صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3982

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

خلدونيات

  • 12-06-2014

كتب ابن خلدون «مصر... سلطان ورعية»، ويقصد أن مصر كانت في الطريق إلى أن تصبح؛ دولة مدنية حديثة، ولم تكن حسب نظريته، دولة قبائل، وكل قبيلة تثير عصبيتها، والعصبية تقوّي الدولة في البداية لكنها تضعفها في نهاية المطاف، ثم إنه انتقل إلى المشرق، وفي المشرق زار دمشق، ولم ير فيها حاكماً يقصف رعاياه بالبراميل المتفجرة!

كان عبدالرحمن بن خلدون سليل عائلة عربية تنتمي إلى حضرموت... فهو يمني الأصل، وكذا أصل العرب جميعاً، وقد تولى جده الأكبر إمارة برشلونة، عندما كانت برشلونة لا تزال بيد العرب، ويذكر التاريخ أنه، أي هذا الجد، قد بنى "الخيرالدا" وهي كلمة إسبانية معناها المئذنة أو المنارة، فهو إذاً باني مئذنة برشلونة أو "خيرالدا" برشلونة.

هذه واحدة من "الخلدونيات".

أما ثانيتها فهي أن ابن خلدون، وأقصد عبدالرحمن، قد أرسل عائلته إلى الحج عن طريق البحر، وهبت عليهم عاصفة وغرقوا جميعاً، رحمهم الله، وظل بلا عائلة إلى أن توفاه الله،

وهو عندما ذهب إلى مصر كان في رحلة ثانية، وظل بمصر حتى عرف قدره سلطان المماليك، فعينه قاضي القضاة فيها.

وكان العربي يتولى أي منصب في أي بلد عربي دون أن يسائله أحد، وقد ظل في ذلك المنصب سنوات عدة، وكان محباً لمصر، ويتضح ذلك من كتاباته، عندما توفي عُرف قبره، فهو معروف المدفن، ومصر كانت مدفنه؛ لذلك كان يُحتفى به في مصر وبذكراه كأي مصري، وكما قال الشاعر: "بلاد العرب أوطاني". فابن خلدون عاش بلاد العرب كلها، وكان لا يشعر بأي غربة عندما يتنقل من بلد عربي إلى آخر.

وقد كتب عن مصر: "مصر... سلطان ورعية"، ويقصد أن مصر كانت في الطريق إلى أن تصبح؛ دولة مدنية حديثة، ولم تكن حسب نظريته، دولة قبائل، وكل قبيلة تثير عصبيتها، والعصبية تقوّي الدولة في البداية لكنها تضعفها في نهاية المطاف، ثم إنه انتقل إلى المشرق، وفي المشرق زار دمشق، ولم ير فيها حاكماً يقصف رعاياه بالبراميل المتفجرة!

فقد كان حكام ذلك الزمن يطلبون ودّ رعاياهم، ولا يقصفونهم بالبراميل المتفجرة، ثم زار ما حول دمشق من مناطق وأقاليم، وكان قصير الإقامة في كل بلد، ما إن يدخله حتى يخرج منه، وهذا يدل على أنه ملول، وكان ملله هو السبب وراء تقصيره الإقامة في البلاد التي يسافر إليها.

وهنا نأتي إلى مسألة لم تحل في تراث ابن خلدون، وهي أنه كتب تاريخاً طويلاً ولم يطبق أياً من نظرياته الممتازة، فكيف يأتي "مؤرخ" لا يخضع تاريخه لنظرياته؟ هذا ما يطرح هذا التساؤل، وتلك من الأمور المحيرة في ابن خلدون.

تتفاجأ وأنت تقرأ تاريخه "اللامعقول"، أين "المعقول" في كتاباته؟ وقد تضمّن معقولاً كثيراً؟ وهذا ما حدا ببعض الدارسين إلى التشكيك في نسبة "المقدمة" إليه! ولكن إذا شككنا في نسبة المقدمة إلى ابن خلدون فمن كتبها إذاً؟ وكان الأولون من خصومه يتقبلون نصوصه كلها دون أن يثيروا شكاً!

إن هذا "الأمر المحير" في ابن خلدون أثار النقد الحديث، ولم يكن وارداً من قبل، ولكن عندما يثار النقد الحديث، ويظل النص مقبولاً في القديم، يصعب قبول النقد الحديث، أياً كان، وأياً كانت وجاهته!

لذلك فالتشكيك في نسبة "المقدمة" إلى ابن خلدون ضعيف ولا يمكن الاعتداد به، ولكن لو راجعنا ما جاء به "النقد الحديث" من أسئلة في كل أوجه الثقافة الإنسانية لوجدنا في ذلك ما يكفي لتشغل به تلك الثقافة نفسها.

 * أكاديمي ومفكر من البحرين