صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3598

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

أوباما يقلب الأوضاع رأساً على عقب

  • 13-05-2014

ارتكز تأثير أوباما على إعادة كلمتَي «إنصاف» و«مساواة» إلى القاموس السياسي، فيشكّل إنجاز أوباما التشريعي الأكبر، قانون الرعاية الصحية القليلة الكلفة، معلماً بارزاً لأنه يرسّخ مبدأ ضرورة اعتبار الرعاية الصحية حقاً، لا امتيازاً.

هل نستطيع القول إن عهد باراك أوباما الرئاسي سيُعتبر الأهم منذ عهد رونالد ريغان، عهد "بدّل مسار الولايات المتحدة" و"وضعنا على درب مختلف تماماً"؟

شكّل هذا هدفاً جريئاً رسمه أوباما لنفسه خلال حملته عام 2008، ومن الملائم اليوم تقييم التقدم الذي حققه لأن السنة السادسة من عهد أي رئيس تُعتبر عادةً المرحلة الأكثر تراجعاً، فالتعوّد يولد الاستياء والتأفف، على الأقل بين المعلقين الذين يخفقون في رؤية الصورة الكبرى بسبب تركيزهم الضيق على أي حزب يُعتبر "منتصراً" في مرحلة ما.

كان لأوباما تأثير محوّل كبير في الصعيدين المحلي والخارجي، ولا شك أننا سنشهد المزيد من تأثيره هذا في المستقبل.

تمحور إنجاز ريغان الأعظم في الداخل حول دفع الطيف السياسي نحو اليمين، فيميل الناس عادةً إلى نسيان كم بدت أفكاره متشددة، فهل كانت الاقتطاعات الضريبية والتخفيف الكبير في القواعد والقيود سيقودان بطريقة ما إلى المزيد من العائدات؟ وهل كانت الثروة ستنتشر لتعود بالفائدة على الطبقة الوسطى، حتى الفقراء؟ لم يكن الديمقراطيون مَن استخفوا بهذا المفهوم، بل الجمهوريون، فقد وصفه الجمهوري جورج بوش الأب بـ"الاقتصادات المخادعة".

ما زلتُ أعتبر هذا الوصف الأفضل لبرنامج ريغان حتى اليوم، لكن ريغان نجح في تبديل المناظرة السياسية إلى حد أصبحت معه الأفكار، التي كانت تُعتبر متطرفة سابقاً، وسطيةً، ومع وصول أوباما إلى سدة الرئاسة، كان خليط سياسات ريغان (التي بلغت حدوداً لم يتخيلها ريغان بحد ذاته) والعولمة قد أديا إلى ولادة أمة كان فيها الأغنياء يزدادون غنىً على نحو فادح، في حين يتخبط ما تبقى من الشعب في مشاكله من دون أن يحقق أي تقدّم.

ارتكز تأثير أوباما على إعادة كلمتَي "إنصاف" و"مساواة" إلى القاموس السياسي،

فيشكّل إنجاز أوباما التشريعي الأكبر، قانون الرعاية الصحية القليلة الكلفة، معلماً بارزاً لأنه يرسّخ مبدأ ضرورة اعتبار الرعاية الصحية حقاً، لا امتيازاً. سعى ديمقراطيون (أمثال هاري ترومان) وجمهوريون (أمثال ريتشارد نيكسون) طوال عقود لدفع الأمة نحو برنامج رعاية شامل، ولا شك أن نجاح أوباما حيث فشل آخرون يمثّل بحد ذاته إنجازاً كبيراً.

والأهم من ذلك على الأرجح واقع أن المناظرة داخل الحزب الجمهوري صارت تتمحور راهناً حول كيفية توسيع تغطية التأمين الصحي، مع أن الجمهوريين لا يزالون يدعون أنهم يريدون إلغاء برنامج أوباما للرعاية الصحية، لكن العودة إلى ما كان عليه الوضع قبل برنامج الرعاية القليلة الكلفة ليس خياراً مطروحاً.

يشكّل برنامج الرعاية الصحية جزءاً من حقيبة كبيرة من المسائل التي أعاد فيها أوباما كفة الميزان لليسار، على سبيل المثال، برهن هذا الرئيس أن من الضروري فرض المزيد من التنظيمات على القطاع المالي، واضطر الجمهوريون إلى الرضوخ؛ كذلك راح الرئيس يشدد في خطاباته على ضرورة رفع الحد الأدنى للأجور. صحيح أن الجمهوريين لم يستسلموا بعد في هذا المجال، لكنهم سيُضطرون إلى ذلك لا محالة بسبب ما تحظى به هذا النقطة من دعم شعبي كبير.

سواء خسر الديمقراطيون مجلس الشيوخ أم لا، سيواجه أوباما في مطلق الأحوال صعوبة في تمرير تشريعات مهمة خلال سنتيه الأخيرتين، أرجوكم لا تقولوا إن عليه أن يكون ببساطة سياسياً أفضل، على غرار بيل كلينتون، فقد تفوق أوباما على بيل وهيلاري كلينتون عام 2008، ولا شك أن رجلاً أسود اسمه الثاني حسين يُنتخب رئيساً مرتين يجب أن يُعتبر دوماً من أهم وأبرز المشاهير السياسيين في العالم.

رغم ذلك، ما زال بإمكان أوباما أن يترك تأثيراً محوّلاً، فبالعمل من خلال وكالة حماية البيئة، يستطيع الرئيس اتخاذ خطوات مهمة للحد من انبعاثات الكربون، لا أعلم ما إذا كان سيصل إلى الحد الذي أعتبره ضرورياً، ولكن مهما فعل، ستبقى خطواته هذه بحد ذاتها بالغة الأهمية.

في السياسة الخارجية، مارس ريغان الضغط على نقاط ضعف الإمبراطورية السوفياتية وساهم في تفكيكها، وقد تبنى أوباما أيضاً مهمة كبيرة لا تقل عما قام به ريغان أهمية: إعادة تحديد دور الولايات المتحدة في عالم يشهد تبدلات جذرية.

لا يُعتبر أوباما الرئيس الأول الذي يؤيد التعددية، لكنه قد يكون أول مَن سار وفق تأييده هذا، فلم يقبل باستخدام القوة في ليبيا إلا بعد أن تولت فرنسا وبريطانيا القيادة في الظاهر خلال تلك الحرب، كذلك أبقى حلفاء حلف شمال الأطلسي (الناتو) موحدين في التعاطي بحذر مع الأزمة الأوكرانية، ورفض أيضاً الانجرار إلى الحرب السورية لأنه لم يكن واثقاً مما إذا كان هذا التدخل سيدفع الوضع نحو الأحسن أو الأسوأ.

أدرك الرئيس أنه حتى أقوى أمة في الأرض لا تستطيع لعب دور الوسيط في كل خلاف، المشاركة في كل الحروب، والتخفيف من كل المآسي، وهكذا أقر بحدودنا وحدّدَ بدقة أكبر مصالحنا القومية، فنال رضا الشعب، مع أن بعض خبراء السياسة الخارجية مستاؤون جداً.

قد يكون أوباما متحفظاً ومنطوياً على ذاته، لكني أعتبره عموماً مفعماً بالطاقة، واثقاً من نفسه، عاقد العزم، ومدركاً تماماً أنه يقلب الأوضاع رأساً على عقب.

* يوجين روبنسون | Eugene Robinson