صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3907

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

صدام حسين كان سينجو من الربيع العربي

  • 22-03-2013

بخلاف الجيش التونسي والمصري، كان الجنرالات العراقيون سيرضخون بسرعة لأوامر هذا الحاكم المستبد، فقد سبق أن أعربوا عن أمر مماثل بقتلهم عشرات آلاف الشيعة الذين ثاروا ضد هذا الحاكم المستبد بعد مغامرته في الكويت.

لم يتبنَّ العراق بعد الثقافة العصرية لاستطلاعات الرأي، فلا يشهد هذا البلد أي أبحاث تتناول الناخبين، أما الأبحاث التي تُعنى بالسوق فنادرة، كذلك تُعتبر دراسات تقييم المواقف الوطنية غير علمية وتفتقر إلى المصداقية. فضلاً عن ذلك، لا يستطيع ناشطو حزب الدعوة التابع لرئيس الوزراء نوري المالكي أن يخبروك بمدى شعبيته بين مَن تتراوح أعمارهم بين 18 و30 سنة في محافظة ديالى. ولا تعرف شركات السلع الاستهلاكية نسبة الأسر التي تملك غسالة في بغداد. أما الصحف، فتلجأ إلى التخمين لتحدد ما إذا كان السائقون في الموصل غير راضين عن وضع الطرقات، مقارنة بسائقي النجف. نتيجة لذلك، نعرف يقيناً أن غالبية الأميركيين يعتقدون أن غزو العراق عام 2003، أي قبل عشر سنوات، كان خطأ كارثياً، ولكن لا نملك أي وسيلة موثوق بها لنعرف كم من العراقيين يشاطرونه هذا الرأي.

خلال السنوات الخمس التي أقمتُ فيها في بغداد بين عامَي 2003 و2007، لم تؤدِ استطلاعاتي غير الرسمية إلى نتائج مهمة بشأن مدى صواب أو خطأ الغزو بحد ذاته، لكني لاحظت إجماعاً عاماً، وإن بتردد، على أن هذا الغزو كان الطريقة الوحيدة للتخلص من صدام حسين. وتركز كل التخمينات حول ما كان يمكن أن يحدث بعد الإطاحة بهذا الحاكم المستبد. هل كانت حركة التمرد ستخبو بسرعة لو أن واشنطن لم تحلّ الجيش العراقي في ربيع عام 2003؟ ماذا لو لم تُسلَّم السلطة السياسية بعد سنة إلى مجموعة من المنفيين السابقين الذين بدا واضحاً أنهم بعيدون كل البعد عن حياة معظم العراقيين؟ وهل كان بالإمكان تفادي الحرب الطائفية بين السنّة والشيعة لو أن التدابير الأمنية كانت أكثر تشدداً في ضريح الإمامين علي الهادي والحسن العسكري، الذي فجّره الإرهابيون في سامراء في شهر فبراير عام 2006؟

لكن أحداث السنتين الماضيتين دفعت بالعراقيين إلى التفكير في فرضية مثيرة للاهتمام: هل كان الربيع العربي سينجح في الإطاحة بحاكمهم المستبد؟

بعيد إطاحة الانتفاضة الشعبية بالرئيس التونسي زين العابدين بن علي والرئيس المصري حسني مبارك، كتبتُ مقالاً في Time.com، مشيراً إلى أن التظاهرات السلمية ما كانت لتسقط صدام حسين. فكان الناشطون الشبان العراقيون، هذا إن وُجدوا، سيناضلون لينظموا تظاهرات حاشدة شبيهة بما رأيناه في "ميدان التحرير" لأنهم كانوا سيفتقرون إلى الوسائل التي نعم بها نظراؤهم في مصر وتونس. فقد حظر صدام حسين استخدام الصحون اللاقطة، كذلك عنت العقوبات الاقتصادية، التي فُرضت على العراق منذ طرد جنوده من الكويت عام 1991، أن عراقيين كثراً لا يملكون أجهزة كمبيوتر خاصة أو هواتف نقالة. لذلك ما كانوا سيتمكنون من استعمال موقعي "فيسبوك" و"تويتر"، ولا حتى الرسائل النصية، فضلاً عن أن قناة "الجزيرة" لن تتمكن من نقل الأخبار والدعوات إلى التظاهر من بغداد إلى المدن الأخرى.

بخلاف بن علي ومبارك، ما كان صدام ليتردد في أن يأمر أحد جنرالاته بذبح الثوار، وبخلاف الجيش التونسي والمصري، كان الجنرالات العراقيون سيرضخون بسرعة لأوامر هذا الحاكم المستبد. فقد سبق أن أعربوا عن أمر مماثل بقتلهم عشرات آلاف الشيعة الذين ثاروا ضد هذا الحاكم المستبد بعد مغامرته في الكويت.

من اللافت للنظر أن عراق صدام كان يملك قواسم مشتركة مع عدوته اللدودة إلى الشرق، إيران، أكثر مما جمعه بتونس ومصر. ففي إيران، أخفقت الثورة الخضراء، التي قادها الشعب عام 2009 وسبقت الربيع العربي، لأن طهران استخدمت بطريقة قاتلة حرس الثورة وميليشيا الباسيج، مجموعتين مسلحتين تدينان بالولاء التام للنظام، وكان نظيراهما العراقيان، الحرس الجمهوري وفدائيو صدام، سيقومان بالأمر عينه من أجل حاكمهما المستبد.

بما أن النموذجين التونسي والمصري ما كانا لينجحا في العراق، فهل كان النموذجان الليبي والسوري سيحققان أي تقدّم؟ يتطلب هذا النجاح قيام ثورة مسلحة من جزء من البلد تكون فيه قبضة الحاكم المستبد ضعيفة، وتملك فيه القوات المناهضة للنظام ملجأ آمناً، مثل بنغازي في ليبيا. يُعتبر المكان المنطقي الذي كان من الممكن أن تنشب فيه انتفاضة ضد صدام كردستان في شمال العراق، التي تنعم بنوع من الحكم الذاتية، مستقلةً عن بغداد، وتتمتع بحماية الطائرات الحربية الأميركية التي فرضت منطقة حظر جوي.

لكن الأكراد مجموعة إثنية انفصالية طالما كرهت حكم الغالبية العربية العراقية، وقد تفانت الميليشيا الكردية الشرسة، التي تُعرف بالبشمركة، في حماية الأكراد، إلا أنها قلما تعاطفت مع المجموعات العربية التي عانت تحت حكم صدام، مثل الشيعة في الجنوب.

لا يتبقى لنا، إذن، سوى النموذج السوري: ثورة طويلة دموية تحولت إلى حرب طائفية، لكن العراق اختبر هذه النسخة عام 1991، وقد فاز النظام بسهولة.

لذلك يستخلص العراقيون دوماً أن صدام حسين كان سيبقى في الحكم في بغداد لولا الغزو الأميركي، فهل يفضّل العراقيون، الذين يستطيعون اليوم تأمل الماضي، بقاء صدام؟ أعتقد أن جوابهم سيكون نفياً، إلا أننا لا نملك استطلاعات للرأي تؤكد ذلك.

Bobby Ghosh