صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3902

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

لماذا لا يهتم بوتين؟

  • 18-03-2014

كان يا ما كان أيام الحرب الباردة، كان يكفي أن "يزغر" جون كنيدي للاتحاد السوفياتي، فتسحب موسكو بطاريات منصات صواريخها في كوبا، في ما عرف تاريخياً بأزمة خليج الخنازير، واعتبرت أميركا أن تعاون كاسترو مع السوفيات في وضع بطاريات ومنصات صواريخ في كوبا تهديد نووي مباشر لها، لكن بعد نظرة ثم "تكشيرة" السوفيات "جابوا ورا".

ده كان زمان.

الآن هناك أوكرانيا، ولكن قواعد اللعبة تغيّرت.

لا يهم أن الاتحاد السوفياتي تضاءل ليصبح روسيا فقط، أو أن أميركا أصبحت القطب الأوحد، فالموضوع لم يعد يتعلق بحجم وقوة الدولة، ولا الأزمة أصبحت تتمحور حول بضعة صواريخ موجهة من كوبا إلى واشنطن.

من الآخر كده، الموضوع الآن موضوع فلوس.

لا والله بجد!

أيام زمان لما كان فيه ستار حديدي، كان السوفيات يخشون الغرب صدقاً، يظنون أنهم جادون حين يهددون بالدفاع عن حقوق الإنسان، يرتعدون من انتفاضة أميركا لحماية كوريا أو حتى مغامرتها الفاشلة في فيتنام.

الآن هذا الغرب المخيف تحوّل إلى ماكينة ضخمة لغسل أموال الروس، نحن نتكلم عن أكثر من ٥٦ مليار دولار خرجت من روسيا في سنة ٢٠١٢ وحدها، وتم غسلها في جزر الأنتيل الهولندية، وبنوك الجزر البريطانية.

الغرب بالنسبة إلى روسيا الآن مجموعة من أصحاب البنوك والمصالح الجشعين الذين لا يهتمون بمبادئ الديمقراطية على قدر اهتمامهم بالنقود التي في جيبك.

حين ينظر بوتين إلى الغرب، فهو لا يرى حلف شمال الأطلنطي، بل يرى دولاً أوروبية عالة على أميركا (في ما عدا ألمانيا)، يرى دولاً يطحنها التضخم والبطالة مثل البرتغال وإسبانيا واليونان تتسابق لعلاقات اقتصادية مع موسكو ورجال أعمالها الفاسدين، مع غض البصر عن أية انتهاكات لحقوق الإنسان داخل روسيا.

أميركا لم تعد القبضة الصارمة التي تحكم أوروبا، فهي مشتتة بين أفغانستان والعراق وإيران ومباحثات السلام في الشرق الأوسط، وفوق كل ذلك فهي تعاني تحت وطأة أكبر مديونية في العالم ومصدرها الصين، التي "من الآخر كده" ممكن تبيع وتشتري في أميركا.

كان من المفترض أن يخاف بوتين من الغرب، لأن أموال الروس التي تقبع في بنوك أوروبا عرضة للعقوبات والتجميد في حالة انتهاك الاتفاقيات الدولية أو حقوق الإنسان، ولكن مرة بعد مرة بعد مرة وجد بوتين أن الأوروبيين لا يمتلكون الشجاعة الكافية لفعل ذلك.

انتظر بوتين أن يحدث ذلك في ٢٠٠٨ حين وصلت القوات الروسية إلى مشارف "تبليسي" في جورجيا، بالطبع كانت هناك تصريحات غاضبة ونداءات سياسية عاجلة، ولكن ولا كلمة عن مليارات الروس في بنوك أوروبا.

حين تم الزج برموز المعارضة الروسية في السجون من خلال محاكمات صورية، انتظر بوتين أن يسمع ولو حتى همساً أي شيء عن نقود الروس، لم يحدث.

الروس الآن يقارنون بروكسل (مقر البرلمان الأوروبي) بالاتحاد السوفياتي في أوائل الثمانينيات حين كان السوفيات يتحدثون عن الماركسية ولا يمارسونها، الآن أصوات بروكسل صاخبة بالحديث عن حقوق الإنسان، ولكنهم ليسوا في حاجة إلى الكفاح من أجلها بجدية.

الدليل على ذلك رموز أوروبا السابقون، أبطال العالم الحر، فتوني بلير رئيس وزراء بريطانيا السابق هو المستشار الإعلامي لدكتاتور كازخستان الذي يساعده على تحسين صورته في الغرب، ليغسل صورته بعد موجات الاعتقالات والقتل المتكرر ضد معارضيه، وغيرهارد شرودر مستشار ألمانيا السابق عضو في مجلس إدارة الشركة التي تنشئ أنابيب الغاز بين روسيا وألمانيا عن طريق البحر الأسود.

المال يشتري كل شيء ولا عزاء للديمقراطية ومبادئ حقوق الإنسان.

لذلك بوتين يعلم أن كل الكلام الغاضب والتهديدات هي "طق حنك"، فلن تقترب أوروبا المنهكة اقتصادياً ولا أميركا المشتتة دولياً من أموال الروس.

ربما تنسحب أميركا من قمة الدول الثماني؟ طز، وإيه يعني؟

ربما ستفرض أميركا بعض العقوبات الاقتصادية، ولكن طالما كانت بعيدة عن عمليات غسل الأموال فلا قيمة لأية عقوبات.

مؤخراً تم تسريب ورقة من مقر رئاسة الوزراء البريطاني، مفادها أن بريطانيا ستحتج وتشجب، ولكنهم سيتجنبون أية إشارة لأي تجميد للأموال الروسية.

لكن سيبنا من أميركا وأوروبا، لنعد إلى بوتين وروسيا، بوتين يحتاج إلى أوكرانيا، هو يحتاج إلى القرم، بوتين يحتاج إلى حرب حتى لو كانت على الورق.

حين جاء بوتين رئيساً كان هناك وعد بالاستقرار، بالقضاء على الفوضى التي خلفها يلتسين ورفاقه، جاء بوتين رئيساً ثم أصبح رئيساً للوزراء تحت الرئيس الدمية ميدفيديف، ثم عاد رئيساً، لم تتمتع روسيا بالاستقرار ولم تتوقف الفوضى، بل استشرى الفساد والقمع والفقر.

في ديسمبر ٢٠١١ خرج أكثر من مئة ألف روسي للتظاهر ضد بوتين، تم قمعهم وتخويفهم، ولكن بوتين يدرك تماماً أنه يحتاج إلى قصة أخرى لتجميل وجه النظام، فالقمع لا يستطيع أن يحميه للأبد مع تصاعد الغضب.

لذلك تفتق ذهن بوتين عن الاتحاد الأوراسي، وهو اتحاد اقتصادي على غرار الاتحاد الأوروبي ضمت روسيا فيه بيلاروسيا وكازخستان، ولكن الاقتصاد هنا لا يهم، فهي محاولة لإحياء إمبراطورية الاتحاد السوفياتي.

وهنا أهمية أوكرانيا.

 سعى بوتين إلى ضم الدول التي كانت في الاتحاد السوفياتي ومنها أوكرانيا التي كان يرأسها فيكتور يانوكوفيتش كلب بوتين المدلل.

ولكن الشباب في أوكرانيا يريدون أن ينضموا إلى الاتحاد الأوروبي، لأنهم يرون في هذا الاتحاد الأوراسي ستاراً حديدياً جديداً تنتهك فيه حقوق الإنسان مرة أخرى، ويستشري الفساد من ورائه، وكل ذلك تحت غطاء الإمبراطورية الجديدة.

النتيجة ثورة عارمة للشباب بسبب الاتحاد الأوراسي والفقر والفساد وقمع المعارضين، فثار الشعب على يانوكوفيتش الذي هرب إلى موسكو.

وهنا جاء غزو القرم.

فدخول بوتين إلى شبه جزيرة القرم (جنوب أوكرانيا) ليس مجرد رد فعل لخلع دكتاتور أوكرانيا، فبوتين يحتاج إلى إلهاء يغطي به على الفساد والفقر، وأكثر من خمسين مليار دولار تم صرفها في أولمبياد سوشي الشتوية، ثلثها عمولات ورشاوى والقائمة تطول.

بوتين يحتاج إلى حرب يهلل لها الروس، فالقرم ليست "تبليسي"، القرم كانت جزءاً من روسيا حتى سنة ١٩٥٤، القرم هي مقر الأسطول الأسود الروسي، القرم وجهة السياحة لأكثر من مليون روسي سنوياً، القرم هي النادي الريفي المرفه الذي يعرفه الروس جيداً ويرتبطون به وطنياً وعاطفياً، القرم آخر مثال لرومانسية القرن التاسع عشر حين احتلتها روسيا وأخذتها من الدولة العثمانية.

إذا أعاد بوتين القرم فسيهلل له ملايين الروس، ولن يهتم أحد بحقوق الإنسان والفقر والفساد، فلا صوت يعلو فوق صوت المعركة، فكيف تجرؤ على أن تطالب القيصر المنتصر بحقوق الإنسان؟

ربما تكون مناورة، وربما يكون غزواً كاملاً، ربما يتراجع بوتين وربما يستمر في حملته، ولكن بوتين يعرف شيئاً واحداً، هو أن السياسيين الأوروبيين سيصدرون البيانات الغاضبة ثم يعودون إلى مكاتبهم لتسهيل شراء الروس للقصور الفرنسية والإقطاعيات البريطانية. يعرف أن أميركا لن تستطيع أن تجبر أوروبا على أن تتعامل بشكل مختلف مع روسيا.

بوتين يعرف كل ذلك، لهذا فهو ينظر إلى أوروبا وأميركا بنظرة شفقة وربما احتقار، فبوتين لم يعد يهتم.

ينشر باتفاق خاص مع «الشروق» المصرية