهر الحالي، لأنها ستؤدي بالتأكيد إلى استلام حكومة موالية بقوة للاتحاد الأوروبي زمام السلطة في كييف. ونظراً إلى غياب أي مرشح قوي موالٍ لروسيا في هذا السباق، يبقى الحل الأفضل في الظروف الراهنة في رأي موسكو عرقلة النتائج أو التشكيك في شرعيتها بإشعال الفوضى في الشرق.

لا بد من الإشارة إلى أن روسيا هو مَن حدد قواعد نوع الحروب السرية التي يشنها الكرملين راهناً في أوديسا، وسلوفانيسك، وكراماتورسك، ودونيتسك. قاتل يفغيني ميسنر في الجيش القيصري ومن ثم مع الروس الموالين للنازية، ويتوقع كتابهInsurgency, or the Name of the Third World War  (التمرد... أو اسم الحرب العالمية الثالثة) عام 1960 أن حروب المستقبل ستشنها خلايا إرهابية صغيرة وقوات خاصة تكسب النفوذ من خلال التمرد والثورات المنظمة، لا من خلال الحروب التقليدية.

احتلال فوضوي

من الواضح أن القوات الروسية فاعلة على الأرض في أوكرانيا، فقد أوشك وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو أن يقر بهذا الواقع أخيراً حين أعلن: "من الصعب البحث عن هر أسود في غرفة مظلمة، خصوصاً إذا لم يكن الهر أساساً في الغرفة، أو إذا كان الهر ذكياً وشجاعاً ومهذباً". لكن لا يمكن لأحد أن يحدد بوضوح ما إذا كانت موسكو مسيطرة فعلاً على الوضع على الأرض. أصر المتحدث باسم بوتين ديميتري بيسكوف أخيراً على أن "روسيا خسرت من اليوم فصاعداً تأثيرها في هؤلاء الناس لأن من المستحيل إقناعهم بالتخلي عن سلاحهم" في وقت تتعرض فيهم حياتهم لخطر مباشر.

قد يكون بيسكوف محقاً أكثر مما نظن. تكمن المشكلة في أن الحوادث تتفاقم على الأرجح لتصل إلى تدخل عسكري لا تريده روسيا بالضرورة. يذكر بيسكوف أن موسكو تتلقى "آلاف الاتصالات" من شرق أوكرانيا تطالبها بالمساعدة، وأن بوتين "قلق جداً" بسبب التطورات الأخيرة.

 ويضيف: "تطالب أغلبية ساحقة حقاً روسيا بتقديم مساعدة فاعلة". صحيح أن الكثير من الأوكرانيين الغربيين يعتبرون أن الغزو كان هدف روسيا منذ البداية، لكن عدداً كبيراً من المراقبين، من حلف شمال الأطلسي (الناتو) إلى موسكو، يعتقدون أن الكرملين يفضّل البقاء على الهامش بدل محاولة احتلال أجزاء من أوكرانيا، علماً أن السكان المنتمين إلى الإثنية الروسية لا يشكّلون حتى في دونيتسك نفسها، تلك المنطقة الأكثر ميلاً لروسيا بعد القرم، سوى 37%، وفق إحصاء عام 2000.

نتيجة لذلك، سيكون الاحتلال العسكري فوضوياً، ودموياً، ومدمراً اقتصادياً؛ لذلك ذكر القائد الأعلى لقوات حلف شمال الأطلسي في أوروبا، الجنرال فيليب بريدلاف، أن بوتين سيكتفي "بمحاولة تشويه صورة الحكومة، وإثارة الاضطرابات، وتمهيد الطريق أمام حركة انفصالية".

بطولات السوفيات

لكن حرب الكلام التي يخوضها الكرملين ضد كييف تهدد بإرغام بوتين على اتخاذ خطوات تصعيدية كارثية، فقد بات التلفزيون الحكومي الروسي يشبه أخيراً قناة تاريخية، مشدداً إلى حد كبير على البطولات الروسية خلال الحرب العالمية الثانية، التي تُعرف في روسيا بالحرب الوطنية الكبرى. كذلك تُنعت الحكومة في كييف غالباً بـ"المجلس العسكري الفاشي الحاكم" أو "البانديروفتسي"، نسبةً إلى أتباع القائد الوطني الأوكراني ستيبان بانديرا الذي قاد جيشاً مناهضاً للسوفيات دعمه النازيون خلال مراحل الحرب الأخيرة، وتصوّر أيضاً البقايا البغيضة لقطاع اليمين الفاشي الجديد (الذي حصل في الانتخابات البلدية الأوكرانية الأخيرة على 11% من الأصوات) على أنها تمثّل موقف الدولة الأوكرانية.

وفق هذه الرواية، تكون خطوات بوتين في أوكرانيا مجرد حملة لإنقاذ إخوانه الروس من الفاشية، وبالنسبة إلى الروس الكبار والصغار، تمثل هذه عباراتٍ تؤجج الكره والعنف، فمن الصعب المغالاة في تحديد أهمية انتصار الاتحاد السوفياتي التاريخي على الفاشية، فبالإضافة إلى رحلة يوري غاغارين عام 1961 إلى الفضاء، يشكل هذان الإنجازان القوميان العظيمان حجر أساس الهوية الروسية، وبفضل سنوات من الدعاية المتواصلة التي ألهمها بوتين، ينطبق ذلك على كل الأجيال، فقبل بضع سنوات، بدأ السائقون الروس بتزيين سياراتهم بالشرائط البرتقالية والسوداء لصليب القديس جرجس، علماً أن هذا وسام شرف قيصري اعتمده السوفيات، وقد انتشرت هذه الشرائط أخيراً في كل مكان مع بدء الترتيبات الرسمية للاحتفال بيوم النصر في التاسع من مايو، وهذه المرة الأولى منذ انهيار الاتحاد السوفياتي التي تنطلق فيها مسيرة من 100 ألف شخص يلوّحون بالأعلام (يدعوهم المنظمون "عمالاً") في الساحة الحمراء. ومن الطبيعي أن يشمل هذا العرض مجموعة ضخمة من المعدات العسكرية، فضلاً عن عدد ممن شاركوا في حملة القرم الأخيرة وهم يضعون أوسمة صُنعت حديثاً تخليداً لذلك الانتصار العظيم، أو ما يُعرف بحملة الدفاع الثالثة عن سيفاستوبول (بدأت الأولى عام 1854 والثاني عام 1941). ولا شك أن أحداً لم يأتِ على ذكر أن بوتين أنكر بشدة أثناء مخاطبته شعبه الخاص خلال عملية القرم أنه ما من جنود روس في تلك المنطقة.

عباءة المدمر

هنا نعود مجدداً إلى قانون العواقب غير المتعمدة، عندما هرب فيكتور يانوكوفيتش من كييف في أواخر شهر فبراير عقب فشل محاولته الدموية لكبح لجام الناشطين في ميدان الاستقلال بالقوة، ما كانت روسيا تخطط لغزو القرم، ولكن يشير أعضاء في الفريق الإعلامي في الكرملين (الذي سيتلقى كثيرون منه أوسمة من الحكومة الروسية بسبب "تغطيتهم الموضوعية" لحوادث القرم) أن بوتين كان قد قرر نحو منتصف شهر مارس، بالتعاون مع لجنة داخلية صغيرة مؤلفة من ستة أشخاص فقط، أن هذه الخطوة باتت مطروحة. فقد ذكر في مؤتمر صحافي عقده في الرابع عشر من مارس: "لن نقدِم على ضم القرم، ولن ندعم هذه الميول، فالشعب الذي يعيش في منطقة محددة له وحده حق أن يقرر مستقبله"، فشدد الدبلوماسيون الغربيون على عبارة "لن نقدِم"، إلا أن بوتين كان يسلط الضوء على فكرة "يقرر مستقبله"، وبحلول الحادي والعشرين من مارس، كانت القرم قد انضمت رسمياً إلى روسيا الاتحادية.

يريد بوتين الاحترام في العالم والنفوذ في الجوار الروسي، وكي يحافظ على ما يشبه السيطرة بعد خسارته أمام التظاهرات في ميدان الاستقلال، سعى الكرملين إلى زعزعة شرعية الانتخابات الأوكرانية المقبلة وأنشأ مقداراً من الاستقلال الذاتي الإقليمي في شرق أوكرانيا، أو هذه على الأقل خطته، ولكن على الأرض، ذكر جيريمي بوون من شبكة BBC في تغريده له على موقع "تويتر": "تذكّرني أوكرانيا أكثر فأكثر بالأيام الأولى لانفصال يوغوسلافيا". إذاً، ارتدى بوتين عباءة مدمّر الفاشية: نسخة جديدة من القائد الأعلى ستالين، لكن عبارة ستالين الشهيرة خلال الحرب كانت "ما من خطوة واحدة إلى الوراء"، ولا شك أن بوتين يدرك في تفكيره المنطقي أن غزو أوكرانيا سيشكّل كارثة اقتصادية وعسكرية طويلة الأمد، لكن التطورات وخطابه الواهم يقودانه بسرعة إلى حافة تلك الهاوية.

* أوين ماثيوز | Owen Matthews