صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3955

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

كانتور وتشكيل الموت

  • 04-09-2013

   في مطلع التسعينيات من القرن المنصرم تسنى لي مشاهدة بعض العروض المسرحية للمخرج البولندي الكبير تادووش كانتور، كان ذلك في مسرح لاماما الطليعي في مدينة نيويورك، وكان كانتور حينئذ لايزال حياً، (ولد كانتور عام 1915 وتوفي عام 1992)، من بين العروض التي قدمها مسرحية “موت فصل دراسي أو موت طبقة” و”اليوم عيد ميلادي”، وكان العرض المسرحي باهراً بحيث جعلني أرفض الحديث مع أحد، واختليت بنفسي في زاوية مشرب وأنا أفكر في هذا النوع من العروض المسرحية التي عادة ما تربك العقل وتجوهر الروح. طبعاً من الصعب وضع اعمال كانتور في خانة واحدة، فهو منذ الثلاثينيات من القرن الماضي كانت تجتمع في رؤيته عدة فنون، فقد كان رساماً، مبدعاً سينوغرافياً، مخرجاً تجريبياً، كاتباً ومنظراً وممثلاً، وانخرط في اشتغاله المسرحي متنقلاً في عدة اتجاهات وتجارب، مسرح الهابنج، الباهاوس، المسرح الفقير، تياردوشامب، مسرح المستحيل، إلى أن انصبت تجاربه المسرحية الطليعية في مسرح سمي “مسرح الموت”، في الكتاب الذي وضعه مواطنه يان كووسوفيتش، وترجمته د. هناء عبدالفتاح بعنوان “مسرح لتشكيل الموت عند كانتور”.

تظهر مسيرة الفن المسرحي عند كانتور، كقدر درامي بأبعاد تجريبية، متعددة، ذات خصائص ومفردات جمالية أوصلته إلى أن يصبح أحد أهم المخرجين الطليعيين في العالم، فهو منذ سافر إلى باريس عام 1947، وتعرف هناك على الحركات الطليعية للفن الحديث، السوريالية، التجريدية، والتكعيبية ثم عودته إلى مدينة كاراكوف بعد الحرب العالمية الثانية، هناك سيصبح كانتور أكثر الفنانين نشاطاً، غير أنه يصطدم بالمفاهيم التي كانت تندرج وقتئذ تحت مظلة النظام السوفياتي، فيرفض كانتور الواقعية الاشتراكية ليؤسس “فن ما تحت الأرض” من خلال الانعزال الاختياري، حتى عام 1955.

 كان كانتور يمتلك في سعيه المسرحي، وعياً فلسفياً حاداً، وبالتالي ركز في مرحلته الأخيرة، خصوصاً منذ أواسط السبعينيات على إقامة تقابلات مفاهيمية جديدة، كالواقع والوهم، التدمير والبناء، ومفاهيم ذات طابع ميتافيزيقي ورمزي، وقد أوصله هذا الأمر إلى مسرح الموت، يقول يان كووسوفيتش: “في مسرح الموت يقدم كانتور نوعاً من الاستسلام الجديد لأفكاره وإبداعاته وموقعه النقدي المترتبة عن حصيلة خبراته وتجربته في مجال الطليعة المسرحية في الفترتين الأولى والثانية، إنه يؤكد هنا ظاهرة خيبة الأمل في اكتشاف الواقع الجاهز والظاهرة التي تتلو تلك، وهي توسيع مدى الحدود أو تغير ميثاق العمل المسرحي ولوائحه، انه يتكلم عن تزايد دور الفكر، الذاكرة والزمن”، وهكذا كان كانتور يرى في العرض المسرحي نوعاً من نقطة ارتكاز للبناء الروحي والفكري، وكانت هذه بعض مراحل كانتور في المسرح المستحيل في فترة إدارته لمسرح “كريكوت 2″ كان مسرح كانتور يحتوي على عناصر تشكيلية وثيمات جمالية، ومفردات تحمل طابع السخرية والعبث، قدم حلولاً تجريبية، لفك التناقضات الداخلية للإنسان، ففي نهاية المطاف لم يكن المسرح وفق رؤيته سوى كرنفال صاخب يقف فيه الإنسان مرتبكاً وخائفاً أمام هول المصير المأساوي وأمام الرعب والموت.

هنا يعود كانتور إلى جوهر الميتافيزيقيا، وقد عبر عن ذلك حينما قال: “إن عودة الروح وتجسيدها هي مفهوم يقف عند الحدود القصوى والنهائية لحدود الفهم، إن أسطورة الخلود والفردوس المفقود، والانسجام المثالي والعقائد الإنسانية، تقع ضمن أعمق طبقات الوجود، لا تقدر الحضارة الإنسانية الوصول إليها، لقد بقيت هذه الحالة مجرد حالة استعادة وضع يتعذر استرداده، إنه الوعي بالفشل.