صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3957

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

ماذا تريد روسيا في الشرق الأوسط؟

  • 26-08-2013

تدعم موسكو عقد مؤتمر دولي (مؤتمر جنيف الثاني) ليكون إطاراً لعملية انتقال سياسية في سورية، تحترم هذه المقاربة سيادة سورية، فضلاً عن أن موسكو واثقة بأنها ستضمن عدم خروج الإسلاميين الأصوليين من هذه المعمعة منتصرين ليسيطروا على البلاد.

أيُعقل أن روسيا تملك سبباً وجيهاً لتدعم الرئيس السوري بشار الأسد، سبباً وجيهاً من الناحيتين العملية والأخلاقية؟

لا شك في أن معظم القراء سيجيبون بأن هذا هراء وغير معقول. فقد سلحت روسيا ودافعت عن حاكم مستبد عنيف لا يتردد في استعمال كل ترسانته، بما فيها الأسلحة الكيماوية، ضد الثوار والمدنيين في صراع دموي حصد حتى اليوم أرواح أكثر من مئة ألف شخص، ولماذا؟ تُظهر التقارير أن دوافع روسيا تشمل تجارتها بالأسلحة التي بلغت "المليارات... في غضون أربعة عقود تقريبا"، قاعدتها البحرية في طرطوس بسورية التي تُعتبر الأخيرة خارج الاتحاد السوفياتي سابقاً، الخوف من خسارة "آخر حليف لها في الشرق الأوسط"، وردود فعلها التلقائية المناهضة للولايات المتحدة والتي تعود إلى حقبة الحرب الباردة.

من المؤكد أن هذه ليس دوافع نبيلة. ولكن إذا تأملنا في كل منها على حدة أو فيها كلها معاً، نلاحظ أنها لا تبرر سياسة روسيا تجاه سورية. على سبيل المثال، تشكل الأسلحة التي تبيعها إلى سورية جزءاً صغيراً من تجارتها العالمية في مجال الأسلحة ولا تهدد مطلقا ثروة قطاع الدفاع الروسي. وتشكل قاعدة طرطوس منشأة دعم تقنية لا تتمتع بقيمة استراتيجية كبيرة، خصوصاً أنها لا تستطيع استقبال أكثر من بضع سفن صغيرة دفعة واحدة. على نحو مماثل، قد تكون سورية حليف روسيا، إلا أنها ليست حليفا بالغ الأهمية. فعلى غرار الشرق الأوسط ككل، تحتل سورية مرتبة متدنية بين أولويات السياسة الخارجية الروسية. وهذا ما يؤكده "مفهوم السياسة الخارجية الروسية" الذي صدر في مطلع هذه السنة. ومع أن روسيا قد تبدو مصممة على معارضة أي خطط لبسط الهيمنة الأميركية، يجب ألا نعتبر موقفها هذا مجرد رد فعل من مخلفات الحرب الباردة، خصوصاً أن دولاً كثيرة أخرى تشاطرها هذا الموقف.

إذن، ماذا أغفلنا في هذا الشرح لسياسة روسيا؟ علينا ربما أن نأخذ في الاعتبار ما يؤكد القادة الروس أنفسهم أنه أساس سياستهم. فهم يصرون على أنها في جزء منها دفاعاً عن المبادئ، وفي جزئها الآخر سعياً عملياً لتحقيق المصالح الوطنية الروسية.

بدت موسكو عاقدة العزم في دفاعها عن مبدأ سيادة الدولة بمعناه الويستفالي التقليدي الذي يعلي سيادة الدولة على أقاليمها وعدم تدخل القوى الخارجية في الشؤون الداخلية لأي دولة. فتعتبر روسيا هذا المبدأ أساس النظام العالمي والقانون الدولي. قد تقر موسكو بـ"مسؤولية الحماية"، التي صدقت عليها الأمم المتحدة، والتي تقضي بحماية المدنيين من الفظائع الجماعية وبالتدخل في حال كانت الدولة عاجزة أو غير راغبة في ذلك. لا شك في أن هذا العرف يحد من السيادة. لكن روسيا تصر على أن "مسؤولية الحماية" لا يمكن أن تُطبق إلا من خلال مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، حيث تتمتع موسكو بحق النقض (الفيتو)، لا من قبل دول. حتى إنها بدت متردد في السماح بالتدخل الإنساني الذي نراه اليوم في سورية.

علاوة على ذلك، تعتبر موسكو أن الولايات المتحدة غالباً ما تنتهك السيادة وتستغل "مسؤولية الحماية" لتروج لأهدافها الجيو-سياسية. ويحدث ذلك في أحيان كثيرة على حساب روسيا. على سبيل المثال، مولت الولايات المتحدة، من وجهة نظر موسكو، المجموعات المحلية ودربتها لتطيح بالرئيس اليوغوسلافي المناهض للولايات المتحدة والموالي لروسيا سلوبودان ميلوسيفيتش عام 2000 وتوصل القادة الموالين لها والمناهضين لروسيا إلى الحكم في جورجيا عام 2003 وأوكرانيا عام 2004. أما في ما يتعلق بالشأن السوري، فتدعي موسكو أن الولايات المتحدة أثارت مسألة "مسؤولية الحماية" كي تتخلص من أنظمة لا تروق لها. وتُعتبر ليبيا الدليل الأول. تصر موسكو على أن واشنطن خططت منذ البداية لتتجاوز تفويض مجلس الأمن بحماية المدنيين وتقف إلى جانب الثوار وتطيح بمعمر القذافي. كذلك تتهمها بأنها كذبت بشأن نواياها لتقنع موسكو بالامتناع عن التصويت بدل استخدام حق النقض وعرقلة قرار الأمم المتحدة. نتيجة لذلك، تبدو موسكو مصممة اليوم على تفادي سيناريو مماثل في سورية، ما يدفعها إلى التمسك بمبدأ السيادة.

أما في ما يتعلق بالأسباب العملية، فتركز موسكو على النتائج التي أدت إليها الاضطرابات حتى اليوم. تنظر روسيا باحتقار إلى آمال الولايات المتحدة بنشر الديمقراطية. ففي أرجاء المنطقة المختلفة، أججت الاضطرابات أعمال العنف الطائفي. وفي الدول التي تبدلت أنظمتها، انتصر الإسلاميون الأصوليون. فهذا ما رأيناه في تونس ومصر، حيث فاز الإسلاميون في انتخابات تُعتبر ديمقراطية، مع أن التطورات الأخيرة في مصر قد تُرغم موسكو على تبديل وجهة نظرها. على نحو مماثل، تحول اليمن إلى مرتع للإسلاميين الأصوليين وبالتالي إلى محور العمليات الأميركية المناهضة للإرهاب. أما في ليبيا، فحال الإسلاميون الأصوليون (وميليشيات أخرى) دون تشكيل حكومة مركزية ثابتة، شنوا اعتداء على مالي، وهاجموا منشآت وموظفين أميركيين، ما أدى إلى مقتل أربعة أميركيين في بنغازي في شهر سبتمبر الماضي. ونظراً إلى كل ذلك، لمَ تفترض الولايات المتحدة أن النتيجة قد تكون مختلفة في سورية بعد الإطاحة بالأسد، خصوصاً مع الانقسامات الطائفية العميقة في سورية والإجماع على أن ميليشيات "جبهة النصرة" التابعة لتنظيم "القاعدة" هي القوة الأكثر فاعلية التي تحارب الأسد؟

من وجهة نظر موسكو، لا يحقق تقدم الأصوليات الإسلامية أي هدف غير تعزيز المجموعات الإرهابية الدولية وتشكيل خطر يهدد روسيا، التي تبلغ نسبة المسلمين فيها 10 في المئة إلى 15 في المئة. صحيح أن رواية الغرب تحدثت عن انتفاضات مناهضة للاستعمار، لكن موسكو تصر على أنها قاتلت قوات إسلامية أصولية في حربيها في الشيشان خلال السنوات العشرين الماضية. وتعتبر روسيا الأصوليات الإسلامية (فضلاً عن الفقر المتفشي والركود الاقتصادي) العامل الرئيس وراء تنامي عدم الاستقرار في شمال القوقاز. وتخشى من أن يؤدي انتصار هذه الأصوليات في العالم العربي إلى تحفيز قوات مماثلة وتهديد الأنظمة العلمانية الهشة في وسط آسيا، منطقة تعتبرها موسكو أساسية في أمنها الخاص. فتقلق روسيا اليوم من أن الأصوليات الإسلامية بدأت تتغلغل ببطء في جمهوريتَيها الرئيستَين ذاتي الغالبية المسلمة، تتارستان وباشقورتوستان، الغنيتين بالموارد واللتين تقعان وسط خطوط التواصل بين روسيا الأوروبية وسيبيريا والمناطق الروسية في الشرق الأقصى.

إذن، يجتمع التمسك بالمبدأ والأهداف العملية ليعززا رفض موسكو الموافقة على أي قرار في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة تستطيع الولايات المتحدة من خلاله أن تستمد تفويضاً يتيح لها استخدام القوة ضد بشار الأسد. لا يعني ذلك أن موسكو متمسكة بالأسد بحد ذاته. إلا أنها تصر على أن خروجه من السلطة (في حال وصلت الأمور إلى هذا الحد) يجب أن يكون نتيجة عملية سياسية سورية تُمثل فيها كل القوات السورية الشرعية. ولهذا السبب تدعم موسكو عقد مؤتمر دولي (مؤتمر جنيف الثاني) ليكون إطاراً لعملية انتقال سياسية في سورية. تحترم هذه المقاربة سيادة سورية، فضلاً عن أن موسكو واثقة من أنها ستضمن عدم خروج الإسلاميين الأصوليين من هذه المعمعة منتصرين ليسيطروا على البلاد.

ولكن هل يجتمع التمسك بالمبادئ والأهداف العملية ليشكلا سياسة "جيدة"؟ تطول الإجابة عن هذا السؤال، فضلاً عن أننا نملك أسباباً تدفعنا إلى التشكيك في رغبة موسكو وقدرتها على إنهاء الصراع السوري بطريقة عادلة، وفي الحكمة وراء كبح قوى التغيير التي تجتاح العالم العربي، كما اعتادت موسكو أن تفعل. لكن موقف موسكو لا يُعتبر غير منطقي على الأقل. وبدل أن نصور موسكو على أنها السبب الرئيس وراء المجازر، كما فعلت واشنطن في مناسبات عدة، حري بالولايات المتحدة أن تأخذ المعارضة الروسية على محمل الجد، أن تقدم حججاً مضادة منطقية عندما يتسنى لها ذلك، وأن تفكر ملياً في المخاطر التي تواجهها الولايات المتحدة والمنطقة. وهكذا يمكنها التوصل إلى سياسة أميركية أفضل وأكثر فاعلية.

توماس غراهام