صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3900

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

هل تستطيع واشنطن شراء الاعتدال في الشرق الأوسط؟ لا!

  • 01-06-2013

تهدف مبادرة كيري إلى حمل السلطة الفلسطينية على التخلي عن خططها للمطالبة بالاعتراف بها كدولة في الأمم المتحدة، والتقدم بدعوات ضد إسرائيل في المحكمة الدولية، ومحاولة الانضمام إلى المؤسسات الدولية الأخرى كدولة مستقلة.

هل تستطيع إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما تحويل الأصوليين إلى معتدلين بواسطة المال؟

بعيد الثورة الإيرانية في عام 1979، أعلن آية الله روح الله الخميني أن الشعب في الغرب لم يفهم الإسلام السياسي الثوري. ثم أوضح: «يظنون أن الثورة تقتصر على سعر البطيخ، إلا أنها ليست كذلك». بكلمات أخرى، لا ترتبط الثورة بنوعية الحياة، ما يتيح للقوى السياسية شراء الناس. على العكس، إنها مسألة عقائدية، وإليكم ثلاثة أمثلة تؤكد أن الجواب «لا»:

1 - القضية الفلسطينية

في المنتدى الاقتصادي العالمي في 26 مايو الماضي في الأردن، أعلن وزير الخارجية الأميركي جون كيري خطة جديدة. يريد كيري أن يؤمن للاقتصاد الفلسطيني 4 مليارات دولار من المستثمرين. وإن نجح في ذلك، يدّعي أن الاقتصاد الفلسطيني سيحقق أداءً ممتازاً، سيحظى الناس بوظائف، وسيعمّ السلام.

لكن هذه في الواقع رشوة لحمل الفلسطينيين على العودة إلى التفاوض مع الإسرائيليين، ما يتيح لإدارة أوباما أيضاً الادعاء أنها حققت نجاحاً في سياستها الخارجية. إذن، ستساهم الأربعة مليارات دولار هذه في شراء عملية مفاوضات سيلتقي خلالها المتفاوضون مرات عدة ليصلوا بعد ذلك إلى حائط مسدود، تماماً كما حدث خلال السنوات العشرين الماضية، مع أن الفلسطينيين حصلوا آنذاك على مساعدات إضافية بمليارات الدولارات والظروف المحتملة كانت أفضل. كذلك تهدف هذه المبادرة إلى حمل السلطة الفلسطينية على التخلي عن خططها للمطالبة بالاعتراف بها كدولة في الأمم المتحدة، والتقدم بدعوات ضد إسرائيل في المحكمة الدولية، ومحاولة الانضمام إلى المؤسسات الدولية الأخرى كدولة مستقلة.

علامَ يجب إنفاق هذا المال، وفق كيري؟ على السياحة. لا شك أن السياح يودون زيارة الضفة الغربية.

ولكن لاحظوا أن هذه ليست استثمارات مربحة. لربما كان من الأفضل أن يقترح كيري الاستثمار في الطاقة الخضراء (الصديقة للبيئة)، فتبدو الضفة الغربية أكثر ملاءمة للطاقة الشمسية، مقارنة بالولايات المتحدة.

كذلك تشير الطرق المقترحة للاستفادة من هذا المبلغ إلى أنه رشوة سياسية، فإن توافر هذا المال، يقول كيري: «يعتقد الخبراء أن باستطاعتنا زيادة الناتج المحلي الإجمالي بنحو 50% خلال ثلاث سنوات. كذلك تشير توقعاتهم الأكثر تفاؤلاً إلى تأمين ما يكفي من الوظائف الجديدة لخفض البطالة بنحو الثلثَين، أي من 21% اليوم إلى 8%، وإلى رفع متوسط الأجر السنوي بنحو 40%». أيُعقل أن يتحدث وزير خارجية عن أوهام مماثلة؟ وهل يصدّق أي من سامعيه هذا الكلام؟

كان توني بلير، الذي سلّمه كيري المشروع السياحي، مفاوض اللجنة الرباعية طوال 11 سنة، ولكن هل تعلمون كم زيارة قام بها إلى القدس؟ الجواب: 87، لكنه لم يحقق مطلقاً أي تقدّم. إليكم لائحة قصيرة بالإنجازات التي يتجرأ على الادعاء أنه حققها بعد 11 سنة، 87 زيارة، وإنفاق مبالغ طائلة من المال.

ماذا عن تقديرات «الخبراء» الأكثر تشاؤماً أو حتى المعتدلة؟ اختار كيري الخطة الأسوأ: الاستثمار في قطاع يتأثر كثيراً بالاضطرابات السياسية، فهل يصبح الفلسطينيون مديري فنادق، أو نُدُلاً، أو منقذين في أحواض السباحة، وغيرها من الوظائف؟ ماذا سيكون رأي «حماس» في التدفق الكبير للسياح الأجانب وارتداء النساء الغربيات ما يحلو لهن؟ ماذا سيحلّ بهذا الاستثمار إذا وقع اعتداء إرهابي واحد في الضفة الغربية، أو بالأحرى اعتداء يستهدف السياح؟ وهل تؤثر الحوادث في دولتَي مصر وسورية المجاورتين في السياحة الغربية؟

2 - سورية ونظام بشار الأسد

طوال سنتين خلال النصف الأول من عهد أوباما، حاولت الولايات المتحدة شراء سورية وحضها على فكّ تحالفها مع إيران مقدّمةً لها حوافز تجارية ومالية أخرى. وحصلنا على تأكيدات عن أن السوريين متحمسون للقبول بهذه الصفقة. إلا أن هذا لم يحدث بالتأكيد.

3 - سورية و«الإخوان المسلمين»

بعد اندلاع الحرب الأهلية، حاولت الولايات المتحدة عزل فرع تنظيم «القاعدة» في سورية (جبهة النصرة) في شهر ديسمبر عام 2012 بتصنيفه مجموعة إرهابية، ولكن حتى الجيش السوري الحر، الذي يُفترض أنه معتدل، ندد بهذه الخطوة، تماماً كما فعلت أكثر من 30 مجموعة سلفية من الثوار السوريين، رغم عروض الأسلحة والمال التي تلقوها. يدرك المسؤولون الأميركيون، الذين يتعاملون مع المجموعات الإسلامية الثورية، أنهم لا يستطيعون حملها على القيام بما تريده الولايات المتحدة. مع ذلك، أوضح المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية في اجتماع أخير مع المعارضة السورية:

«اعترفنا بالائتلاف بصفته ممثل الشعب السوري الشرعي، وسنتعاون مع رئيس الوزراء هيتو. سيمرّ الجزء الأكبر من مساعدتنا إلى تلك البلدات في الأجزاء المحررة من سورية عبره وعبر فريقه».

ماذا يعني ذلك؟ بين المجموعات المعارضة الكثيرة تعترف الولايات المتحدة بالمجموعة التي تسيطر عليها جماعة «الإخوان المسلمين» كالممثل الشرعي (مع أن مجموعات كثيرة تقاطعها). فـ»رئيس الوزراء» رجل جماعة «الإخوان المسلمين»، وتنوي حكومة الولايات المتحدة أن تنفق ما مجموعه مليار دولار جُمعت دولياً من خلال هذه الجماعة، فأي نفوذ سيمنح هذا «الإخوان المسلمين»؟ علاوة على ذلك، أعلن كيري أن 250 مليون دولار من أموال دافعي الضرائب الأميركيين ستذهب مباشرة إلى مجموعة يديرها «الإخوان المسلمون» لتنفقها كما تراه مناسباً، ومن الطبيعي الافتراض أنها ستذهب إلى مجموعات محلية من «الإخوان المسلمين» وميليشياتهم.

ولكن ماذا كان الائتلاف الوطني (المجموعة المعارضة التي يسيطر عليها «الإخوان المسلمون» والتي حظيت باعتراف الولايات المتحدة) يفعل في المقابل؟ الجواب: يرفض توسيع عضويته.

رفض «الإخوان المسلمون» حتى العروض التي اقترحت احتفاظهم بثلثَي المقاعد، ومَن كانوا الأعضاء الجدد المقترحين؟ ميشيل كيلو وحلفاءه، مجموعة من المعتدلين الشجعان الذين كان يُفترض بالغرب أن يدعمهم من البداية.

بعد القيام بمناورات بشأن إضافة هؤلاء المعارضين، رفضت قيادة «الإخوان المسلمين» ذلك، ولم تكن مجموعة كيلو المعتدلة المجموعة التي اعترفت بها الولايات المتحدة بصفتها «الممثل الشرعي للشعب السوري». لكن الائتلاف الوطني يستبعد أيضاً الأكراد (الذين يتمتعون بقيادة علمانية)، فضلاً عن العلويين والدروز والمسيحيين، إذا استثنينا التمثيل الرمزي. كذلك يمثّل هذا الائتلاف 25% إلى 30% فقط ممن يدعمون مجموعات الثوار الإسلاميين المختلفة.

علاوة على ذلك، طرح الأميركيون خطة جديدة لتمكين المجالس المحلية لـ«الإخوان المسلمين» داخل سورية كأساس لحكومة انتقالية معارضة توزّع أموال المساعدات التي تتلقاها. لا تبدو الأوضاع جيدة في المناطق السورية الخاضعة للثوار في ظل غياب أي مصدر للمال، فهل يجمع الغرب المال كي يمنحه لـ«الإخوان المسلمين» وأعوانهم؟

تبذل تركيا وقطر، شريكتا الولايات المتحدة المفترضتان، كل ما في وسعهما لدعم جماعة «الإخوان المسلمين»، ولكن حتى المملكة العربية السعودية باتت تدرك اليوم ما وراء هذه الخطط وتعي، وفق بعض التقارير، أن مساعدة السلفيين يلحق بمصالحها ضرراً بالغاً.

ولكن لمَ تستمر الولايات المتحدة في دعم المجموعة السورية المعارضة «الرسمية» التي ترفض توسيع قاعدتها لتشمل غير المسلمين؟ ألا يُفترض أن يمنح المال والسلاح الولايات المتحدة بعض النفوذ؟ في المقابل، صرّح الرئيس أوباما أخيراً بأن الولايات المتحدة أنفقت تريليون دولار (جزء كبير من العجز) على تدابير محاربة الإرهاب.