صدر العدد الأول بتاريخ 2 يونيو 2007

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

العدد: 3899

رئيس التحرير خالد هلال المطيري

رسالة إلى دعاة الدين

  • 08-09-2012

الإخوة دعاة الدين من أبناء بلدي المحترمون،

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،

نمى إلى علمنا في الآونة الأخيرة أن بعضكم يجهل المعنى الحقيقي للمصطلحات التالية: الليبرالية، العلمانية، الإلحاد، حيث بلغ الجهل بأن يصرح أحد أقطابكم بأن "الزواج: سكن ورحمة ومودة وميثاق غليظ وأقوى رابطة بشرية، والأسرة آخر معقل إنساني نعتصم به ضد العلمانية والإلحاد"، بينما يدلي الآخر بدلوه قائلا "الليبرالية بوابة الإلحاد الكبرى في عالمنا العربي"، وأخيرا وليس آخرا، جاءنا التصريح الآتي من نائب فاضل يقول إن "من يقول إن العلمانية فيها العدالة والحرية فهذا طعن مبطن في الإسلام".

وعليه اقتضى الأمر أن أوضح لشخوصكم الكريمة ماذا تعني الليبرالية، وسوف أبتعد عن الفكر الغربي وكتابات الفيلسوف جون لوك وتاريخ الثورات الفرنسية والأميركية وتأثير الحرب العالمية الثانية، لأنني لا أعتقد أن أغلب من يتبنى الفكر الليبرالي في الكويت لديه معرفة عميقة بتلك الفلسفة، فنحن الكويتيين قد خلقنا لنفسنا تعريفاً يتماشى مع هويتنا الوطنية.

الليبرالية من المنظور الكويتي تعني الاحترام والمساواة، وتطلب بأن نحترم كل فئات المجتمع الكويتي، وأن نراهم متساوين في الإنسانية أولاً والقانون ثانياً والحقوق والواجبات ثالثاً. الليبرالية أيضا تعني أن نحترم العقيدة أياً كانت، فالمساجد لها حرمتها والحسينيات لها حرمتها والكنائس لها حرمتها والبيوت أيضا لها حرمتها. الليبرالية ترى أن هناك بعض المواريث الثقافية التي تكرس النظرة الدونية للمرأة ولكن الليبراليين يحاولون- بقدر الإمكان في ظل مجتمع ذكوري عشائري- التجاوز عن تلك المواريث وإعطاء المرأة كامل حقوقها كمواطنة وإنسانة.

الليبرالية تعني عدم إلغاء الآخر بمجرد الاختلاف معه، فالليبراليون يعون أن ما يزيد من رونق الطيف الكويتي هو تعدد ألوانه شئنا أم أبينا، نحن كلنا أحفاد مهاجرون أتوا إلى هذه الأرض لبناء حياة كريمة وللتعايش السلمي مع من سبقهم إليها ومع من سيخلفهم فيها.

أما العلمانية، يا دعاتنا الكرام، فهي أبسط بكثير مما تتوقعون، العلمانية هي فصل الدين عن النظام السياسي في الدولة، لا أكثر ولا أقل. "وبس، وسلامتكم". العلمانية لا تعني الطعن ومحاربة الإسلام، لا سمح الله، ولا تحث على عدم احترام مقدساته؛ العلمانية لا تعني التجرد من هوية الشعب الكويتي كمسلمين؛ العلمانية لا تعني الكفر والشرك والردة؛ العلمانية لا تعني الانحلال الأخلاقي الذي يتعين علينا تزويج كل "عزوبية الديرة" حفاظا عليهم من الرذيلة. كل ما تهدف إليه العلمانية هو إعطاء كل مواطني البلد الحق في ممارسة معتقداتهم الدينية وليس فرض آراء بعض شيوخ الدين عليهم.

وأخيرا نأتي إلى الإلحاد وهو يعني عدم الايمان بخالق للكون ولا بدين الإسلام أو المسيحية أو حتى اليهودية، فالملحد يرفض تفسير أمور الكون عن طريق الكتب السماوية، وأكتفي بهذا القدر من الشرح لأن فلسفة الإلحاد ليست موضوع اهتمامي أو اختصاصي.

ومن الشرح المقدم أعلاه، يتضح لكم يا سادة يا كرام أن الليبرالي ليس بالضرورة علمانياً، فهناك من يؤمن بمبدأ المساواة واحترام الآخر، ولكنه يتقبل بعض التشريعات السياسية المبنية على الدين، وينطبق هذا الوصف على الكثير من السيدات الكبيرات في السن اللواتي يحترمن كل طوائف الشعب الكويتي، ولكنهن يستصعبن توجيه النقد إلى بعض أمور الدين غير الواضحة.

وهناك الليبرالي العلماني ولكنه ليس بالتبعية ملحداً، فالكثير منهم يؤمن بفصل الدين عن الدولة لكنه لا يتجرد من إيمانه واعتزازه بالإسلام، ويؤدي كل فرض ويربي أولاده على حب الله ونبيه المصطفى، ولكن دون الانتقاص من حق أخيه المسيحي في حب الله وسيدنا المسيح، وينطبق هذا الوصف على الكثير من الشباب الليبرالي.

وأخيرا هناك الليبرالي العلماني الملحد الذي يرفض الإيمان بأي خالق وله مطلق الحرية بمعتقداته، وإن كنا نختلف معه وهؤلاء يمثلون القلة القليلة من الليبراليين، وكل ما يمكن أن نقوله هو أنك "لا تهدي من تحب ولكن الله يهدي من يشاء".

وفي الحالات الثلاث، أعزائي الدعاة، لم يتم الطعن بالإسلام ولم يتم التشجيع على الإلحاد، ولم يتم الحث على الانحلال الأخلاقي، فجوهر الليبرالية هو تقبل الآخر واحترام الاختلاف، فمن أين أتيتم بأفكاركم هذه؟ إذا كان كتاب الله المجيد يقول "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ"، أليس من الأفضل أن تتيقنوا مما تتفوهون به من تجريح لإخوانكم وأخواتكم في الوطن؟

يا دعاتنا الكرام، نحن في زمن صعب، اختلت فيه موازين الصح والغلط، وأصبح اللهث وراء ماديات الحياة الدنيا أهم من العطاء فيها، وأبناء بلدكم بأمس الحاجة إلى مناجاة رب كريم يخرجهم مما هم فيه من عدم استقرار على كل الصعد، فلا تكرّهوهم بالدين بتصريحاتكم التكفيرية وآرائكم المتطرفة وفكركم المتحجر. رحبوا بهم، اسمعوهم، تفهموا وجهة نظرهم، عززوا القيم المشتركة بينكم، دعونا نتقارب أكثر، لأنه والله ثم والله إذا استمر بعضكم بتصريحاته الجاهلة والتي لا تنم عن أي وعي أو احترام لكل من يختلف معهم، وإذا استمر نوابكم في تأجيج الطائفية عن طريق تشريعاتهم السخيفة وتصريحاتهم الأسخف، فأنتم ستكونون أهم سبب في زيادة أعداد من يطالب بفصل الدين عن الدولة وأقوى محرك يدفع لانشقاق البلد، فاتعظوا يا أولي الألباب.

اسمحوا لي أن أختم بهذا الدعاء:

ربنا لا تؤاخذنا بما يقوله السفهاء منا، ربنا من أراد ببلدنا سوءاً فاجعل كيده في نحره، ربنا احفظ بلدنا من شرور التفرقة والتطرف والجهل، ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، واعف عنا واغفر لنا وارحمنا، أنت مولانا فانصرنا على القوم الجاهلين.

أقول قولي هذا وأستغفر الله وأتوب إليه والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.