صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3902

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

ما هي «السلفية» المصرية تحديداً؟

  • 11-12-2013

- 1 -

أصبحت السلفية أوسع انتشاراً في مصر- أخيراً - أكثر من أي بلد عربي آخر، وهناك أسباب تاريخية، واجتماعية، واقتصادية، وسياسية، متعددة لذلك، منها:

بعض الأسباب التاريخية:

1- حكم المماليك (عصر الانحطاط) مصر حوالي 266 سنة (1250-1516)، وكان حكمهم مليئاً بالفساد والشعوذة والتكايا الصوفية الشعبية الساذجة، وقد أورثوا المصريين هذه القيم، التي مازال بعضها قائماً ومعمولاً به.

2- وبعد معركة "مرج دابق" 1517م، تمَّ القضاء على المماليك، وحكم العثمانيون (امتداد عصر الانحطاط)، مصر حوالي 407 سنوات (1517- 1924)، ويكون مجموع ما حُكمت به مصر من قبل السلفية (المماليك والعثمانيون) 673 سنة أي ما يقارب سبعة قرون. وكان حكم العثمانيين لمصر بواسطة ولاتهم الذين كانوا يعتبرون المصريين عبيداً لهم، ولا همَّ لهؤلاء الولاة غير جمع أكبر مبلغ من الضرائب التي كانت تجبى بقوة وقسوة وتُرسل الى الآستانة.

3- وعندما حكم محمد علي باشا، ومن جاء بعده من أبنائه وأحفاده، حكموا مصر 147 سنة (1805- 1952)، وأصلحوا حال مصر بعض الشيء.

4- ثم جاء الاحتلال الاستعماري البريطاني الذي حكم مصر 72 سنة (1882- 1954)، وغضَّ النظر عن ممارسة بعض القيم التي ورثها المصريون عن المماليك والعثمانيين.

5- وكانت ثورة العسكر 1952، التي واجهت صعوبات جمة، وبذلت جهوداً كبيرة في سبيل تغيير بعضها، فنجحت في بعضها، وفشلت في معظمها.

6- وكان صوت "جماعة الإخوان المسلمين"- كجماعة أصولية سلفية- عالياً، منذ أن تأسسوا عام 1928 في الإسماعيلية، وكان لهم رصيد شعبي كبير في الشارع العربي، الذي أطلقت عليه الباحثة التونسية (زهيّة جوريو) "الإسلام الشعبي"

وكانت هناك إضافة إلى ذلك، بعض الأسباب الاجتماعية لانتشار السلفية في مصر، على النحو الذي نراه الآن، منها:

1- انتشار الأميّة، التي بلغت نسبتها حداً مقلقاً، فبلغت حوالي 60% بين الذكور، وحوالي 80% بين الإناث، وهي بيئة صالحة، وتربة خصبة، لإنبات القيم السلفية.

2- من المعلوم حتى الآن، أن أكثر من 50% من الشعب المصري مكوَّنٌ من العمال والفلاحين البسطاء، وهؤلاء- في معظمهم- لا يعلمون لأنهم أميين لا يقرؤون ولا يكتبون، وما اكتسبه من معارف، فهو من أفواه وحناجر، بعض المريدين الصوفيين التقليديين.

3- ولعل مما ساعد على انتشار السلفية في مصر- كما هي الآن- اعتقاد نسبة كبيرة من الشعب بـ"الأسياد" من المشعوذين والدجالين، ومن لهم علاقة بالجان. وممارسة "الزار" لطرد الشياطين الموهومة.

وهناك أسباب أخرى عامة، لانتشار السلفية الواسع، في مصر، منها:

1- ارتفاع نسبة الفقر بين المصريين، وزيادة عدد العشوائيات.

2- تشجيع معظم الحكام للسلفية، لتسيير أمر حكمهم، ولسهولة حكم السلفيين الذين يشاطرون بعض الحكام قيمهم السياسية، والاجتماعية، المختلفة.

3- الانفتاح الإعلامي، وحرية الرأي، التي ساعدت أفكار وقيم السلفية على الانتشار السريع.

4- إقامة قنوات فضائية إعلامية سلفية عدة، منحت فرصة كبيرة لشيوخ السلفية التقليديين للحديث إلى الناس البسطاء.

5- وبما أن المال دعامة كبيرة لانتشار الفكر الأصولي، فقد كان الدعم المالي والمساندة السياسية من "الإخوان" الأغنياء للسلفية كبيراً، لتقوية شوكتهم، وشد أزرهم، وسند ظهرهم.

- 2 -

في القرن التاسع عشر، ظهر في الفكر الإسلامي المصري، ما أُطلق عليه "السلفية الجديدة" وكان أبرز شيوخها المصري محمد عبده واللبناني الذي كان يقيم في مصر الشيخ محمد رشيد رضا، فما الفروق بين السلفية القديمة والسلفية الجديدة، علماً بأن السلفية القديمة تتفق مع السلفية الجديدة في الحنين إلى الماضي، وإلى عصر النبوة، وعصر الخلفاء الراشدين، دون اعتبار لكون هذه الفترة لا تمثل التاريخ، إنما تمثل أسطورياً تلك الفترة. كما قال المفكر والأكاديمي التونسي عبدالمجيد الشرفي، في كتابه "لبنات في المنهج وتطبيقه"، ص 57.

من ناحية أخرى، تتفق السلفيتان على عدم الخروج على السلطان وشق عصا الطاعة في وجهه، كما تتفقان على أنهما في صراع دائم على السلطة والسيادة.

ولكن تبقى هناك، بعض الفروق البسيطة، بين السلفية القديمة والسلفية الجديدة، منها:

1- تختلف السلفية القديمة عن السلفية الجديدة في أن الثانية لا تهدف كثيراً إلى أهداف دينية كالقديمة، بل أصبحت أهداف السلفية الجديدة دنيوية.

2- دعوة السلفية الجديدة إلى الرجوع إلى الماضي فيه الشيء الكثير من كسر السند المباشر المنعوت بالجمود.

3- كان دعاة السلفية القديمة يعتبرون من أهل الحديث قبل أن يكونوا دعاة إصلاح اجتماعي أو سياسي، بينما دعاة السلفية الجديدة يستبعدون الأحاديث النبوية الشريفة لاعتبارهم أنها تعطل الإرادة وملكة النقد، وهو ما يحول دون قيام التطوير والتغيير.

4- ورغم أن السلفية الجديدة مثلت نقطة مهمة، في كسر جمود الفكر الإسلامي، فإنها بقيت في مستوى "الوعي الشقي بالتاريخ"، المنافي للإيمان بالتقدم. وأبقت على مفهوم "الدين المغلق".

وكما يقول المفكر الحداثي والأكاديمي التونسي عبدالمجيد الشرفي في كتابه "لبنات في المنهج وتطبيقه" (ص 62)، فإن الطرح السلفي طرح متغير في دواعيه وأغراضه، وأنه لا يمكن مجاراته في ادعائه الوفاء للإسلام الصحيح.

إن الوفاء للإسلام يكون بالحرص على جعله ديناً منفتحاً، يجرؤ أتباعه على تجديد التأويل لنصوصه المقدسة، بما يراعي روحه والحكمة منها، ويراعي في الوقت نفسه مستجدات العصر، ومتطلبات الحاضر ويكون دستوره في هذا المجال كما قال الجاحظ:

سبيلنا لمن بعدنا، كسبيل من كان قبلنا فينا.

على أننا وجدنا من العبرة أكثر مما وجدوا، ومن سيأتي من بعدنا سيجد من العبرة أكثر مما وجدنا، كما ينقل لنا عبدالمجيد الشرفي عن الجاحظ في كتابه "كتاب الحيوان".

* كاتب أردني