صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3960

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

هل بلغت العلاقات الصينية - اليابانية الحضيض؟

  • 20-02-2014

وصف عضو في الوفد الصيني لمؤتمر دافوس شينزو آبي وكيم يونغ أون بـ«مثيرَي الشغب»، مدرجاً رئيس الوزراء الياباني في الخانة ذاتها مع القائد الشاب الكثير التقلبات الذي يترأس نظاماً يرفضه المجتمع الدولي.

خلال المؤتمر الأمني في ميونيخ الشهر الماضي، أعلن نائب وزير الخارجية الصيني فو ينغ أن العلاقات الصينية-اليابانية "بلغت الحضيض". لكن هذا ليس التصريح الأبرز الذي أوضح (أو ساهم في تأجيج) التوتر الصيني-الياباني أخيراً.

في دافوس، وصف عضو في الوفد الصيني شينزو آبي وكيم يونغ أون بـ"مثيرَي الشغب"، مدرجاً رئيس الوزراء الياباني في الخانة ذاتها مع القائد الشاب الكثير التقلبات الذي يترأس نظاماً يرفضه المجتمع الدولي. أما آبي من جهته، فاعتبر الصين دولة عسكرية وعدائية جداً، موضحاً أن الصين واليابان تتمتعان، على غرار ألمانيا وبريطانيا قبيل الحرب العالمية الأولى، بتكامل اقتصادي، إلا أنهما متباعدتان استراتيجياً. حتى ج. ك. رولينغ (مؤلفة قصة هاري بوتر الشهيرة) أدت دوراً في الأسابيع الأخيرة مع تشبيه كل سفيرَي الصين واليابان في بريطانيا البلد الآخر بشرير من رواية هاري بوتر.

لا شك في أن الأعمال أبلغ من الأقوال. وقد رأينا أخيراً الكثير من الخطوات الاستفزازية من كلا الجانبين. ففي شهر نوفمبر، أعلنت بكين منطقة دفاع جوي آسيوية شرقية تفرض على كل الطائرات اتباع التوجيهات التي تصدرها السلطات الصينية حتى في المناطق المتنازع عليها، ما أدى إلى ارتفاع التوتر إلى مستويات جديدة. وفي الشهر التالي، زار آبي ضريح ياسوكوني، علماً بأن هذا الموقع يرتبط بالنزعة العسكرية اليابانية خلال الحرب العالمية. نتيجة لذلك، صبت زيارته هذه الزيت على نار المشاعر المعادية لليابان بين جيران هذه الدولة.

ولكن رغم الصدامات المتكررة والصراع المتنامي، فمن المستبعد جداً أن يتصاعد الخلاف الصيني-الياباني ويتحول إلى نزاع عسكري. فلن تحاول الصين تقويض كل علاقاتها الاقتصادية مع اليابان، خصوصاً أن المسؤولين في المقاطعات الصينية يبدون أكثر اهتماماً بجذب المستثمرين اليابانيين. على نحو مماثل، لاتزال اليابان تعتبر نجاح شركاتها في السوق الصيني الواسع جزءاً لا غنى عنه من جهودها للنهوض باقتصادها المحلي، مع أن شركاتها تحاول راهناً تفادي المخاطر بتحويل استثماراتها بعيداً عن الصين. لذلك، من المستبعد أن تبلغ العلاقات بين هاتين الدولتين حد الانفجار، بل سنشهد على الأرجح دورات متواصلة من التوتر.

إذن، إن كان كلا الطرفين يحاول الحد من إمكان نشوب صراع، فكم يجب أن نقلق؟ صحيح أن الصراع المسلح قد يكون مستبعداً، ولكن تبقى العلاقات الصينية-اليابانية العلاقات الثنائية الأكثر خطورة من الناحية الجيو-سياسية حول العالم. ولن يتبدل هذا الوضع قريباً. وثمة أسباب عدة تعلل ذلك.

أولا، ثمة احتمال (وإن كان بعيداً) حدوث خطأ في الحسابات يؤدي إلى عواقب وخيمة. فعندما تُرسَل الطائرات الحربية للتصدي "لتعديات" الصين في ما تعتبره اليابان مناطق تابعة لها، يرتفع احتمال وقوع خطأ ما. ونظراً إلى هشاشة العلاقات بين البلدين، ستظن كل من الصين واليابان أن الطرف الآخر يضمر لها الشر عند حدوث هذا الخطأ.

علاوة على ذلك، من الصعب بالتأكيد تجاهل العلاقة بين البلدين، نظراً إلى ضخامة اقتصاديهما وحجم التكامل بينهما. فتتمتع الصين واليابان بثاني وثالث أكبر اقتصاد في العالم. كذلك تملك اليابان 23 ألف شركة ناشطة في الصين تضم 10 ملايين عامل صيني. لكن الشركات اليابانية تحاول الابتعاد راهناً عن الصين، مع تراجع الاستثمار الأجنبي المباشر وتحويل اليابان أنظارها نحو جنوب شرق آسيا على وجه الخصوص. فضلاً عن ذلك، تقترب التجارة الصينية- الكورية الجنوبية بسرعة من مستوى التجارة الصينية-اليابانية نتيجة تداعيات التوتر بين طوكيو وبكين. وإذا بدأ الصينيون واليابانيون يظنون أن علاقاتهم الاقتصادية تتراجع، فسيؤدي ذلك إلى تفاقم خطر وقوع مواجهة بين البلدين.

بالإضافة إلى ذلك، يُعتبر هذا الصراع خطراً عالمياً كبيراً نظراً إلى حجمه ومدته: يعود هذا التوتر إلى عداوة تاريخية لا حل لها. وما من مساعي تقرب دبلوماسية بين الصين واليابان. كذلك لا تبذل الولايات المتحدة أو أي قوة أجنبية أخرى مجهوداً يُذكر لتسهيل العلاقات بين البلدين. فلا يحاول أحد في الصين رؤية العالم من وجهة نظر اليابان، والعكس صحيح أيضاً. أظهر استطلاع للرأي أجراه "معهد بيو" أخيراً أن 6 في المئة فقط من الصينيين يكونون صورة إيجابية عن اليابان، في حين ينظر 5 في المئة فقط من اليابانيين نظرة إيجابية إلى الصين. صحيح أن كلا الطرفين يدرك أن صراعاً مفتوحاً لا يخدم مصالح أي منهما، لكن هذا يمنحهما سبباً إضافياً للمضي قدماً في استفزازاتهما. أوضح لي مسؤول صيني بارز أخيراً أن الصينيين لا يخشون استفزاز اليابان، لأنهم هم "لا يريدون الحرب" واليابانيون "لن يتجرأوا على ذلك".

لاشك في أن من مصلحة الصين واليابان كلتيهما تفادي خوض صراع عسكري، لكنهما تملكان دوافع لإطالة التوتر، فتستفيدان كلتاهما في الداخل من فكرة تبني موقف راسخ في وجه عدو تاريخي. لذلك تواصل بكين استخدام طوكيو كمتنفس للضغوط القومية، بينما تلطف سياستها الخارجية على جبهات أخرى، خصوصاً العلاقات الأميركية، علماً بأن المحاولة الصينية الأخيرة لاستمالة واشنطن تهدف في جزء منها إلى إحداث شرخ بين الولايات المتحدة واليابان. أما في طوكيو، فيعتبر شينزو آبي بروز الصين تهديداً طويل الأمد لمكانة اليابان في المنطقة، وينوي بالتأكيد التصدي له.

إذن، ماذا نتوقع هذه السنة؟ لن تؤدي هذه المناورات على الأرجح إلى صراع عسكري بل إلى تفاقم رأي عام متأجج أساساً وتراجع المناخ التجاري في كلا البلدين. فسيحاول آبي إعادة تفسير أو حتى إعادة كتابة القيود الدستورية التي تكبل حق اليابان باستخدام القوة في الصراعات الدولية، ومن المرجح أن يزور ضريح ياسوكوني مجدداً.

لكن المقلق حقاً ليس المخاطر القصيرة الأمد، بل غياب أي حل ممكن.

* إيان بريمر | Ian Bremmer