صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3962

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

محطة الانتظار

  • 28-03-2014

مرت الدقائق متباطئة/ تأخر القطار عن موعده/ توترت أعصابه وهو يوزع نظراته/ بين ساعة القطار المغطاة بالتراب وبين الفتاة الجالسة جواره/ تظاهر بالهدوء/ الانتباه إلى التفاصيل يقتل الوقت/ المحطة تموج بالبشر/ والغبار يتصدر المشهد/ الصحراء تظل صحراء/ رغم المباني الشاهقة/ والشجيرات المتناثرة على جانبي الخط الحديدي.

.......

لمح  شرطي القطار في مقدمة المحطة/ في الزي التقليدي لرجال الأمن/ محاولاً فرض هيبته/ لا يلاحظه أحد/ وجهه يسكنه القلق/ ويخلو من الملامح/ الهراوة التي في يده تعطية إحساسا بالتفوق/ لم يعد يتذكر سبب دخوله عالم الشرطة/ بالأحرى ليس هناك سبب/ لكل ما يعيشه اليوم/ كل مايذكره إن والده قرر إلحاقه بالشرطة/ لم يقاوم ولم يعترض/ ومن يومها لم يقرر شيئا لنفسه/ عدم إمتلاكه لحد أدنى من الأحلام/ انتهي به إلى الشرطة/ عاش بلا طموح ولا هدف/ لم يعرف يوما وجهته/ المئات يرحلون أمامه كل يوم الى وجهتهم/ وبقي هو عالقا هنا.

.......

سمع صوتا موسيقيا/ ينبعث من مذياع صغير يحمله رجل عجوز/ يحتضن صرة ملابسه ويقبع فوق الرصيف/ تصاعد صوت أم كلثوم/ "آه ... كم أخشى غدي هذا وأرجوه اقترابا/ كنت أستدنيه لكن هبته لما أهابا.../... هكذا أحتمل العمر نعيما وعذابا"/ تعود به الأغنية إلى سنوات جميلة ولت/ يتبخر العمر وتبقى الأغنية.

.......

على بعد خطوات منه يقف رجل في منتصف الخمسينيات/ ذو قامة قصيرة وملامح سمراء/ يستند إلى العمود الحديدي الذي يتوسط الرصيف كإنه يخشي السقوط/ يريد فقط أن يصل إلى جهته دون أن يعوقه شيء/ الإحباطات التي مر بها منذ شبابه/ كانت كافية لتلقيه جانبا/ كل ما يحلم به الآن هو أن يركب القطار/ ويعود إلى غرفته ليستسلم إلى غفوته بعد نهار شاق/ رغم أنه كغيره من أبناء جيله عشق عبدالناصر/ وتوحد مع القائد في شبابه/ إلا أنه ترك كل شيء بعد الهزيمة/ لم يعد يتابع الأخبار/ تتغير أسماء الوزراء/ ولا يتغير شيء/ أصبح كل همه أن يحصل على قوته/ وأن يحتفظ لنفسه بمساحة خاصة/ لا يسمح لأحد باختراقها/ الخوف من الخيبات كان هاجسه/ ومرارة الهزيمة لم تفارق روحه.

.......

على المقعد الحديدي ما زالت الفتاه جالسة/ نظراتها حائرة/ بدت وكأنها تبحث عن مخرج/ منذ دخولها الجامعة/ وهي تصارع الفقر/ أحبت زميلا لها ولكنه تركها الى فتاة ثرية/ أبيها يريد أن يزوجها لكهل ثري لا تحبه/ تتخيل نفسها معه في غرفة مغلقة/ تفزعها هذه الصورة/ يراودها كابوس واحد يتكرر كل ليلة/ تمشي في غرفة مظلمة لا متناهية/ تخلو من الجدران/ والأبواب والنوافذ/ تستيقظ قبل أن تسقط في هوة سحيقة/ موعد الزفاف يقترب/ تختزن الدموع في عينيها الجميلتان/ وتفكر في الهرب.

.......

القطار يعلن عن وصوله في صخب/ الرجل الأسمر قصير القامة يتنفس الصعداء/ الفتاة تبدو غير مكترثة/ مصيرها ينتظرها على الجانب الاخر/ الشرطي ينظر للركاب في حسرة/ تمنى لو أنه ركب القطار مثلهم/ تمنى لو عرف وجهته/ العجوز لم يقم من مكانه/ وكأنه التصق بالرصيف/ يواصل الاستماع إلى أم كلثوم/ "أغدا تشرق أضواؤك في ليل عيوني/ آه من فرحة أحلامي/ ومن خوف ظنوني".