صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3960

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

«توقع غير المتوقع»

  • 22-03-2013

كنت أضحك عندما كنت أقرأ لوحة للإدارة العامة للمرور على طريق الصليبيخات الساحلي كتب عليها "توقع غير المتوقع"، فكيف يمكن توقع ما هو بالتعريف غير متوقع، ولكن يبدو أن علينا أن نصدقهم، أوليس تغيير موقف حكومتنا من قضية القروض في حكم "غير المتوقع"؟

حمد الجوعان، شفاه الله، كان أكثر ذكاء منا جميعاً، عندما قال قبل نحو 20 عاماً، إننا نحتاج إلى اعتماد المنطق في الوصول إلى قرار ما، وعندما يهدينا المنطق إلى القرار الصحيح، نقلبه، فيكون قرار حكومتنا، أو "توقع غير المتوقع".

في منتصف العقد الفائت، قام الديوان الأميري الكويتي، أكرر الكويتي، بتكليف السيد بلير وشركته بدراسة مآل الاقتصاد الكويتي إذا استمرت الأمور على ما هي عليه، وقال بلير في خلاصة تقريره، إن المتوقع هو الاصطدام بحائط خلال 8 سنوات.

في أغسطس 2011، قام سمو الأمير بتشكيل لجنة محلية استشارية هدفها تقديم نصح ملزم النفاذ للحكومة الكويتية لإصلاح الاعوجاج إذا استمرت في سياساتها المالية على ما كانت عليه، وكان نصحها بأن المتوقع هو الاصطدام بحائط، ولكن بسرعة أعلى.

بينهما، أو في فبراير 2010، أقرت الحكومة ومجلس الأمة خطة التنمية 2010/2014، وكان صلب أهدافها ردم الفجوة المالية، لأن المتوقع هو اتساعها بما قد يبتلع مستقبل البلد، ومنذ ذلك التاريخ، حقق الإنفاق العام نمواً قياسياً بمعدل سنوي مركب 14.1%.

في فبراير عام 2012، قدم محافظ بنك الكويت المركزي المستشار الاقتصادي للحكومة  استقالته –وهو ابن الأسرة- احتجاجاً على انفلات السياسة المالية، وكان البنك المركزي قد توقع عجزاً ضخماً عن مواجهة ضرورات الناس ما لم تتعدَّ أسعار النفط حاجز الـ200 دولار بكثير، ومازال ذلك هو رأي البنك المركزي.

في أواخر عام 2012، صدر تقرير عن صندوق النقد الدولي يتوقع فيه أن تواجه دول الخليج النفطية عجزاً مالياً بدءاً من عام 2017، أي أن تبدأ بالأكل من اللحم الحي بعد أربع سنوات، وضمن التقرير توقعات بضعف طويل الأمد لسوق النفط.

تلك نماذج فقط من ناحية الإرسال، استقبلتها قطعاً أجهزة الحكومة، وقامت تماماً بالعمل بعكسها، أليس ذلك ما أبلغنا إياه حمد الجوعان وما اقتبسه رجال المرور "توقع غير المتوقع"، ولم نصدقهم!

عندما كنا صغاراً، كان ضمن مناهجنا الدراسية حكاية الغرابين اللذين سرقا قطعة جبن كبيرة، وحتى لا يختلفا على عدالة اقتسامها، أوكلا إلى الثعلب قسمتها بالعدل بينهما. وقام الثعلب بقسمتها عمداً بشكل غير عادل، ثم أكل من القطعة الأكبر لتصبح أصغر، وهكذا حتى أكل كل الجبنة. أليس ذلك ما يحدث بين حكومتنا ومجلس أمتنا الطيع، فتارة يأكل الثعلب من الاستجوابات، وتارة يقتطع من جسد البلد، أو من خزينته العامة في استنزاف يأتي على مستقبل البلد. ويبقى أن نعرف من هو الثعلب، والثعلب في حكايتنا هو منصب غير مستحق لكليهما، فمن أجل دوام منصب، لا بأس من اقتسام البلد حتى ابتلاعه بالكامل.

نفس الحكومة الحالية هي الحكومة التي رفضت مبدأ إسقاط القروض أو فوائدها، على مدى عشر سنوات، لأنها مشكلة غير موجودة ولأن نسبة التعثر هي الأدنى في الكويت وبحدود 1.8%، وإن وجدت مشكلة إنسانية، يتولَّها صندوق المتعثرين. رفضتها لأنها غير عادلة بين المقترضين أنفسهم، فهناك من اقترض ألفاً وهناك من اقترض 70 ألفاً، وهناك من سدد وهناك من لم يسدد، وهناك من اقترض قبل تاريخ محدد أو بعده، وهناك من لم يقترض التزاماً وحصافة وعوقب. ولأنها تتعارض مع كل القيم الإيجابية، ولأنها ظلم كالح بحق 600 ألف مواطن صغير قادمين إلى سوق العمل خلال 18 عاماً، ولأنها أموال حصيلة بيع أصل زائل لا ضريبة على نشاط اقتصادي، ولأن التعليم والصحة والسكن أحوج إلى هذه الأموال من المقترضين... إلخ. أليست هي نفس الحكومة التي لم تعد تؤمن بأن الخروج على المبدأ خطيئة، بل بات حديثها حول السعر أو التكلفة، دورة كاملة 180 درجة قامت بها دون شعور بخجل، ألا تستحق الكويت حكومة أفضل؟

سألني مقدم لقناة تلفزيونية عن رأيي في تغيير موقف الحكومة من قضية إسقاط فوائد القروض، وقلت له، بأنه لولا "بعض عقل" و"بعض حياء" و"بعض تقدير" لأفراد في الحكومة مازلت أعتقد أن قلبهم يحترق على بلد يتعرض لمخاطر من الداخل أكثر من أي وقت مضى، لأقمت دعوى حجر قضائية على الحكومة ومجلس الأمة، فهما بحكم القُصّر. ولكن، إلى متى سوف يصمد بعض العقل وبعض الحياء وبعض التقدير؟، أتمنى أن يصمد طويلاً، وذلك لن يحدث ما لم نبدأ بالتضحية بالثعلب قاتله الله، أليس هو حلماً في حدود "غير المتوقع"؟