صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3903

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

نظامنا ونظامهم

  • 25-08-2012

لغتنا العربية تضم مفردات كثيرة لكلمة نظام، فالبعض يستخدم كلمة نظام والبعض يستخدم كلمة لوائح وقوانين وأسس وضوابط، وباللهجة العامية لدينا مفردات شبيهة مثل الأصول أو السنع، كلمات بسيطة، كلمات واضحة، كلمات متداولة لكن قلة منا يدرك معناها الحقيقي.

فالنظام يعني الالتزام بتصرف متفق عليه مجتمعيا يهدف الى خدمة أعضاء المجتمع، والمنطق ينص على أن المجتمعات تزهو حينما يكون هناك اتفاق بين عموم الشعب على كيفية التصرف مع أمورها اليومية لديمومة الأمة وفقا للنظام المقر، ولدينا في المملكة المتحدة خير مثال، فهي أمة ازدهرت على النظام واحترام القانون، وإن كان احترامها للقانون مرتبطاً بمصلحتها الشخصية لا مصلحة الشعوب التي وقعت تحت احتلال إمبراطورتيها السابقة، ولكن الجدير بالذكر أن المملكة المتحدة على مدى التاريخ- في قوتها وضعفها- تعتبر دولة قانون ونظام ومؤسسات، فكل من يتنزه في الشوارع القريبة من كنيسة ويستمنستر آبي يرى ذلك المبنى الشامخ الذي مرت عليه السنون وتوارثته الأجيال المسيحية وغير المسيحية احتراما لتاريخه، وكذلك يرى مجسمات مقامة لتخليد قادة الأمة الإنكليزية وتضحيات شهداء الإنكليز في الحرب العالمية الثانية، وإنجازات نساء البلد خارج ساحة القتال في نفس الحرب، كما نرى روح التطوع التي غمرت الإنكليز أثناء استضافتهم للأولمبياد الأخير، والذي بلغ عدد المتطوعين فيه نحو السبعين ألفاً، كل منهم ترك قريته وأتى إلى لندن لخدمة بلده و"تبييض وجه" رمز النظام جلالة الملكة.

بكل بساطة، المملكة المتحدة أمة دائمة وتعمل وتنظم وتلقن شعبها أهمية اتباع القانون واللوائح والنظام العام، فهي أمه لا تخجل من تنوع شعبها طالما الشعب تنطبق عليه مسطرة واحدة في الحقوق والواجبات، والشعب الإنكليزي يدرك أن الخطأ المتعمد وغير المتعمد وارد وتجب الرقابة على كل مؤسسات البلد، ولكن لا تقلل من احترام دور المؤسسات، فالمملكة المتحدة بلد نظام.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل بلدي بلد نظام؟ الكويت الحبيبة لديها مؤسسات عريقة مقارنة بشقيقاتنا الدول المحيطة، ولكن الكل يشكك في مصداقية مؤسسات الدولة ويتجاوز وجودها، بما فيها من يعمل لدى تلك المؤسسات، ولدينا قوانين واضحة عادلة مسطرة على الورق لكن نادرا ما يطبق القانون إلا عند الضرورة الأمنية القصوى أو "الواسطة".

ولدينا مبانٍ وصروح بنيت لتكون جميلة لكنها أهملت لتتلاشى معها ذكريات جمالها ومن قام عليها، ولدينا رواد وقادة في السياسة والثقافة والآداب يشهد تراب الكويت لخدمتهم، ولكن لا يوجد أي صرح تذكاري لتخليدهم سوى بعض أسماء المدارس والمسارح والشوارع الضيقة في الضواحي السكنية.

والأدهى والأمرّ هو أن الشعب الكويتي، ذلك الشعب العربي المسلم، الذي أسس مجتمعا متسامحا مستنيرا في ظل ظلام العقل وضنك العيش في شبه الجزيرة العربية، أصبح مجموعة من الجماعات المختلفة تحاول إخفاء ضحالة فكرها ببعض المصطلحات الفلسفية، إذا كانوا من التيار المدني أو بعض الأحاديث الكريمة إذا كانوا من التيار المحافظ.

نعم، نحن قلقون على المستقبل لكننا نعيش لليوم، نحن شعب طيب الأعراق لكنه مريض الروح، نحن نلوم القيادة والمؤسسات والتيارات السياسية المختلفة على ما آل إليه البلد ونسينا أننا نحن مصدر السلطات، ونحن من نقدر أن نحدث التغيير أو التطوير إذا ما استوعب العقل الجماعي خطورة الاستمرار على نهج "البلد رايحة رايحة"، وإذا ما طهرنا النفوس من الأمراض الاجتماعية الدفينة، ولكن تبقى الحقيقة المؤلمة هي أننا نحن من يستمر في تكريس مبدأ الدولة المؤقتة، ولن تتغير الحال إلا إذا قررت الأمة- التي تتشدق بأنها مصدر السلطات- أن الكويت هي موطننا الوحيد وموطن أجدادنا وأولادنا، وليس فقط قرية صحراوية جميلة نقطنها لكسب العيش ومن ثم صرفه... في المملكة المتحدة.

نصيحة أخيرة:

أتمنى ممن يزور لندن من أبناء بلدي أن يتأمل في مفاعيل الالتزام بالنظام فكراً وممارسة.