صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3907

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

أفغانستان قد تكون آخر معركة يخوضها حلف الأطلسي

  • 30-09-2013

تشير التخفيضات التي أقرتها فرنسا وألمانيا، إلى جانب فرض تخفيضات مماثلة في المملكة المتحدة، إلى أن الإنفاق الدفاعي لم يعد من الأولويات في الاتحاد الأوروبي، كما يشير ذلك أيضاً إلى أن مستقبل حلف الأطلسي أصبح على المحك.

أعلن وزير الدفاع الفرنسي جان إيف لودريان خلال الشهر الماضي في باريس أن فرنسا تخطط لإنفاق 251 مليار دولار على جيشها. لا يقتصر هذا الرقم على عام 2014 بل على الأعوام الخمسة المقبلة، ما يعني أن باريس تخطط لإنفاق حوالي 50 مليار دولار فقط على قواتها المسلحة كل سنة، أي ما معدله 1.3 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بعد أن كانت هذه النسبة 1.9 في المئة هذه السنة.

كجزءٍ من التخفيضات، تعمد فرنسا إلى التخلي عن 34 ألف جندي في صفوفها. كذلك، خفّضت ألمانيا 10.7 مليارات دولار من ميزانيتها العسكرية لعام 2014، وأعلنت حديثاً أنها ستخفّض حجم جيشها من 250 ألف عنصر إلى 165 ألفا، وقد أنهت عملية تجنيد العناصر مع أنها تُطبَّق منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

تشير التخفيضات التي أقرتها فرنسا وألمانيا، إلى جانب فرض تخفيضات مماثلة في المملكة المتحدة، إلى أن الإنفاق الدفاعي لم يعد من الأولويات في الاتحاد الأوروبي. لكن يشير ذلك أيضاً إلى أن مستقبل حلف الأطلسي (التحالف المسؤول عن مختلف العمليات، بدءاً من التدخل في يوغسلافيا السابقة خلال التسعينيات وصولاً إلى الحرب الراهنة في أفغانستان) أصبح على المحك.

في الوقت الراهن، الدولتان الوحيدتان اللتان تلبيان شرط إنفاق 2 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي على قطاع الدفاع ضمن حلف الأطلسي هما المملكة المتحدة واليونان (يا لها من مفارقة!). نشأ حلف الأطلسي للفوز بحرب برية في أوروبا. لكن مع تراجع احتمالات وقوع حرب مماثلة اليوم، تجد منطقة اليورو صعوبة في تبرير وجود الحلف.

آخر من دق ناقوس الخطر هو الأمين العام أندرس فوغ راسموسن الذي حذر في الأسبوع الماضي من أن أوروبا تجازف بفقدان أهميتها إذا لم تتقاسم أعباء حلف الأطلسي مع الولايات المتحدة. في الوقت الراهن، توفر واشنطن 70 في المئة من التمويل للحلف.

قال راسموسن: "أظن أن الدول الأوروبية تستطيع، بل يجب عليها، أن تبذل المزيد كي تضاهي حجم الالتزام الأميركي لأن حلف الأطلسي يستمد قوته من أوروبا القوية. وستتطلب أوروبا القوية إرادة سياسية قوية".

تراجع بطيء وثابت

يشهد الإنفاق الدفاعي الأوروبي تراجعاً ثابتاً منذ عشر سنوات تقريباً وفق تقرير من إعداد مركز الدراسات الدولية الاستراتيجية والمتقدمة في ديسمبر 2012. ذكرت نتائج المركز: "تراجع مجموع الإنفاق الدفاعي في أوروبا من 263.1 مليار يورو في عام 2001 إلى 220 مليار يورو في عام 2011 (معدل النمو السنوي يبلغ ناقص 1.8 في المئة). هذه النزعة تشمل جميع فئات الإنفاق الدفاعي".

لا عجب أنّ أوروبا تنفق نسبة أقل على الدفاع. فقد أجبرتها منطقة اليورو على إقرار تخفيضات في الميزانية، بما في ذلك قطاع الدفاع. لكن يحصل ذلك أيضاً لأن الأوروبيين يزدادون قناعةً بأن التهديدات العسكرية ما عادت موجودة.

وفق مسح "اتجاهات الأطلسي" الذي أصدره "صندوق مارشال الألماني" لعام 2013 في الأسبوع الماضي، تبين أن 56 في المئة من الأوروبيين يظنون أن حلف الأطلسي ضروري وهم يعتبرونه مجرد تحالف من "الدول الديمقراطية التي يجب أن تتحرك معاً". كان دعم استعمال حلف الأطلسي كقوة عسكرية شبه معدوم في أوروبا. فقد ظن 15 في المئة من جميع الأوروبيين فقط أن بلدهم يواجه تهديداً عسكرياً. يسمح غياب أي تهديد مرتقب للحكومات الأوروبية بالانسحاب من التزاماتها مع حلف الأطلسي من دون مواجهة أي عواقب سياسية محلياً.

لم يعد حلفاؤنا التقليديون موثوقين بالكامل. هم يتعاونون مع جهود المراقبة الأميركية، لكن يحصل ذلك خارج مظلة حلف الأطلسي. حدث ذلك التعاون أيضاً رداً على الاعتداءات الإرهابية في 11 سبتمبر 2001. لكن تشير الأحداث الأخيرة إلى معنى تراجع تكاليف الدفاع الأوروبي من الناحية العملية.

فشل رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون في ضمان الأصوات اللازمة للسماح بشن ضربات ضد سورية، فبقيت الولايات المتحدة وحدها في مساعيها لحشد الدعم الدولي. رفضت ألمانيا من جهتها التوقيع على إعلان يدين الرئيس السوري بشار الأسد وانحازت إلى روسيا والصين (عادت ووقّعت عليه تحت ضغط سياسي في برلين).

وحدها فرنسا بقيت شريكة موثوقة في حلف الأطلسي. لكن يبدو أن الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند يدفع ثمناً سياسياً على الساحة المحلية بسبب هذا الدعم.

ليست أوروبا الجهة الوحيدة التي لا تبدي استعدادها لإنفاق المال. بعد عقد من الإنفاق العشوائي، بدأ البنتاغون بدوره يضيّق الخناق على ميزانيته. حتى أن وزير الدفاع الأميركي تشاك هايغل حذر من تغيّر شكل الالتزام الأميركي مع الحلف في السنوات المقبلة. حين سُئل هايغل عن التكاليف وحلف الأطلسي في شهر مايو، أجاب: "أظن أنهم يعلمون ويدركون حقيقة ما نلتزم به راهناً. يواجه حلفاؤنا في حلف الأطلسي المصاعب أيضاً بسبب مشاكلهم الاقتصادية".

خفّضت الولايات المتحدة أيضاً عدد القوات العسكرية التي كانت تنشرها في أوروبا بشكل جذري. في ذروة الحرب الباردة، تمركز حوالي 200 ألف جندي أميركي هناك. بحلول عام 2014، من المتوقع أن يبقى 30 ألف عنصر فقط.

أعلن الجنرال دونالد كامبل في وقت سابق من هذه السنة: "نحن نستعد لوقف عمل كتيبتين قائمتين منذ فترة طويلة وسنعمد إلى تخفيض نطاق أعمالنا العسكرية في أنحاء أوروبا". هذه المرحلة الانتقالية تجعلنا أصغر حجماً وأكثر تنظيماً وفاعلية.

لكن الوضع الاقتصادي ليس الأمر الوحيد الذي يطرح مشكلة على الالتزام الأميركي تجاه حلف الأطلسي. تردد البيت الأبيض بشكل متكرر في استعمال القوة العسكرية. فقد عاد وامتنع عن ضرب سورية وكان قد لعب دوراً داعماً صغيراً في مهمة حلف الأطلسي في ليبيا في عام 2011.

مهمة محدودة

يكشف المسح الذي أجراه "صندوق مارشال الألماني" عن نبأ إيجابي: يظن معظم الأميركيين والأوروبيين أن حلف الأطلسي كيان ضروري، حتى لو تراجعوا عن دعم مهامه العسكرية. يظن يورغ وولف، محرر في موقع atlantic-community.org في برلين، أن الحد من نطاق المهام التي ينفذها حلف الأطلسي تزامناً مع الإنفاق بذكاء على قطاع الدفاع سيحافظ على أهمية الحلف مستقبلاً.

أوضح وولف: "لتحقيق الأمن على رغم سياسة التقشف، يجب أن نحدد أولوياتنا: لنتجنب المهام غير الأساسية ونركز على تحديث جيوشنا وتحسين العمليات المشتركة عندما تبرز الحاجة مجدداً إلى الاستعانة بحلف الأطلسي (تحالف دفاعي). بما أن تحليلاتنا ستفوّت على الأرجح الهزة الجيوسياسية المقبلة، كما فعلت مع اعتداءات 11 سبتمبر وسقوط الاتحاد السوفياتي، يجب أن نزوّد أنفسنا بجيش قوي له إمكانات معاصرة".

ديفيد فرانسيس David Francis